اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} (29)

قوله : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء } يجوز أن يكون استعارة ، كقول الفرزدق :

4426 وَالشَّمْسُ طَالِعةٌ لَيْسَتْ بكَاسِفَةٍ *** تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالقَمَرَا{[50353]}

وقال جرير :

4427 لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ *** سُور المَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الخُشَّعُ{[50354]}

وقال النابغة :

4428 بَكَى حَارِثُ الجَوْلاَنِ مِنْ فَقْدِ رَبِّهِ *** وَحَوْرَان مِنْهُ خَاشِعٌ مُتَضَائِلُِ{[50355]}

فصل

روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » مَا مِنْ عَبْدٍ إلاَّ وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ ، بابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقَُه ، وبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ عَمَلُهُ . فَإذَا مَاتَ وَفَقَدَاهُ بَكَيَا عَلَيْهِ ، وتَلاَ هذه الآية ، وذلك لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً فتبكي عليه ، ولم يكن يصعد لهم إلى السماء كلامٌ طيب ، ولا عمل صالح فتبكي عليهم . وقيل : التقدير : فما بكت عليهم أهْلُ السماء والأرض ، فحذف المضاف والمعنى : فما بكت عليه الملائكة ، ولا المؤمنون بل كانوا لهلاكهم مسرورين .

وقيل : إن العادة جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأنِ إنه أظلمت له الدنيا ، وكسفت الشمس والقمر لأجله ، وبكت السماء والريح والأرض . يريدُونَ المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكتاب{[50356]} . وقال الزمخشري : ذكر هذا على سبيل السخرية بهم{[50357]} يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض ، ولم يكونوا بهذا الحَدِّ ، بل كانوا دون ذلك ، فذكر هذا تهكماً بهم{[50358]} .

وقال عطاء : بكاء السماء حُمْرَةُ أطرافِهَا . وقال السدي : : لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكت عليه السماء وبكاؤها حُمْرَتُها { وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } أي لما جاء وقت هلاكِِهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبةِ وتدارك تقصيرٍ .


[50353]:من البسيط لجرير وليس للفرزدق في رثاء خامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز. والشاهد: تبكي عليك نجوم إسناد الفعل إلى الشمس لأن النجوم والقمر باكين الشمس على المرثي فبكتهن فهنا مغالية انظر أمالي المرتضى 1/52 و53 والبحر 8/46 والمذكر والمؤنث 219 والكامل 2/141 وديوان "جرير" 372.
[50354]:من الكامل لجرير في هجاء الفرزدق. والشاهد: إسناد التواضع إلى السور والجبال إسنادا مجازيا، وقد تقدم.
[50355]:من الطويل للنابغة كما في الديوان 121 وشاهده كسابقيه من إسناد الفعل إلى الجماد إسنادا مجازيا على سبيل الاستعارة. وحارث وحوران من مرتفعات الجولان وفي الديوان "موحش" بدل خاشع وانظر اللسا (جول) 731.
[50356]:كذا كتبها ناسخ المخطوط وفي الرازي: الكذب 27/246 و247.
[50357]:الكشاف 3/504.
[50358]:الرازي السابق.