اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا} (1)

مقدمة السورة:

مكية ، وهي خمس عشرة آية ، وأربع وخمسون كلمة ، ومائتان وسبعون حرفا .

قوله تعالى : { والشمس وَضُحَاهَا } ، وقد تقدَّم أنَّ جماعة من أهل الأصول ؛ قالوا : التقدير : ورب الشمس ، ورب سائر ما ذكر إلى تمام القسم .

واحتج قوم على بطلان هذا القول ، بأن في جملة هذا القسم : { والسمآء وَمَا بَنَاهَا } ، وذلك هو الله تعالى ، لا يجوز أن يكون المراد منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه ، فإذن لا بد من تأويل ، وهو أن «ما » مع ما بعده في حكم المصدر ، فيكون التقدير : والسَّماءِ وبنائها .

واعترض الزمخشريُّ عليه ، فقال{[60264]} : لو كان الأمر على هذا الوجه ، لزم من عطف قوله : «فألهمها » عليه فساد النظم .

قوله : { وَضُحَاهَا } .

قال المبرِّدُ : إن الضُّحى ، والضَّحوة ، مشتقان من الضحّ ، وهو النور فأبدلت الألف ، والواو من الحاء ، تقول : ضَحْوة ، وضَحَوات ، وضُحى فالواو من «ضَحْوة » مقلوبة عن الحاء الثانية ، والألف في «ضُحَى » مقلوبة عن الواو .

وقال أبو الهيثم : الضحُّ نقيض الظل ، وهو نور الشمس على ظهر وجه الأرض وأصله : الضحى ، فاستثقلوا الياء مع سكون الواو فقلبوها ألفاً .

والضُّحَى : مؤنثة ، يقال : ارتفعت الضُّحى فوق الصخور ، وقد تذكر ، فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة ، ومن ذكَّر ذهب إلى أنَّه اسم على «فُعَل » نحو «صُرَد ، ونُغَر » وهو ظرف غير متمكن مثل : سحر ، تقول : لقيته ضحًى ، وضُحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه .

وقال الفراء : الضُّحَى ، هو النهار ، كقول قتادة ، والمعروف عند العرب أنَّ الضحى إذا طلعت الشمس ، وبُعَيْدَ ذلك قليلاً ، فإذا زاد فهو الضّحاء بالمد .

ومن قال : الضحى ، النهار كله ، فذلك لدوام نور الشمس ، ومن قال : إنه نور الشَّمس أو حرها ، فنور الشمس لا يكون إلاَّ مع حرِّ الشمس ، وقد استدل من قال : إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى : { وَلاَ تضحى } [ طه : 119 ] أي : لا يؤذيك الحر .

فصل في تفسير الآية

قال مجاهد : «وضُحَاهَا » أي : ضوؤها وإشراقها ، وأضاف الضحى إلى الشمس ؛ لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس{[60265]} .

وقال قتادةُ : بهاؤها{[60266]} .

وقال السدي : حرها .

وقال اليزيدي : انبساطها .

وقيل : ما ظهر بها من كل مخلوق ، فيكون القسم بها ، وبمخلوقات الأرض كلها . حكاه الماوردي .

قال ابن الخطيب{[60267]} : إنَّما أقسم بالشمس ، وضحاها ، لكثرة ما يتعلق به من المصالح ، فإنَّ أهل العالم كانوا كالأموات في الليل ، فلما ظهر الصبحُ في المشرق ، صار ذلك الضوء ، كالروح الذي تنفخ فيه الحياة ، فصارت الأموات أحياء ، ولا تزال تلك الحياة في القوة ، والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحى ، وذلك شبيه استقرار أهل الجنة .


[60264]:ينظر: الكشاف 4/759.
[60265]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/599) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/600) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[60266]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (20/49) عن قتادة.
[60267]:ينظر الفخر الرازي 31/172.