سورة مريم مكية نزلت بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة وقبل الإسراء وكانت الهجرة إلى الحبشة في السنة السابعة من البعثة ، وكان الإسراء في السنة الحادية عشرة للبعثة ، قبل الهجرة إلى المدينة بسنة وشهرين .
أي : أن سورة مريم نزلت بعد السنة السابعة من البعثة وقبل السنة الحادية عشرة .
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم ؛ لذكر قصة مريم فيها . وعدد آياتها ( 98 ) آية ، وعدد كلماتها ( 1192 ) كلمة .
الأهداف الأساسية لسورة مريم هي : تنزيه الله عن الولد والشريك ، وإثبات وحدانية الله ، والإلمام بقضية البعث القائمة على التوحيد .
هذه هي الأهداف الأساسية للسورة ، كالشأن في السورة المكية غالبا .
والقصص هو مادة هذه السورة ؛ فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى ، فقصة مريم ومولد عيسى ، فطرف من قصة إبراهيم مع أبيه . . ثم تعقبها بإشارات إلى النبيين : إسحاق ، ويعقوب ، وموسى ، وهارون ، وإسماعيل ، وإدريس ، وآدم ، ونوح . ويستغرق هذا القصص حوالي ثلثي السورة ، ويستهدف إثبات الوحدانية والبعث ، ونفي الولد والشريك وبيان : منهج المهتدين ومنهج الضالين من أتباع النبيين .
ومن ثم بعض مشاهد القيامة وبعض الجدل مع المنكرين للبعث ، واستنكار للشرك ودعوى الولد ، وعرض لمصارع المشركين والمكذبين في الدنيا وفي الآخرة وكله يتناسق مع اتجاه القصص في السورة ويتجمع حول محورها الأصيل .
وللسورة كلها جو خاص يضللها ويشيع فيها ويتمشى في موضوعاتها . . إن سياق هذه السورة معرض للانفعالات والمشاعر القوية . . الانفعالات في النفس البشرية ، وفي ( نفس ) الكون من حولها . فهذا الكون الذي نتصوره جمادا لا حس له يعرض في السياق ذا نفس وحس ومشاعر وانفعالات ، تشارك في رسم الجو العام للسورة حيث نرى السماوات والأرض والجبال تغضب وتنفعل ؛ حتى لتكاد تنفطر وتنشق وتنهد استنكارا ؛ { أن دعوا للرحمن ولدا . وما ينبغي للرحمن أن يتّخذ ولدا } . ( مريم : 92 ، 91 ) .
أما الانفعالات في النفس البشرية فتبدأ مع مفتتح السورة وتنتهي مع ختامها والقصص الرئيس فيها حافل بهذه الانفعالات في مواقفه العنيفة العميقة . وبخاصة في قصة مريم ، وميلاد عيسىi .
القصص في سورة مريم امتداد للقصص في سورة الكهف . فهناك ظهرت قدرة الله البالغة في حفظ أصحاب الكهف وإحياءهم بعد موتهم ، وفي إعطاء الرحمة والعلم للخضر عليه السلام ، وفي منح ذي القرنين أسباب الملك والسلطان والسيادة ، وهنا تظهر رحمة الله وفضله على زكريا ؛ إذ يمنحه يحيى على كبر وشيخوخة ، وتظهر قدرة الله البالغة في خلق عيسى من أم دون أب ، ثم نعمته السابغة على الأنبياء والرسل ورعاية الله لهم حتى يئدوا رسالاتهم ، ويظهر ذلك في قصة إبراهيم مع أبيه ، وقصة موسى مع قومه ، وقصة إسماعيل الصادق الوعد ، وقصة إدريس الصديق النبي .
ذكرت حلقة من هذه القصة في سورة آل عمران ، ولكنها في سورة مريم تخالف ما سبق منها في أسلوبها وسياقها وما فيها من زيادة ونقص .
إن السمة الغالبة هنا هي سمة الرحمة والرضا والاتصال فهي تبدأ بذكر رحمة الله لعبده زكريا وهو يناجي ربه نجاء خفيا .
فتصور أحاسيس ذلك الشيخ الهرم ورغبته في الذرية والولد ودعاءه لله خفية بعيدا عن زوجته وعن الناس .
ثم ترسم لحظة الاستجابة في رعاية وحفظ ورضا . . فالرب ينادي عبده من الملإ الأعلى { يا زكريا } . ويجعل له البشرى : { إنا نبشّرك بغلام } . ( مريم : 7 } .
ويعمره بالعطف فيختار له اسم الغلام الذي بشره : { اسمه يحيى } . وهو اسم فذ غير مسبوق : { لم نجعل له من قبل سميا } . ( مريم : 7 ) .
وكأنما أفاق زكريا من غمرة الرغبة وحرارة الرجاء ، على هذه الاستجابة القريبة للدعاء فإذا هو يواجه الواقع . . إنه رجل شيخ بلغ من الكبر عتيا ، وهن عظمه واشتعل شيبه ، وامرأته عاقر لم تلد في فتوته وصباه : فكيف يا ترى سيكون له غلام ؟ !
{ قال ربي أنّا يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } . ( مريم : 8 ) .
ثم يأتيه الجواب عن سؤاله . بأن هذا أمر هين يسير أمام قدرة الله فهو سبحانه الخالق الفعال لما يريد . وهو سبحانه الذي جعل العاقر لا تلد . وجعل الشيخ الفاني لا ينسل . وهو قادر على إصلاح العاقر وإزالة سبب العقم ، وتجديد قوة الإخصاب في الرجل وهو على كل شيء قدير .
وتمت ولادة يحيى وكبر وترعرع وأحكم الله عقله وهيأه لرعاية ميراث أبيه في حزم وعزم ولم يكن هذا الميراث مالا أو عقارا وإنما كان رسالة الهدى ودعوة الإيمان وناداه الله : { يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا } . ( مريم : 12 ) .
والكتاب هو التوراة ، كتاب بني إسرائيل من بعد موسى وعليه يقوم أنبياؤهم يعملون به ويحكمون . وقد نودي : يحيى ؛ ليحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم . لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة .
وقد زود الله يحيى بالحكمة في صباه ووهبه الحنان والعطف ؛ لتأليف القلوب واجتذابها إلى الخير وآتاه الطهارة والتقوى فكان موصولا بالله ، عابدا له ، مجاهدا في سبيله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخشى في الله لومة لائم .
انتقلت السورة من قصة ميلاد يحيى إلى قصة ميلاد عيسى وقد تدرج السياق من القصة الأولى ووجه العجب فيها هو ولادة العاقر من بعلها الشيخ ، إلى الثانية ووجه العجب فيها هو ولادة العذراء من غير بعل وهي أعجب وأغرب .
وإذا نحن تجاوزنا حادث خلق إنسان أصلا وإنشاءه على هذه الصورة فإن حادث ولادة عيسى ابن مريم يكون أعجب ما إذا شهدته البشرية في تاريخها كله ويكون حادثا فذا لا نظير له من قبله ولا من بعده .
والبشرية لم تشهد خلق نفسها . وهو الحادث العجيب الضخم في تاريخها لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب ولا أم . وقد مضت القرون بعد ذلك الحادث ، فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز العجيبة الثانية في مولد عيسى من غير أب على غير السنة التي جرت منذ وجد الإنسان على هذه الأرض ؛ ليشهدها البشر ثم تظل في سجل الحياة الإنسانية بارزة فذة تتلفت إليها الأجيال . إن عز عليها أن تتلفت إلى العجيبة الأولى التي لم يشهدها إنسان !
لقد جرت سنة الله في امتداد الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل بلا استثناء .
حتى المخلوقات التي لا يوجد فيها ذكر وأنثى متميزان تتجمع في الفرد الواحد منها خلايا التذكير والتأنيث ، جرت هذه السنة أحقابا طويلة حتى استقر في تصور البشر أن هذه هي الطريقة الوحيدة ونسوا الحادث الأول . حادث وجود الإنسان ؛ لأنه خارج عن القياس . فأراد الله أن يضرب لهم مثل عيسى ابن مريم عليه السلام ؛ ليذكرهم بحرية القدرة و طلاقة الإرادة . وأنها لا تحتبس داخل النواميس التي تختارها ولم يتكرر حادث عيسى ؛ لأن الأصل أن تجري السنة التي وضعها الله وأن ينفذ الناموس الذي اختاره . وهذه الحادثة الواحدة تكفي ؛ لتبقى أمام أنظار البشرية معلما بارزا على حرية المشيئة وعدم احتباسها داخل حدود النواميس : { ولنجعله آية للناس } . ( مريم : 21 ) .
ونظرا لغرابة الحديث وضخامته فقد عز على فريق من الناس أن تتصوره على طبيعته وأن تدرك الحكمة في إبرازه . فجعلت تضفي على عيسى ابن مريم عليه السلام صفات ألوهية . وتصوغ حول مولده الخرافات والأساطير ، وتعكس الحكمة من خلفه على هذا النحو العجيب- وهي إثبات القدرة الإلهية التي لا تتقيد ، تعكسها فتشوه عقيدة التوحيد . والقرآن في هذه السورة يقص كيف وقعت هذه العجيبة ويبرز دلالتها الحقيقية وينفي تلك الخرافات والأساطير .
وهب الله مريم التقوى واليقين ورزقها من فضله بغير حساب وفي يوم ما اعتكفت مريم كعادتها . وتوارت من أهلها واحتجبت عن أنظارهم . وبينما هي في خلوتها . مطمئنة إلى انفرادها . مطمئنة إلى انفرادها . إذ ظهر أمامها رجل سوى الخلقة فانتفضت انتفاضة العذراء المعذورة يفجؤها رجل في خلوتها ، فتلجأ إلى الله تستعيد به وتستنجد به وتستثير مشاعر التقوى في نفس الرجل ، والخوف من الله والتحرج من رقابته في هذا المكان الخالي . ولكن الرجل السوي هدأ من روعها وأعاد إليها طمأنينتها وأخبرها : أنه ملاك أرسله الله إليها ؛ لحكمة إلهية وفضل رباني : { قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا } . ( مريم : 19 ) .
وتدرك مريم شجاعة الأنثى المهددة في عرضها ؛ فتسأل في صراحة وحجة قائلة : { أنا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } . ( مريم : 20 ) .
فهي لم تخالط رجلا في نكاح ولا في سفاح فأخبرها الملاك : أن هذا الحمل سيتم بقدرة الله وحده وهو أمر هين أمام هذه القدرة التي تقول للشيء : كن فيكون ، وقد أراد الله أن يجعل هذا الحادث العجيب آية للناس وعلامة على وجوده وقدرته وحرية إدراكه .
{ قال كذلك قال ربك هو عليّ هيّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } . ( مريم : 21 ) .
ثم مضى الملاك واختفى . وتم الحمل بقدرة الله ، وجلست مريم حائرة تفكر في أمر نفسها وتخيلت ما سيقوله الناس عن عذراء تحمل وتلد من غير أن يكون لها بعل ، وفي حدة الألم ومرارة الخوف نظرت إلى الطفل في حسرة واكتئاب ، وجعلت تتمنى لو ضمها القبر . وفارقت هذا العالم قبل أن تصير أما من غير أن تتزوج فقالت : { يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } . ( مريم : 22 ) .
لكنها ما لبثت أن سمعت صوت وليدها ؛ فبدد مخاوفها وكفكف دموعها . وناداها من تحتها : { ألاّ تحزني قد جعل ربك تحتك سريا } . ( مريم : 24 ) .
أي : جدولا يجري ماؤه في تلك البقعة الجرداء والأرجح أنه جرى للحظته من ينبوع أو تدفق من مسيل ماء في الجبل . وهذه النخلة التي تستندين إليها هزيها فتتساقط عليك رطبا . فهذا طعام وذاك شراب والطعام الحلو مناسب للنفساء . والرطب والتمر من أجود طعام النفساء : { فكلي واشربي . هنيئا وقري عينا } . ( مريم : 26 ) ، واطمئني قلبا ؛ بما ترين من قدرة الله التي اخضر بها جذع النخلة اليابسة . وطيبي نفسا بما حباك الله من جريان الماء في تلك البقعة المقفرة ؛ واطمأنت مريم إلى فضل الله وإلى أن الله لن يتركها وحدها وإلى أن حجتها معها . هذا الطفل الذي ينطق في المهد .
ورجعت مريم إلى قومها وعشيرتها تحمل وليدها على كتفها ، وسرعان ما شاع أمرها ، وعرف خبرها ، وجاء أقاربها : أنبوها بألسنة التقريع والتأنيب ويلومونها على هذه الفعلة المنكرة ويذكرونها بشرف أسرتها وكرم أصلها ؛ والتزمت مريم الصمت وأشارت إليهم : أن كلموا هذا الوليد إن أردتم الوقوف على حقيقة الأمر .
فقال القوم لها : { كيف نكلم من كان في المهد صبيا } . ( مريم : 29 ) .
كيف نكلم وليدا لم تكتمل أدوات نطقه ، ولم تتحرك شفته إلى ثدي أمه ؛ فانطلق الوليد يجيبهم في بيان وحجة وبرهان وقال : { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا . وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا . وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبّارا شقيا ، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } . ( مريم : 33 ، 30 ) .
وهكذا يعلن عيسى عليه السلام : عبوديته لله ؛ فليس هو ابنه كما تدعي فرقة ، وليس هو إلها كما تدعي فرقة ، وليس هو ثالث ثلاثة كما تدعي فرقة ، ويعلن : أن الله جعله نبيا لا ولدا ولا شريكا ، وأن الله أوصاه بالصلاة والزكاة مدة حياته .
تحس في كلمات هذه السورة السهولة واليسر ، والرضا واللطف ؛ فهي كلمات معبرة عن معانيها ، فمعاني السورة تدور حول فضل الله على زكريا ومريم وغيرهما من الأصفياء .
ويتمثل الرضا والسلاسة واليسر في معاني السورة ، كما يتمثل في ألفاظها وفواصلها وهي : رضيا ، سريا ، خفيا ، نجيا .
فأما المواضع التي تقتضي الشدة والعنف ، فتجيء فيها الفاصلة مشددة على حرف الدال في الغالب : مدا ، ضدا ، إدا ، هدا ، أو زايا : عزا ، أزا .
ويتنوع الإيقاع الموسيقي والفاصلة والقافية ؛ بتنوع الجو والموضوع في هذه السورة . فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى فتسير الفاصلة والقافية هكذا : { ذكر رحمة ربك عبده زكريا . إذ نادى ربه نداءا خفيا } . ( مريم : 3 ، 2 ) . . . إلخ وتليها قصة مريم وعيسى فتصير الفاصلة والقافية على النظام نفسه : { واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا . فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا } . ( مريم : 17 ، 16 ) . . . إلخ
إلى أن ينتهي القصص ، ويجيء التعقيب ؛ لتقرير حقيقة عيسى ابن مريم ، وللفصل في قضية بنوته ، فيختلف نظام الفواصل والقوافي . تطول الفاصلة وتنتهي القافية بحرف الميم أو النون المستقر الساكن ، وكأنما الآيات تعبر عن حكم بعد نهاية القصة ، مستمد منها ، ولهجة الحكم تقتضي أسلوبا تعبيريا غير أسلوب الاستعراض وتقتضي إيقاعا قويا رصينا بدل إيقاع القصة الرضى المسترسل فيقول سبحانه : { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون . ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } . ( مريم : 35 ، 34 ) .
حتى إذا انتهى التقرير والفصل وعاد السياق إلى القصص عادت القافية الرضية المديدة : { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا . إذ قال لأبيه يا أبتي لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عليك شيئا } . ( مريم : 42 ، 41 ) . . . إلخ .
حتى إذا جاء ذكر المكذبين وما ينتظرهم من عذاب وانتقام ؛ تغير الإيقاع الموسيقي وجرس القافية ؛ { قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدّا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعملون من هو شرٌّ مكانا وأضعف جندا } . ( مريم : 75 ) . . . إلخ
وفي موضع الاستنكار يشتد الجرس والنغم بتشديد الدال : { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا . لقد جئتم شيئا إدّا . تكاد السماوات يتفطّرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا } . ( مريم : 90 ، 88 ) . . . إلخ .
وهكذا يسير الإيقاع الموسيقي في السورة وفق المعنى والجو ويشارك في إبقاء الأسلوب الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة . وفق انتقالات السياق من فكرة إلى فكرة ، ومن معنى إلى معنى .
يمكننا أن نلمح ثلاث مجموعات رئيسة في سورة مريم :
المجموعة الأولى : تتضمن قصة زكريا ويحيى ، وقصة مريم وعيسى ، والتعقيب على هذه القصة بالفصل في قضية عيسى التي كثر فيها الجدل ، واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى .
المجموعة الثانية : تتضمن حلقة من قصة إبراهيم مع أبيه وقومه واعتزاله لملة الشرك وما عوضه الله من ذرية نسلت بعد ذلك أمة . ثم أشارت إلى قصص النبيين ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة ، ومصير هؤلاء وهؤلاء ، وينتهي بإعلام الربوبية الواحدة التي تعبد بلا شريك : { رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميّا } . ( مريم : 65 ) .
المجموعة الثالثة والأخيرة : تبدأ بالجدل حول قضية البعث وتستعرض بعض مشاهد القيمة ، وتعرض سورة من استنكار الكون كله لدعوى الشرك ، وتنتهي بمشهد مؤثر عميق من مصارع القرون : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن . . . } . ( مريم : 98 ) ، أي : أمة من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل ، { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } . ( مريم : 98 ) .
وقد جاء في تفسير الطبري لهذه الآية الأخيرة من سورة مريم ما يأتي :
يقول تعالى ذكره : وكثيرا أهلكنا يا محمد قبل قومك من مشركي قريش { من قرن } . . . يعني : من جماعة من الناس ؛ إذ سلكوا في خلافي وركوب معاصي مسلكهم ، { هل تحس منهم من أحد } ، يقول : فهل تحس أنت منهم أحدا يا محمد فتراه وتعاينه ، { أو تسمع لهم ركزا } ، يقول : أو تسمع لهم صوتا بل بادوا وهلكوا وخلت منهم دورهم وأوحشت منهم منازلهم وصاروا إلى دار لا ينفعهم فيها إلا صالح من عمل قدموه ، فكذلك قومك هؤلاء صائرون إلى ما صار إليه أولئك إن لم يعاجلوا التوبة قبل الهلاكii .
وبذلك تنتهي سورة مريم بعد تقرير قدرة الله الفائقة وحكمته البالغة في خلق يحيى وخلق عيسى ، وتقرير قدرته سبحانه على البعث والحشر والحساب والجزاء ، ومكافأة المؤمنين ومعاقبة المعتدين .
{ كهيعص ( 1 ) ذكر رحمة ربّك عبده زكريا ( 2 ) إذ نادى ربه نداء خفيّا ( 3 ) قال ربّي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك ربّ شقيا ( 4 ) وإني خفت الموالى من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ( 5 ) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيا ( 6 ) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميّا ( 7 ) قال ربّي أنا يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من اكبر عتيّا ( 8 ) قال كذلك قال ربّك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ( 9 ) قال ربّي اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويّا ( 10 ) فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيّا ( 11 ) }
هي حروف افتتح الله تعالى بها بعض السور . قيل : هي مما استأثر الله تعالى بعلمه ، وقيل : بل لها معان ، وتعددت الآراء في هذه المعاني :
( أ ) قيل : هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ؛ فالكاف من اسمه ( كاف ) ، والهاء من ( هاد ) ، والياء من ( حكيم ) ، والعين من ( عالم ) ، والصاد من ( صادق ) .
( ب ) وقيل هي حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان أن القرآن مؤلف من حروف عربية تنطقون بها ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ؛ فدل ذلك على أنه من عند الله تعالى ، وأصحاب هذا الرأي يذكرون : أن الحروف المقطعة في فواتح السور ، مجموعها 14 حرفا ، بينما حروف اللغة العربية 28 حرفا ، فكأن القرآن أخذ نصف الحروف في فواتحه ، وترك للناس النصف الباقي ؛ ليصنعوا منه قرآنا إن استطاعوا .
( ج ) وذهب آخرون إلى أن هذه الأحرف للتنبيه مثل أدوات الاستفتاح ، أو الجرس الذي يضرب فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة .
سورة{[1]} مريم عليها السلام{[2]}
{[3]}مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة{[4]}النعم على جميع خلقه ، المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال ، المستلزم لشمول القدرة على إبداع المستغرب ، المستلزم [ لتمام القدرة - {[5]} ] الموجب للقدرة على البعث والتنزه{[6]} عن الولد [ لأنه لا يكون إلا لمحتاج ، ولا يكون إلا مثل الوالد - {[7]} ] ، ولا سمى له سبحانه فضلا عن مثيل{[8]} ، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم ، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم ، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا الآدمي ، وأعجب أقسام توليده الأربعة-{[9]} -– بعد {[10]} كونه آدميا{[11]} - ما كان من أنثى بلا توسط ذكر ، لأن ذلك أضعف الأقسام ، وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها أقوى النوع وهو الذكر ، ولا سيما إن أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حال الطفولية ، وأن يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك ، لم يقدر أحد – مع كثرة الأعداء - على{[12]} أن يمسه بشيء من أذى ، هذا إلى{[13]} ما جمعته{[14]}من إخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب ، ومن إنباع الماء في غير موضعه ، وعلى مثل ذلك أيضا دلت تسميتها بما في أولها من الحروف ، بيان ذلك أن مخرج الكاف من أقصى اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك ، وهي أدنى من مخرج القاف قليلا إلى مقدم الفم . ولها من الصفات الهمس والشدة والانفتاح والاستفال ، ومخرج الهاء من أقصى الحلق لكنها أدنى من الهمزة إلى جهة اللسان قليلا ، ولها من الصفات [ الهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والخفاء ، ومخرج الياء من وسط اللسان ووسط الحنك الأعلى ، ولها من الصفات الجهر والرخاوة والانفتاح والاستفال ، وهو أغلب صفاتها ، ومخرج العين من وسط الحلق ، ولها من الصفات -{[15]} ]الجهر وبين الشدة والرخاوة والانفتاح والاستفال ، ومخرج الصاد من طرف رأس اللسان وبين أصول الثنيتين السفليين ، وله من الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير فالافتتاح بهذه الأحرف هنا إشارة – والله أعلم –إلى أن أهل الله عامة – من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم – يكون أمرهم عند المخالفين أولا – كما تشير إليه الكاف - ضعيفا مع شدة وانفتاح كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أول ما دعا ، فإنه اشتهر أمره ولكنه كان ضعيفا بإنكار قومه إلا أنهم لم يبالغوا في الإنكار ، ثم يصير الأمر في أوائل العراك – كما تشير إليه الهاء - إلى{[16]} استفال{[17]} ، ثم يزداد بتمالؤ المستكبرين عليهم ضعفا وخفاء ، وإلى هذا تشير قراءتها بالإمالة ولا بد مع ذلك من نوع ظهور – كما يشير إليه انفتاح الهاء وإليه تشير قراءة الفتح ، وهذا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حين صرح بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم فقاموا عليه إلبا واحدا ، فهاجر{[18]} أكثر الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة ، وخاف أبو طالب دهماء العرب فقال قصيدته اللامية{[19]} في ذلك ، وتمادى الحال حتى ألجأتهم قريش إلى الشعب ، و{[20]} تكون في وسط أمرهم – كما يشير إليه الياء وقراءتها بالفتح – لهم قوة مع رخاوة واشتهار واستفال ، وهو الأغلب عليهم ظاهرا كما تشير إليه قراءة الإمالة ، فيكون ذلهم من وراء عز وعزهم في ثوب ذل ، يعرف ذلك من عاناه ، ونظر إليه بعين الحقيقة واجتلاه ، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش في نقض الصحيفة الظالمة وإخراجهم من الشعب ، ثم عند موت خديجة رضي الله عنها وأبي طالب ، وخرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فردوه – بأبي هو وأمي ونفسي وولدي وعيني ، فلما قرب من مكة المشرفة لم يستطع دخولها بغير جوار ، فاختفى في غار حراء وأرسل [ إلى -{[21]} ] من يجيره ثم أرسل حتى أجاره المطعم بن عدى ، ولبس السلاح هو ومن أطاعه وأدخله صلى الله عليه وسلم حتى طاف بالبيت ، ثم قضى سبحانه أن قتل المطعم في بدر كافرا – بعد اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم [ في سلامته - {[22]} ] والإيصاء به أن لا يقتل – ليعلم أنه سبحانه مختار في عموم رحمته وخصوصها لئلا ييأس عاص أو يأمن طائع ؛ ثم إذا علا أمرهم عن الوسط صاعدا قوى – كما تشير إليه العين ، فصار بين الشدة والرخاوة وفيه انفتاح بشهرة مع استفال في بعض الأمر كما كان حاله صلى الله عليه وسلم عند مبايعة الأنصار رضوان الله عليهم ، وأما آخر أمرهم فهو وإن كان فيه نوع من الضعف ، وضرب من الرخاوة واللين كما كان في غزوة حنين والطائف ، فإنه تعقبه قوة عظيمة بالإطباق ، واستعلاء{[23]} واشتهار يملأ الآفاق ، كما يشير إليه الضفير – هذا في أهل الله عامة المذكورين في هذه السورة وغيرهم ، وأما ما يخص عيسى عليه الصلاة والسلام الذي هو صورة سورتها ومطمح إشارتها [ وسيرتها - {[24]} ] فجعل الحروف / اللسانية من هذه الحروف أغلبها ثلاثة أحرف منها إشارة إلى أن إبراهيم عليه السلام بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق المذكور به هو لسان هذا الوجود ، وأن دولة آله الذين [ عيسى عليه السلام من أعيانهم هي وسط هذا الوجود حقيقة وخيارا - {[25]} ] فموسى{[26]} عليه السلام أول أصحاب شرائعهم بمنزلة القاف التي هي من أقصى اللسان وله حظ كبير منها ، فإنه من أجله قتل أبناء{[27]} بني إسرائيل وولد في سنة القتل ، وكان سبب هجرته وابتداء سيره إلى الله تعالى قتله القبطي ، وقرب نجيا ، ومن صفاتها الجهر والشدة والانفتاح ، و{[28]}الاستعلاء والقلقلة{[29]} ، وهو عريق في كل من خيرات ذلك ، وداود عليه السلام ثاني ذوى كتبهم بمنزلة الهمزة التي هي أبعد من مخرج الهاء إحدى هذه الحروف ، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين الملك والنبوة ، وله حظ من{[30]} صفاتها الجهر والشدة والانفتاح ، بما كان فيه من الملك والظهور ، والنصر على الأعداء وعجائب المقدور ، وله حظ من وصفها بالاستفال في أول أمره وفي آخره بما كان من بكائه وتواضعه{[31]} وإخباته لربه وصلاحه ، فالكاف هنا إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام هو ثاني الشارعين{[32]} في الوجود ، والهاء عبارة عن أنه من عقب داود عليهما السلام ، وكل منهما له حظ من صفات الحرف المشير إليه الدال عليه ، والصاد التي هي من طرف اللسان وهي خاتمة هذه الحروف إشارة بما فيها من الإطباق المشير [ إلى تطبيق الرسالة لجميع الوجوه ومن الاستعلاء المشير -{[33]} ]إلى نهاية العظمة ، والصفير المشير إلى غاية الانتشار والشهرة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى مقرر دينه ومجدده عيسى عليه السلام [ وتشير الكاف أيضا بما فيها{[34]} من الصفات إلى أن أول أمر عيسى عليه السلام - {[35]} ] يكون فيه مع الشدة ضعف ، ثم تشير أيضا الهاء – التي هي{[36]} من أقصى الحلق – إلى أن أمره يبطن بعد ذلك الظهور ويخفى بارتفاعه إلى السماء ، ويدل الاستفال على أنها قريبة إلى{[37]} السفلى ، وهو كذلك فإنه في{[38]} الثانية بدلالة{[39]} رتبة الكاف والهاء في مخرجيهما .
وتشير الياء بجهرها إلى ظهوره بنزوله ، وتدل بكونها من وسط اللسان على تمكنه في أموره وباعتلائها على شيء في ذلك وهو ضعف الأتباع وحصرهم{[40]} في ذلك الوقت ، وتدل بانفتاحها ورخاوتها على ظهوره على الدجال في أولئك القوم الذين قد جهدهم البلاء عند نزوله ، ومسهم الضر قبل حلوله ، و{[41]}تليح غلبة{[42]} الاستفال عليها إلى أمر ياجوج وماجوج لما يوحيه الله إليه " إني قد{[43]} أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بهم فحرز عبادي إلى الطور " وتدل العين بكونها من وسط الحق على{[44]} انحصارهم وبجهرها على أنه لا سبيل للعدو عليهم ولا وصول بوجه إليهم ، وبما{[45]} فيها من البينية{[46]} والاستفال على جهدهم مع{[47]} حسن العاقبة ، وتبشر{[48]} - بما فيها من الانفتاح – بحصول الفتح الذي ليس وراءه فتح ، وتدل الصاد بمخرجها على القوة الزائدة ، وبالهمس والرخاوة على أنها قوة لا بطش فيها ، وبالإطباق والاستعلاء على عموم الدين جميع الناس وبالصفير على أنه ليس وراء ذلك إلا النفخ في الصور لعموم الهلاك لكل موجود مفطور . ثم لبعثرة القبور . وتحصيل ما في الصدور ، وكل هذا من ترتيب سنته سبحانه في المصطفين من عباده على هذا النحو البديع ، وترتيب هذه الحروف على هذا/ النظم الدال عليه دائر على القدرة التامة والعلم الشامل ، والحكمة الباهرة ، رحمهم سبحانه بأن نكبهم{[49]} طريق الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة ، وجنبهم سنن المستكبرين التي تلجئ ولا بد إلى الشقوة فجعل نصرهم في لوامع انكسار ، وكسرهم في جوامع انتصار وحماهم من فخامة دائمة تجر إلى بذخ وعلو واستكبار ، ومن رقة ثابتة نحمل على ذل وسفول وصغار ، فلقد انطبق الاسمان{[50]} على المسمى ، واتضحا غاية الاتضاح{[51]} في أمره ونما .
1{[52]}وهذا معنى ما قال الكلبي : هو ثناء أثنى الله به على نفسه{[53]} : " بسم الله " المنزه عن كل شائبة نقص ، القادر على كل ما يريد " الرحمن " الذي عم{[54]} نواله سائر مخلوقاته " الرحيم " الذي اختص الصالحين من عباده ، بما يسعد من مراده .
لما كان مقصود التي{[55]} قبلها الدلالة على أن القرآن قيم لا عوج فيه ، وبه تمام الانتظام في نعمة الإبقاء الأول ، ودل على ذلك بأنه ساق المسؤول عنه من القصص أحسن سوق ، وكشف عن مخبأته القناع{[56]} أبدع كشف – إلى غير ذلك مما خلله{[57]} به من بدائع الحكم وغرائب المعاني فاضحة لمن ادعى لله سبحانه ولدا ، وختمها بمثل ذلك من وصف الكتاب والتوحيد – النافي لقبول التعدد بولد أو غيره بكل اعتبار – والعمل الصالح ، ابتدأ هذه بالكشف عن أغرب من تلك القصص ، تحقيقا{[58]} لآية " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " بسياق غير ما تقدم فيما مضى من السور . وجزئيات لم تذكر إلا فيها مع عدم المخالفة لما مضى ، تأييدا لأن كلماته لا تنفذ ، وعجائبه لا تعد ولا تحد ، وأنه لو كان من عند غيره لاختلف ، مع أن أهلها سادة الموحدين ، وقادة المصلحين المتقين الذين عملوا الصالحات ، ونفوا الشرك وشرعوا ذلك للناس ، فرحمهم ربهم سبحانه ، وكلهم ممن يعتقده اليهود الآمرون لقريش بالسؤال عن أصحاب الكهف وذي القرنين تعنتا أما من عدا عيسى عليه الصلاة والسلام فواضح وأما عيسى عليه السلام فيعتقدون أنه ما أتى بعد وأنه سيأتي ويكون الناس في أيامه على دين واحد تصديقا لوعد التوراة الآتي بيانه وذلك على وجه مستلزم في أكثرها تنزهه تعالى عن الولد ، وقدرته على البعث ، وبدأها بقصة من خرق له العادة في الولد على وجه مبين أنه لا يحتاجه إلا فان حسا أو معنى يريد أن يخلفه فيما تعسر عليه فعله أو تعذر ، وكان تقديم قصته أولى لأن التبكيت به أعظم لمباشرتهم لقتله وقتل ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام ، وإشارة إلى أن العمل الصالح المؤسس{[59]} على التوحيد ضامن لإجابة الدعاء وإن كان فيه خرق للعادة وثنى بأمر من نسبوه إليه وافتروه{[60]} عليه وقصدوا قتله على وجه معرب عن شأنه غاية الإعراب . مبين فيه وجه الصواب متمما لتبكيت اليهود الآمرين لقريش بالتعنت بالسؤال بالإشارة إلى قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام وادعاء صلب{[61]} المسيح الذي بشرت به التوراة ، وهم الآن ينتظرونه ويدعون أنهم / أخص الناس به وقذف أمه – وحاشاها – دالا بذلك على القدرة على البعث ، قال في التوراة في آخر السفر الأول{[62]} : إن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخبر بقرب وفاته وقال لبنيه : اجتمعوا إلي فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب ، أنصتوا لإسرائيل أبيكم ثم قال : يا يهوذا لك يعترف{[63]} إخوتك بتعالى يدك على رقاب أعدائك ، وليسجد{[64]} لك بنو أبيك شبل الليث يهوذا ، كما أنه خلص ابنى من القتل ، ربض وجثم مثل الضرغام ومثل شبل الليث ، من ذا يقيمه عن فريسته ، لا يزول{[65]} القضيب من آل يهوذا لا يعدم سبط يهوذا ملكا مسلطا وأفخاذه نبيا مرسلا حتى يأتي الذي له الملك – وفي نسخة : الكل – وإياه تنتظر الشعوب يربط{[66]} بالحبلة{[67]} جحشه عيناه أشد شهولة من الخمر ، وأسنانه أشد بياضا من اللبن – هذا نصه ، وعند اليهود أنه المسيح ، ويسمونه مع ذلك المنتظر والمهدي ، وعندهم أنه ينصرهم ويخلصهم مما هم فيه من الذل ، فقلت لبعضهم : أشهد أنه المسيح ابن مريم الذي أتى وتبعه النصارى وعاديتموه حتى رفعه الله تعالى [ فقال - {[68]} ] الذي في التوراة أنه{[69]} يكون له الكل وعيسى ما كان كذلك فقلت : إنه يكون له الكل حين ينزل تابعا لديننا من حيث أنه لا يقبل إلا الإسلام فيطبق أهل الأرض على اتباعه عليه ويسعد به منكم من يتبعه ، ويزول عنه الذل ، وهذا لا ينافي كلام التوراة فإنه لم يقيد ذلك بساعة إتيانه ، فلم يقبل ذلك ، ثم إنه أتى إلي يوما بكتاب من كتبهم في شرح سفر الأنبياء فقال في الكلام على{[70]} البشائر المتعلقة بالمسيح " ولا يبعد " أن يبدو لإسرائيل ثم يختفي ثم يظهر فيكون له الكل " فقلت له : انظر وتبصر هذا عين ما ذكرته لك من قبل . فبهت لذلك فقلت : أطعني وأسلم ففكر ثم قال : حتى يريد الله تعالى .
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في برهانه : لما قال تعالى " أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين وموسى والخضر عليهما السلام وقصة ذي القرنين ، اتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب [ ما هو أشد عجبا- {[71]} ] وأخفى سببا ، فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر{[72]} الزوج حتى سأل زكريا مستفهما ومتعجبا " أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا "
فأجابه تعالى بأن ذلك عليه هين ، وأنه يجعل ذلك آية للناس وأمر هذا عجب من القصص المتقدمة ، فكان قد قيل ، أم حسبت يا محمد أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ، نحن نخبرك [ بخبرهم ونخبرك -{[73]} ] بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية ، وهو قصة زكريا في ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام ، وقصة عيسى{[74]} في كينونته بغير أب ، ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف عليها شيء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله ، وإنما الفعل له سبحانه لا بسبب ، وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا عليه الصلاة والسلام " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " ثم{[75]} اتبع سبحانه / بشارة زكريا بيحي بإيتائه{[76]} الحكم صبيا ، ثم بذكر مريم{[77]} وابنها عليهما الصلاة والسلام ، وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة – انتهى .
ولما كانت هذه السورة تالية{[47732]} للسورة الواصفة للكتاب - الذي به نعمة الإبقاء الأول - بالاستقامة البالغة ، افتتحها بالأحرف المقطعة ، كما افتتح السورة التي تلي أم الكتاب ، الداعيةَ إلى الصراط المستقيم ، الواصفةَ{[47733]} الكتابَ بالهدى الضامن للاستقامة ، والتي تلي واصفته ، والتي{[47734]} تلي الأنعام المشيرة إلى نعمة الإيجاد الأول ، فقال : { كهيعص * } وهي خمسة أحرف على عددها مع تلك السور{[47735]} ، وهي جامعة النعم ، وواصفة الكتاب ، وذات النعمة الأولى ، وذات النعمة الثانية ، كما افتتحت الأعراف التالية لذات النعمة الأولى بأربعة على عددها مع ما قبلها من{[47736]} الأم الجامعة{[47737]} والواصفة وذات النعمة الأولى ، وكما افتتحت آل عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع الأم والواصفة{[47738]}