اختلفوا في الاسم عن ماذا اشتق ، فمنهم من قال إنه مشتق من السمو وهو العلو ، ومنهم من قال إنه مشتق من السمة وهي الكية .
وكلاهما في الإشارة : فمن قال إنه مشتق من السمو فهو اسم من ذكره سمت رتبته ، ومن عرفه سمت حالته ، ومن صحبه سمت همته ، فسمو الرتبة يوجب وفور المثوبات والمبار ، وسمو الحالة يوجب ظهور الأنوار في الأسرار ، وسمو الهمة يوجب التحرز عن رق الأغبار .
ومن قال أصله من السمة فهو اسم من قصده وسم بسمة العبادة ، ومن صحبه وسم بسمة الإرادة ، ومن أحبه وسم بسمة الخواص ، ومن عرفه وسم بسمة الاختصاص . فسمة العبادة توجب هيبة النار أن ترمي صاحبها بشررها ، وسمة الإرادة توجب حشمة الجنان أن تطمع في استرقاق صاحبها- مع شرف خطرها ، وسمة الخواص توجب سقوط العجب من استحقاق القربة للماء والطينة على الجملة ، وسمة الاختصاص توجب امتحان الحكم عند استيلاء سلطان الحقيقة .
ويقال اسم من واصله سما عنده( عن ) الأوهام قدره( سبحانه ) . ومن فاصله وسم بكي الفرقة قلبه .
الناس اسم جنس ، والاشتقاق فيه غير قوي . وقيل سمي الإنس إنساً لظهوره فعلى هذه الإشارة : يا مَنْ ظهرتم عن كتم العَدَم بحكم تكليفي ، ثم خصصتُ مَنْ شئتُ منكم بتشريفي ، وحرمتُ من شئت منكم هدايتي وتعريفي ، ونقلتكم إلى ما شئتُ بل أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفي .
ويقال لم أُظْهِرٍ منَ العَدَمِ أمثالكم ، ولم أُظْهِرْ على أحدٍ ما أظْهَرٍتُ عليكم من أحوالكم .
ويقال سمِّيتَ إنساناً لنسيانك ، فإن نسيتني فلا شيء أَخَس منك ، وإنْ نسيت ذكري فلا أحد أَحَط منك .
ويقال من نَسِيَ الحق فلا غاية لمحنته ، ومن نسي الخَلْقَ فلا نهاية لعلوِّ حالته .
ويقال يقول للمُذْنِبين ، يا مَنْ نسِيتَ عهدي ، ورفضتَ ودي ، وتجاوزت حدِّي حانَ لك أن ترجع إلى بابي ، لتستحقَّ لطفي وإيجابي . ويقول للعارفين يا مَنْ نسيت فينا حظَّكَ ، وصُتَ عن غيرنا لَحْظَكَ ولَفْظَك - لقد عظُم علينا حَقُّك ، وَوَجَبَ لدينا نصرُك ، وجلَّ عندنا قَدْرُك .
ويقال يا من أَنِستَ بنسيم قرْبي ، واستروحتَ إلى شهود وجهي ، واعتززت بجلال قَدْري - فأنت أجلُّ عبادي عندي .
قوله : { اتَّقُوا رَبَّكُمْ } : التقوى جماع الطاعات ، وأوله ترك الشِّرْكِ وآخره اتقاء كل غير ، وأولُ الأغيار لك نفسُكَ ، ومَنْ اتَّقَى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا شهود حال ، و ( وقف ) لله . . لا لشهود حظِّ في الدنيا والعقبى .
قوله : { الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } : وهو آدم عليه السلام ، وإذا كنا مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضاً كذلك ، لمَّا ظهرت مزية آدم عليه السلام به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفُنا ، قال تعالى :{ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةْ }[ البيّنة : 7 ] .
ولفظ " النفس " للعموم والعموم يوجب الاستغراق .
قوله : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } : حَكَمَ الحقُّ - سبحانه - بمساكنة الخلق مع الخلق لبقاء النسل ، ولردِّ المِثْل إلى المِثْل فربَطَ الشكلَ بالشكلِ .
قوله : { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً } : تعرَّف إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة ؛ حيث خَلق جميع هذا الخلق من نسل شخصٍ واحدٍ ، على اختلاف هيئتهم ، وتفاوت صورهم ، وتباين أخلاقهم ، وإن اثنين منهم لا يتشابهان ، فلكلٍ وجه في الصورة والخلق ، والهمة والحالة ، فسبحان من لا حدَّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته .
ثم قال : { واتَّقُوا اللهَ } تكرير الأمر بالتقوى يدلُّ على تأكيد حكمه .
وقوله : { تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ } : أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فَمَنْ قَطَعَ الرحمَ قُطِع ، ومَنْ وَصَلَها وَصَل .
{ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } : مطلعاً شهيداً ، يعدُ عليك أنفاسكَ ، ويرى حواسَك ، وهو مُتَوَّلٍ خطراتِك ، ومنشئٌ حركاتِك وسكناتِك . ومَنْ عَلِمَ أنه رقيب عليه فبالحريِّ أن يستحيَ منه .
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }
افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه ، والحث على عبادته ، والأمر بصلة الأرحام ، والحث على ذلك .
وبيَّن السبب الداعي الموجب لكل من ذلك ، وأن الموجب لتقواه لأنه { رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } ورزقكم ، ورباكم بنعمه العظيمة ، التي من جملتها خلقكم { مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ليناسبها ، فيسكن إليها ، وتتم بذلك النعمة ، ويحصل به السرور ، وكذلك من الموجب الداعي لتقواه تساؤلكم به وتعظيمكم ، حتى إنكم إذا أردتم قضاء حاجاتكم ومآربكم ، توسلتم بها بالسؤال بالله . فيقول من يريد ذلك لغيره : أسألك بالله أن تفعل الأمر الفلاني ؛ لعلمه بما قام في قلبه من تعظيم الله الداعي أن لا يرد من سأله بالله ، فكما عظمتموه بذلك فلتعظموه بعبادته وتقواه .
وكذلك الإخبار بأنه رقيب ، أي : مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم ، وسرهم وعلنهم ، وجميع أحوالهم ، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته ، وشدة الحياء منه ، بلزوم تقواه .
وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة ، وأنه بثهم في أقطار الأرض ، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف بعضهم على بعض ، ويرقق بعضهم على بعض . وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها ، ليؤكد هذا الحق ، وأنه كما يلزم القيام بحق الله ، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق ، خصوصا الأقربين منهم ، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به .
وتأمل كيف افتتح هذه السورة بالأمر بالتقوى ، وصلة الأرحام والأزواج عموما ، ثم بعد ذلك فصل هذه الأمور أتم تفصيل ، من أول السورة إلى آخرها . فكأنها مبنية على هذه الأمور المذكورة ، مفصلة لما أجمل منها ، موضحة لما أبهم .
وفي قوله : { وخلق مِنْهَا زَوْجَهَا } تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به ، لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج ، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال ، وأقرب{[182]} علاقة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.