الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

{ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } يعني بالعهود المؤكدة التي عاهدتموها مع الله والناس ثم ابتدأ كلاما آخر فقال { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قيل هي الأنعام نفسها وهي الإبل والبقر والغنم وقيل بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء وبقر الوحش وحمر الوحش { إلا ما يتلى عليكم } أي ما يقرأ عليكم في القرآن يعني قوله { حرمت عليكم الميتة } الآية { غير محلي الصيد } يعني إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم { إن الله يحكم ما يريد } يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المائدة{[1]}

وتسمى سورة العقود وسورة الأحبار{[2]} .

مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب ، ودل عليه ميثاق العقل من توحيد{[3]} الخالق ورحمة الخلائق شكراً لنعمه{[4]} واستدفاعاً لنقمه{[5]} ، وقصة المائدة{[6]} أدل ما فيها على ذلك ، فإن مضمونها أن من زاغ عن الطمأنينة بعد الكشف الشافي والإنعام الوافي نوقش الحساب فأخذه العذاب ، وتسميتها بالعقود أوضح دليل على ما ذكرت من مقصودها وكذا الأحبار .

{ بسم الله } أي{[7]} الذي تمت كلماته فصدقت وعوده{[8]} وعمت مكرماته { الرحمن } الذي عم بالدعاء إلى الوفاء في حقوقه وحقوق مخلوقاته { الرحيم } الذي نظر إلى القلوب فثبت منها على الصدق ما جبّله على التخلق بصفاته .

لما أخبر تعالى في آخر سورة{[24091]} النساء أن اليهود لما نقضوا المواثيق التي{[24092]} أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم من{[24093]} كثير من بهيمة الأنعام المشار إليها بقوله{ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي{[24094]} ظفر }[ الأنعام : 146 ] ، واستمر تعالى في هتك أستارهم وبيان عوارهم{[24095]} إلى أن ختم بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأنه شامل العلم ، ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذي اشتد تحذيره لهم منهم{[24096]} بالوفاء الذي جلُّ مبناه{[24097]} القلب الذي هو عيب ، فقال مشيراً إلى أن الناس الذين خوطبوا أول تلك تأهلوا{[24098]} لأول أسنان الإيمان ووصفوا بما هم محتاجون إليه ، وتخصيصهم مشير إلى أن من فوقهم من الأسنان عنده من الرسوخ ما يغنيه عن الحمل بالأمر ، وذلك أبعث له على التدبر والأمتثال{[24099]} : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك بألسنتهم { أوفوا } أي صدقوا ذلك بأن توفوا { بالعقود } أي العهود الموثقة المحكمة ، وهي تعم جميع أحكامه سبحانه فيما أحل أو حرم{[24100]} أو ندب على سبيل الفرض أو غيره{[24101]} ، التي من جملتها الفرائض التي افتتحها بلفظ الإيصاء الذي هو من أعظم العهود ، وتعم سائر ما بين الناس من ذلك ، حتى ما كان في الجاهلية من عقد يدعو إلى بر{[24102]} ، وأما غير ذلك فليس بعقد ، بل حل بيد الشرع القوية ، تذكيراً{[24103]} بما أشار إليه قوله تعالى في حق أولئك{ اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون{[24104]} }[ البقرة : 40 ] وإخباراً لهم{[24105]} بأنه أحل لهم ما حرم على أولئك ، فقال على سبيل التعليل مشيراً إلى أن المقصود من النعمة كونها ، لا بقيد فاعل مخصوص ، وإلى أن المخاطبين يعلمون{[24106]} أنه لا منعم غيره سبحانه : { أحلت لكم } والإحلال من أجل العقود { بهيمة } وبينها بقوله{[24107]} : { الأنعام } أي أوفوا لأنه أحلّ لكم بشامل علمه وكامل قدرته لطفاً بكم ورحمة لكم ما حرم على من قبلكم من الإبل والبقر والغنم بإحلال أكلها والانتفاع بجلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من شأنها ، فاحذروا أن تنقضوا كما نقضوا ، فيحرم عليكم ما حرم عليهم ، ويعد لكم من العقاب ما أعد لهم ، ولا تعترضوا على نبيكم ، ولا تتعنتوا{[24108]} كما اعترضوا وتعنتوا{[24109]} ، فإن ربكم لا يسأل عما يفعل ، {[24110]} وسيأتي{[24111]} في قوله : ( لا تسئلوا عن أشياء{[24112]} }[ المائدة : 101 ] ما يؤيد هذا .

ولما كانوا ربما فهموا{[24113]} من هذا الإحلال ما ألفوا من الميتات ونحوها قال مستثنياً من نفس البهيمة ، وهي في الأصل كل حي لا يميز{[24114]} ، مخبراً أن من أعظم العقود ما قدم تحريمه من ذلك في البقرة : { إلا ما يتلى عليكم } أي في{[24115]} بهيمة الأنعام أنه محرم ، فإنه لم يحل لكم ، ونصب{[24116]} { غير محلي الصيد } على الحال أدل{[24117]} دليل على أن هذا السياق . وإن كان صريحه مذكراً{[24118]} بالنعمة لتشكر{[24119]} - فهو مشار به إلى التهديد إن كُفِرَت ، أي أحل لكم ذلك في هذه الحال ، فإن تركتموها انتفى الإحلال ، وهذه مشيرة إلى تكذيب من حرم من ذلك ما أشير إليه بقوله تعالى في التي قبلها حكاية عن الشيطان

{ ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله{[24120]} }[ النساء : 119 ] من{[24121]} السائبة وما معها مما كانوا اتخذوه ديناً ، وفصّلو فيه تفاصيل - كما سيأتي صريحاً في آخر هذه السورة{[24122]} بقوله تعالى :

{ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة{[24123]} }[ المائدة : 103 ] الآية ، وكذا في آخر الأنعام ، وفي الأمر بالوفاء بالعقود بعد الإخبار بأنه بكل شيء عليم غاية التحذير من تعمد الإخلال بشيء من ذلك وإن دق ، و{[24124]} في افتتاح هذه المسماة بالمائدة بذكر الأطعمة عقب{[24125]} سورة النساء - التي من أعظم مقاصدها النكاح والإرث ، المتضمن للموت المشروع فيهما الولائم والمآتم{[24126]}- أتم مناسبة ، و{[24127]} قال ابن الزبير : لما بين تعالى حال أهل الصراط المستقيم ، ومن{[24128]} تنكب عن{[24129]} نهجهم ، ومآل الفريقين من المغضوب عليهم والضالين ، وبين لعباده{[24130]} المتقين ما فيه هداهم وبه{[24131]} خلاصهم أخذاً وتركاً{[24132]} ، وجعل طي{[24133]} ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث حذيفة رضي الله عنه في قوله : " الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم و{[24134]} الشهادة سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والصوم سهم ، والحج سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له " قلت : وهذا الحديث أخرجه البزار عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم " فذكره ، وصحح الدارقطني وقفه ، ورواه أبو يعلى الموصلي عن علي رضي الله عنه مرفوعاً والطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام عشرة أسهم ، وقد خاب من لا سهم له : شهادة أن لا إله إلا الله سهم وهي الملة ، والثانية : الصلاة وهي الفطرة ، والثالثة : الزكاة وهي الطهور ، والرابعة : الصوم وهي الجنة ، والخامسة : الحج وهي الشريعة ، والسادسة : الجهاد وهي الغزوة{[24135]} ، والسابعة : الأمر بالمعروف وهو الوفاء والثامنة{[24136]} : النهي عن المنكر وهي الحجة ، والتاسعة : الجماعة وهي الألفة ، والعاشرة : الطاعة وهي العصمة "

وفي سنده من{[24137]} ينظر في حاله ؛ قال ابن الزبير : وقال النبي{[24138]} صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس " أي في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان " قال ابن الزبير : وقد تحصلت - أي الأسهم الثمانية والدعائم الخمس - فيما مضى ، وتحصل مما تقدم{[24139]} أن{[24140]} أسوأ حال{[24141]} المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه ، {[24142]} وأن ذلك{[24143]} ببغيهم وعداوتهم ونتقضهم العهود{ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم }[ المائدة : 13 ] وكان النقض كل مخالفة ، قال الله تعالى لعباده المؤمنين : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [ المائدة : 1 ] لأن اليهود والنصارى إنما أتى عليهم من عدم الوفاء ونقض العهود ، فحذر المؤمنين - انتهى . والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية المذكورة في الأنعام وما شابهها من حيوان البر ، و{[24144]} لكون الصيد مراد الدخول في بهيمة الأنعام{[24145]} استثنى بعض أحواله فقال : { وأنتم حرم } أي أحلت البهيمة مطلقاً إلا ما يتلى عليكم من ميتاتها وغيرها في غير حال الدخول في الإحرام{[24146]} بالحج أو العمرة{[24147]} أو دخول الحرم ، وأما في حال الإحرام فلا يحل الصيد أكلاً ولا فعلاً .

ولما كان مدار هذه السورة على الزجر والإحجام عن أشياء اشتد ألفهم لها والتفاتهم إليها ، وعظمت فيها رغباتهم من الميتات{[24148]} وما معها ، والأزلام والذبح على النصب ، وأخذ الإنسان بجريمة الغير ، والفساد في الأرض ، والسرقة والخمر والسوائب والبحائر - إلى غير ذلك ؛ ذكّر في أولها بالعهود التي عقدوها على أنفسهم ليلة العقبة حين تواثقوا على الإسلام من السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر فيما أحبوا وكرهوا ، وختم الآية بقوله معللاً : { إن الله } أي ملك الملوك { يحكم ما يريد * } أي من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق كالأنعام ، وفي حال دون حال كما شابهها{[24149]} من الصيد ، فلا يسأل عن تخصيص ولا عن{[24150]} تفضيل ولا غيره ، {[24151]} فما فهمتم{[24152]} حكمته فذاك ، {[24153]} وما لا فكلوه إليه ، وارغبوا في أن يلهمكم حكمته{[24154]} ؛ قال الإمام - وهذا هو الذي يقوله أصحابنا - : إن علة حسن التكليف هو الربوبية والعبودية ، {[24155]} لا ما{[24156]} يقوله المعتزلة من رعاية المصلحة .


[1]:- هكذا ثبتت العبارة في النسخة المخزونة بالرباط – المراقش التي جعلناها أصلا وأساسا للمتن، وكذا في نسخة مكتبة المدينة ورمزها "مد" وموضعها في نسخة دار الكتب المصرية ورمزها "م": رب زدني علما يا فتاح.
[2]:- في م ومد: قال أفقر الخلائق إلى عفو الخالق؛ وفي الأصل: أبو إسحاق – مكان: أبو الحسن، والتصحيح من الأعلام للزركلي ج1 ص 50 وعكس المخطوطة أمام ص 56 وهامش الأنساب للسمعاني ج2 ص280.
[3]:- ضبطه في الأعلام بضم الراء وتخفيف الباء.
[4]:- ضبطه الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله في تعليقه على الأنساب ج2 ص280 وقال: البقاعي يكسر الموحدة وفتح القاف مخففة وبعد الألف عين مهملة بلد معروف بالشام ينسب إليه جماعة أشهرهم الإمام المفسر إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي أبو الحسن برهان الدين من أجلة أهل القرن التاسع له عدة مؤلفات ولد سنة 809 وتوفي سنة 885 – اهـ.
[5]:- في م ومد: لطف الله بهم أجمعين، إلا أن لفظ "اجمعين" ليس في مد. والعبارة من "وآله" إلى هنا ليست في نسخة المكتبة الظاهرية ورمزها "ظ".
[6]:- في م ومد: لطف الله بهم أجمعين، إلا أن لفظ "اجمعين" ليس في مد. والعبارة من "وآله" إلى هنا ليست في نسخة المكتبة الظاهرية ورمزها "ظ".
[7]:- في م ومد وظ: برسالته.
[8]:- ليس في م ومد وظ.
[24091]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[24092]:في ظ: الذي.
[24093]:من ظ، وفي الأصل: منها.
[24094]:زيد من ظ والقرآن الكريم سورة 6 آية 146.
[24095]:في ظ: أعوارهم.
[24096]:سقط من ظ.
[24097]:في ظ: مثناه- كذا.
[24098]:في ظ: باهل.
[24099]:في ظ: الأمثال.
[24100]:في ظ: جزم.
[24101]:من ك، وفي الأصل: غيرها.
[24102]:في ظ: ما ير- كذا.
[24103]:من ظ، وفي الأصل: تذكير.
[24104]:سورة 2 آية 40.
[24105]:من ظ: وفي الأصل: إليهم.
[24106]:في ظ: لا يعلمونه.
[24107]:زيد من ظ.
[24108]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24109]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24110]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24111]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24112]:آية 101.
[24113]:في ظ: أفهموا.
[24114]:سقط من ظ.
[24115]:في ظ: من.
[24116]:في ظ: تصيب- كذا.
[24117]:في ظ: أم- كذا.
[24118]:من ظ، وفي الأصل: مذكر.
[24119]:في ظ: ليشكر.
[24120]:آية 119.
[24121]:سقط من ظ.
[24122]:سقط من ظ.
[24123]:آية 103.
[24124]:سقط من ظ.
[24125]:في ظ: عقيب.
[24126]:في ظ: المسايم- كذا.
[24127]:زيدت الواو من ظ.
[24128]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24129]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24130]:في ظ: العباد
[24131]:في ظ: فيه.
[24132]:من ظ، وفي الأصل: ترا- كذا
[24133]:في ظ: ظن.
[24134]:زيد من مجمع الزوائد 1/38، إلا أن هناك تقديما وتأخيرا.
[24135]:من مجمع الزوائد 1/37، وفي الأصل و ظ: العروة.
[24136]:زيد من المجمع.
[24137]:في ظ: ممن.
[24138]:زيد من ظ.
[24139]:سقط من ظ.
[24140]:من ظ، وفي الأصل: استوا حالة- كذا.
[24141]:من ظ، وفي الأصل: استوا حالة- كذا.
[24142]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل.
[24143]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل.
[24144]:سقطت الواو من ظ.
[24145]:زيدت الواو بعده في الأصل و ظ، فحذفناها كي تستقيم العبارة.
[24146]:في ظ: حجج أو عمرة.
[24147]:في ظ: حجج أو عمرة.
[24148]:في ظ: الميتة.
[24149]:من ظ، وفي الأصل: شابههما.
[24150]:سقط من ظ.
[24151]:في ظ: لما فهمتهم.
[24152]:في ظ: لما فهمتهم.
[24153]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24154]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24155]:في ظ: لما.
[24156]:في ظ: لما.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

ترتيبها : 5

عدد آياتها : 120

بيان إجمالي للسورة

نزلت هذه السورة في المدينة وفي هذا أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال : آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح . وكذلك أخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ؟ فقلت : نعم . فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه . وما وجدتم فيها من حرام فحرموه .

وقد تضمنت هذه السورة فيضا من المعاني والمواقف والمشاهد والمواعظ والأحكام . وجاء في طليعة ذلك كله إيجاب الوفاء بالعقود وهي العهود والمواثيق ، وما كانوا يتعاقدون عليه من حلف وغيره . على أن ذلك جاء مجملا ثم عقب بعد ذلك بالتفصيل . وأول ذلك إباحة الأنعام من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك من أنواع البهائم المباحة كالظباء وبقر الوحش ونحو ذلك ، مع النهي عن الاصطياد حال الإحرام . فإذا أحرم المسلم حُظر عليه الصيد بكل صوره وأشكاله حتى إذا أحل المحرم بات الاصطياد في حقه مباحا كالأصل .

وقد تضمنت السورة جانبا من المحظورات والمناهي التي حذر الباري جل وعلا من اكتساب شيء منها . ومن جملة ذلك الأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وكذلك المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع باستثناء ما ذكي قبل موته ، وكذلك ما ذبح من أجل الأصنام . وكذا الاستقسام بالأزلام وهي القداح التي كانوا يستعملونها في الاستخارة إذا أرادوا أن يفعلوا شيئا ، خلافا لعقيدة الحق التي يركن من خلالها المسلم إلى الإيمان بقدر الله مع التوكل عليه تمام التوكل .

وفي السورة إعلان مثير يشير إلى اكتمال ملة الإسلام . هذا الدين الكامل الشامل الذي يقيم حياة البشرية على المحجة السوية المستقيمة . المحجة الناصعة البيضاء التي لا يعتريها عوج ولا انحراف ولا أمت . ( {[1]} ) ذلكم الدين الذي أركزه الله للعالمين ليكون هاديا للبشرية في هذا الزمان فتحظى بالنجاء والفلاح في الدارين .

وفي السورة تحليل للطيبات من المطعومات والمشروبات . وكذلك طعام أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنه مباح ، يضاف إلى ذلك إباحة الزواج من نسائهم المحصنات ، أي العفائف وفي السورة بيان بأٍركان الوضوء ووجوب التطهير من الجنابة بالماء . وإذا عز الماء أو كان استعماله ضرر فبالطهارة الضرورية وهي التيمم بالتراب الطاهر . وذلك على سبيل التخفيف والتسهيل على المسلمين ، ودفعا للحرج أن يصيبهم ، فإنه لا مكان للحرج أصلا في شريعة الإسلام .

وفي السورة تنويه واضح بقصة النصارى واليهود من حيث النقض للعهود والمواثيق والتحريف لكلام الله عن مواضعه . ذلك التحريف الفاضح الذي حوى من صور التزييف والتغيير والتبديل لكلمات الله ما استحالت به التوراة والإنجيل إلى ركام من الكلام الملفق المفترى . الكلام الذي انزلق بهاتين الأمتين إلى أغوار الضلالة والغواية والكفران ، فضلا عن الانحراف المذهل عن تعاليم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام .

وفي هذا الخضم الفظيع من التحريف والتضليل والجحد يعلن الله في صراحة مكشوفة عن كفران أولئك الذين جاهدوا بإلهية المسيح عليه الصلاة والسلام وهو عبد من عباد الله جيء به من غير أب ليكون بشيرا ونذيرا لبني إسرائيل .

وفي السورة بيان بفضل الله ومنته على بني إسرائيل إذ جعل أكثر النبيين فيهم ، وجعل فيهم ملوكا أولي قدرة وسلطان عظيمين . وإذاك أمرهم نبيهم موسى بتكليف من الله أن يقاتلوا العمالقة الذين كانوا مستحوذين على بيت المقدس ، لكنهم نكلوا عن الجهاد خورا وجبنا ، فعاقبهم الله بالضلال في أٍرض التيه أربعين عاما ، يسيرون من غير أن يهتدوا للخروج ، فظلوا على هذه الحال من الحيرة والضياع حتى فني هذا الجيل ثم جيء بجيل آخر يقوده يوشع بن نون الذي دخل ببني إسرائيل الأرض المقدسة بعد أن من الله عليهم في التيه بالمن والسلوى وانبجاس الماء من الصخر والتظليل بالغمام . ولما دخلوا بيت المقدس قالوا فارهين بطرين وهم يزحفون على أستاههم : حبة في شعرة ، وذلك في غاية من البطر وسماجة الطبع بدلا من قولهم : حطة ، كما أمرهم نبيهم يوشع عليه السلام .

وفي السورة هذا النبأ المثير . النبأ الذي يكشف عن فظاعة الحسد وهو يجد قراره في النفس البشرية ليحرضها على اكتساب الأهوال والموبقات بغيا بغير حق . إنه الحسد الأثيم الأسود الذي يركب النفس البشرية عامة ليسومها القض والاستنفار فتستمرئ الإيذاء والإضرار وفعل المناهي والمحظورات . إنه الحسد الفاضح الخسيس الذي لا ينجو منه بنو آدم غير أولي العزائم من الناس أو المبرئين من هذا الدرن الوبيل ، وقليل ما هم . يستبين ذلك من قصة ابني آدم وهما أخوان يجترئ أحدهما على قتل آخيه الأخر بغيا وحسدا .

وفي السورة تحذير شديد من اتخاذ أهل الكتاب أولياء ، وإنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض . فما ينبغي للمسلمين أن يوالوا الكافرين ليتخذوا منهم الحلفاء أو الأصدقاء أو الأخلاء . ولئن فعلوا ذلك فلسوف يجدون أنفسهم ينسلخون من ربقة الإسلام رويدا رويدا ، وهو ما يخطط له المشركون والظالمون من اليهود والنصارى . وتلكم هي الفاقرة القاصمة التي يسقط فيها المسلمون إذا هم مالأوا الكافرين على حساب الإسلام والمسلمين .

وفي السورة بيان أحكام اليمين من حيث ضروبه ، وأولها يمين اللغو ثم اليمين المنعقدة وهي التي تجب فيها الكفارة عقيب الحنث . ثم اليمين الفاجرة الغموس التي يكتسبها الخاطئ كذبا متعمدا . وبيان ذلك كله في موضعه لدى التفصيل إن شاء الله .

وفي السورة نهي قاطع عن جملة محظورات ، وهي الخمر والميسر الأنصاب والأزلام ، فإن ذلك كله إثم وهو شر من شرور الشيطان . والشيطان كائن جني ماكر وخبيث يعمل الليل والنهار لا يفتر من أجل الوقيعة بين المسلمين ولإركاز بذور الخصام والنزاع بينهم بسبب الخمرة التي تمس العقول فتضعفها إضعافا ، وكذلك الميسر الذي يثير في نفوس المتقامرين الكراهية والنزاع .

وفي السورة تنديد بواحد من مخلفات الجاهلية الضالة . وقد تجلى ذلك في تصور شنيع فاسد . تصور قائم على الإشراك الظالم والوثنية السخيفة العمياء . وذلك فيما سمي من الأنعام لدى الجاهليين بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . وتلك أسماء أطلقها المشركون على بعض الأنعام لتكون من حظ الآلهة ، فلا يسري عليها شيء من تصرف معروف كالبيع أو الحمل أو الذبح .

وفي السورة أيضا ذكر لبعض المعجزات مما أوتي عيسى عليه السلام كتكلمه وهو في المهد ونفخه فيما يشبه الطير من الطين ليصبح طيرا حقيقيا . وكذلك إبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى ، كل ذلك فإذن الله . وأخيرا دعاؤه ربه أن ينزل على بني إسرائيل مائدة من السماء ليروها ويأكلوا منها لعلهم يؤمنون . وقد أنزلها الله عليهم في الراجح . والله تعالى أعلم .

البيان التفصيلي للسورة

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد } .

هذه الآية بالرغم من قصرها وإيجازها ، فإنها يتجلى فيها الإعجاز في أنصع صوره . فهي بقلة ألفاظها تتضمن جملة من المعاني المختلفة المنسجمة سواء في ذلك الأمر بالوفاء وتحليل بهيمة الأنعام وإباحة الصيد لغير المحرم ، يضاف إلى ذلك استثناء يعقبه استثناء . وذلك كله في كلمات معدودة تضمنها آية بليغة مثلى . لا جرم أن ذلك ضرب من الإعجاز المثير .

وقد حكي في هذا الصدد أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم ، اعمل لنا مثل هذا القرآن . فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه . فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد . إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد{[869]} .

قوله : { أوفوا بالعقود } يعني العهود . وهي ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره . وقيل : العقود التي أمر الله بالوفاء بها ستة هي : عهد الله ، وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وعقد النكاح ، وعقد اليمين . وقيل : يعني بذلك عقود الدين . وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة . وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والنذر وما أشبه ذلك من طاعات الإسلام .

وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على عدم خيار المجلس في البيع ، لأن قوله { أوفوا } يدل على لزوم العقد وثبوته ويقتضي نفي خيار المجلس . وهو قول الحنفية والمالكية ، خلافا لأكثر العلماء وفيهم الشافعية والحنابلة . إذ قالوا بلزوم خيار المجلس في البيع هو أن كلا من العاقدين مخير في إمضاء العقد أو عدم إمضائه ما دام في مجلس العقد ، إلا أن يتفرقا بأبدانهما من مجلس العقد . فإن تفرقا كلاهما أو أحدهما فقد لزم العقد ، واحتجوا لذلك بخبر الصحيحين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفي لفظ آخر للبخاري " إذ تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وهذا صريح في إثبات خيار المجلس الذي يأتي عقيب البيع وهو من مقتضياته شرعا فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود{[870]} .

قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } جاءت هذه الآية لتنزيل ما كان يراود أذهان العرب من ضلالات فاسدة عما أسموه البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . أما البهيمة ، فهي كل ذات أربع قوائم ولو في الماء ، أو كل حي لا يميز . وجمعه بهائم . والبهمة : أولاد الضأن والمعز والبقر{[871]} . والأنعام هي الإبل و البقر والغنم ، وقيل : الأنعام : الأزواج الثمانية ، ويأتي بيانها فيما بعد إن شاء الله . وقيل بهيمة الأنعام : الظباء وبقر الوحش ونحوها . مما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب .

قوله : { إلا ما يتلى عليكم } ما في موضع نصب على الاستثناء . والتقدير : إلا ما يقرأ عليكم في القرآن والسنة . وفي القرآن كقوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع } فهذه وإن كانت من الأنعام فإنها محرمة بما أصابها من عوارض كالخنق والوقذ والنطح وغير ذلك . أما في السنة فكقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم والنسائي : " كل ذي ناب من السباع حرام " .

قوله : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } غير منصوب على الحال . والواو للحال { أنتم حرم } في موضع نصب على الحال . وهذا الاستثناء التالي . وكلا الاستثناءين من قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } أما قوله : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } فتأويله أن ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال . أما الإحرام فهو حرام .

قوله : { إن الله يحكم ما يريد } أي ما يريده من الأحكام مما فيه خير لكم ومصلحة ، وهو سبحانه الحاكم لا معقب لحكمه ولا راد لما يقضي{[872]} .


[1]:مختار الصحاح للرازي ص 461.
[869]:- أجلاد، وجلداء، جمع ومفدره جلد، وجليد، وهو القوي والشديد. انظر القاموس المحيط ص 349 وانظر تفسير القرطبي ج 6 ص 31.
[870]:- تفسير ابن كثير ج 1 ص 3 وتفسير القرطبي ج 6 ص 31.
[871]:- القاموس المحيط ص 1398.
[872]:- الكشاف ج 1 ص 591 وتفسير القرطبي ج 6 ص 36.