محاسن التأويل للقاسمي - القاسمي  
{وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ} (5)

وقوله تعالى : { وما أمروا } أي والحال أن أهل الكتاب ما أمروا بلسان أنبيائهم وكتبهم { إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } أي الإذعان والخضوع ، وذلك بتنقيته من أن يشركه فيه شيء ، لا واسطة ، ولا مال ، ولا كرامة ، ولا جاه . { حنفاء } أي متبعي إبراهيم عليه السلام ، أو على مثاله ، وأصله جمع ( حنيف ) بمعنى المائل المنحرف ، سمي به إبراهيم عليه السلام لانحرافه عن وثنية الناس كافة . { ويقيموا الصلاة } أي الإتيان بها لإحضار القلب هيبة المعبود ، وترويضه بالخشوع ، لا أن تكون مجرد حركات ظاهرة ، فإن ذلك ليس من الصلاة في شيء البتة { ويؤتوا الزكاة } أي بصرفها في مصارفها التي عينها الله تعالى { وذلك دين القيمة } أي الكتب القيمة ، أو دين الأمة القيمة المستقيمة ، ومعنى الآية : إن أهل الكتاب قد افترقوا ، ولعنت كل فرقة أختها ، وكان افتراقهم في العقائد والأحكام وفروع الشريعة ، مع أنهم لم يؤمروا ولم توضع لهم تلك الأحكام إلا لأجل أن يعبدوا الله ويخلصوا له عقائدهم وأعمالهم ، فلا يأخذونها إلا عنه مباشرة ، ولا يقلدون أهل الضلال من الأمم الأخرى ، وأن يخشعوا لله في صلاتهم ، وأن يصلوا عباد الله بزكاتهم ، فإذا كان هذا هو الأصل الذي يرجع إليه في الأوامر فما كان عليهم إلا أن يجعلوه نصب أعينهم ، فيردوا إليه كل ما يعرض لهم من المسائل ، ويحلوا به كل ما يعترض أمامهم من المشاكل ، ومتى تحكم الإخلاص في الأنفس تسلط الإنصاف عليها ، فسادت فيها الوحدة ، ولم يطرق طرقها الفرقة ، هذا ما نعاه الله من حال أهل الكتاب فما تقول في حالنا ؟ أفما ينعاه كتابنا الشاهد علينا بسوء أعمالنا في افتراقنا في الدين ، وأن صرنا فيه شيعا ، وملأناه محدثات وبدعا ؟ بهذا الذي تقدم عرفت أن الذين كفروا هم الذين أنكروا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عند دعوتهم إلى قبول ما جاء به ، وأن { من } في قوله { من أهل الكتاب } للتبعيض ، وأن معنى ( لم يكونوا منفكين ) أي لم يكن وجه الحق لينكشف لهم فيقع الزلزال في عقائدهم ، فينفكوا عن الغفلة المحضة التي كانوا فيها ، حتى تأتيهم البينة ، ويجوز أن يكون المراد من { الذين كفروا } - والله اعلم - أولئك الذين جحدوا شيئا من دين الله تعالى عندما جاءهم ، ولم ينظروا في دليله ، أو أعرضوا عنه بعدما عرفوا دليله ، سواء كانوا من مشركي العرب ، أو أهل الكتاب ، وإن آمنوا بعد ذلك على عباده ، فأراد الله أن يذكر منته على من آمن من هؤلاء ، فبين أن الذين كفروا - أ ي جحدوا ما أوجب الله على عباده أن يعتقدوه عنه من صفاته وشرائعه من أهل الكتاب ومشركي العرب -لم يكونوا براجعين عن فضل الله عليهم في إرسال رسوله إليهم ، وهذا وجه آخر غير الذي قدمناه في معنى الذين كفروا وانفكاكهم ، وبذلك أو هذا ظهر معنى { حتى } وبطل جميع ما يهذي به كثير من المفسرين الذي أضلهم التقليد عن الرأي السديد ، فصعبوا من القرآن سهله ، وحرموا من فهمه أهله ، انتهى كلام الإمام . نقلناه من أول السورة إلى هنا بالحرف لنفاسته ، ولكونه أحسن ما فسرت به . وقاعدتنا التي انتهجناها في هذا التفسير أن نؤثر في معاني آياته أحسن ما قيل فيها ، فلذلك سميناه ( محاسن التأويل ) هدانا الله إلى أقوم السبيل .