لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

قوله تعالى وتقدس : { بسم الله الرحمن الرحيم } .

كلمة ما سمعها عابد إلا شكر عصمته ، وما سمعها سالك إلا وجد رحمته ، وما تحققها عارف إلا تعطر قلبه بنسيم قربته ، وما شهدها موحد إلا تقطر دمه لخوف فرقته .

افتتح السورةَ بِذِكْرِ الثناء على نَفْسه فقال : { سُبْحَانَ الَّذِي } [ الإسراء :1 ] : الحقُّ سبَّحَ نَفْسَه بعزيزِ خطابِه ، وأخبر عن استحقاقه لجلال قَدْرِه ، وعن توحُّده بعلوِّ نُعُوتِه .

ولمَّا أراد أَنْ يَعْرفَ العبِادُ خَصَّ به رسولَه - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ المعراجِ من عُلوٍّ ما رقَّاه إليه ، وعِظَمِ ما لَقَّاه به أَزالَ الأعُجوبةَ بقوله : { أَسْرَى } ، ونفى عن نبيِّه خَطَرَ الإعجاب بقوله : { بِعَبْدِهِ } ؛ لأَنَّ مَنْ عَرَفَ ألوهيته ، واستحقاقَه لكمالِ العِزِّ فلا يُتَعَجَّبُ منه أن يفعل ما يفعل ، ومَنْ عرف عبوديةَ نَفْسِه ، وأَنَّه لا يَمْلِكُ شيئاً من أمره فلا يُعْجَبُ بحاله . فالآية أوضحت شيئين اثنين : نَفَى التعجَّبِ من إظهارِ فِعْلِ اللَّهِ عزَّ وجل ، ونفَى الإعجاب في وصف رسول الله عليه السلام .

ويقال أخبر عن موسى عليه السلام - حين أكرمه بإسماعه كلامه من غير واسطة - فقال : { وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا } [ الأعراف :143 ] ، وأخبر عن نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه { أَسْرَى بِعَبْدِهِ } وليس مَنْ جاءَ بنفْسِه كمنْ أَسْرَى به ربُّه ، فهذا مُحتَمَلٌ وهذا محمول ، هذا بنعت الفَرْقِ وهذا بوصف الجمع ، هذا مُرِيدٌ وهذا مُرَادٌ .

ويقال جعل المعراجَ بالليل عند غَفْلَةِ الرُّقَبَاءِ وغَيْبَةِ الأجانب ، ومن غير ميعاد ، ومن غير تقديم أُهْبَةٍ واستعداد ، كما قيل :

ويقال جعل المعراجَ بالليل ليُظْهرَ تصديقَ مَنْ صَدَّقَ ، وتكذيبَ مَنْ تعجَّب وكَذَّّبَ أو أنكر وجحد .

ويقال لما كان تعبُّدهُ صلى الله عليه وسلم وتهجُّدُه بالليل جَعَلَ الحقُّ سبحانه المعراجَ بالليلِ .

ويقال :

ليلةُ الوَصْلِ أَصْفَى*** من شهور ودهور سواها .

ويقال أرسله الحقُّ - سبحانه - ليتعلَّم أهلُ الأرضِ منه العبادة ، ثم رَقَّاه إلى السماءِ ليتعلَّمَ الملائكةُ منه آدابَ العبادة ، قال تعالى في وصفه - صلى الله عليه وسلم - : { مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى } [ النجم :17 ] ، فما التَفَتَ يميناً وشمالاً ، وما طمع في مقامٍ ولا في إكرام ؛ تجرَّد عن كلِّ طلبٍ وأَرَبٍ .

قوله : { لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَآتِنَا } : كان تعريفه بالآيات ثم بالصفات ثم كَشّفٌ بالذات . ويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله - سبحانه - شيءٌ في جلالهِ وجماله ، وعِزِّه وكبريائه ، ومجده وسنائه .

ثم أراه من آياته تلك الليلة ما عَرَفَ به صلوات الله عليه - أنه ليس أحدٌ من الخلائق مثْلَه في نبوته ورسالته وعلوِّ حالته وجلال رتبته .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الإسراء .

سورة الإسراء مكية ، آياتها إحدى عشرة ومائة آية ، وقال بعضهم : إن فيها ثماني آيات أو اثنتي عشرة آية مدنية .

ابتدأت السورة بتسبيح الله تعالى ، ثم ذكرت الإسراء ، ثم رسالة موسى وما كان من بني إسرائيل . ثم أشارت إلى منزلة القرآن الكريم في الهداية ، وإلى الآيات الكونية في الليل والنهار ، وما يكون للناس يوم القيامة من جزاء على ما يقدمون من أعمال في الدنيا .

بعد هذا بين الله أسباب فساد الأمم ، وحال الأفراد في مساعيهم ، ونتائج أعمالهم في الآخرة . وجاءت الآيات من بعد ذلك بإكرام الوالدين ، وحال الناس بالنسبة لأموالهم ، وجاءت بأوامر عشرة ، فيها بناء المجتمع الفاضل .

ثم رد سبحانه مفتريات المشركين بالنسبة للملائكة ، وبيّن تصريف الحج .

ثم أشار سبحانه إلى ما يستحق من تحميد ، وإلى جحود المشركين ، وشرح أصل الخليقة الإنسانية والشيطانية ، وهدد المشركين بآياته .

كذلك بيّن الكرامة الإنسانية ، وذكّر بعذاب يوم القيامة ، ثم ذكر محاولة المشركين صرف النبي عليه الصلاة والسلام عن دعوته ، وتثبيت الله تعالى له .

وقد أوصى الله نبيه الكريم بعدة وصايا وأدعية ، ثم أشار إلى منزلة القرآن الكريم ، وتكلم عن الروح وأسرارها ، ثم جاء على ذكر إعجاز القرآن ، وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بمثله ، وموقف الناس منه ، وحال المؤمنين الصادقين في إيمانهم .

والعنصر البارز في كيان السورة ، ومحور موضوعاتها الأصيل ، هو شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وموقف قومه في مكة ، والقرآن الذي جاء به ، وطبيعة هذا القرآن ، وما يهدي إليه . وبهذه المناسبة تم الاستطراد إلى طبيعة الرسالة والرسل ، وإلى امتياز الرسالة المحمدية بطابع غير الخوارق الحسية ، وما يتبعها من هلاك المكذبين بها ، وإلى تقرير التبعية الفردية في الهدى والضلال ، والتبعية الجماعية في السلوك العملي في محيط المجتمع . . . كل ذلك بعد أن يعذر الله سبحانه الناس ، فيرسل إليهم الرسل بالتبشير والتحذير والبيان والتفصيل { وكل شيء فصّلناه تفصيلا } .

وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن ، والحق الأصيل فيه ، أنزله الله مفرقا ليقرأه الرسول على القوم على مهل وروية ، بمناسبته ومقتضياته ، فيتلقاه أهل العلم بالخضوع أو التأثر إلى حد البكاء والسجود . ويختم السورة بحمد الله الذي لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، كما بدأها بتسبيحه وتنزيهه .

بسم الله الرحمان الرحيم .

سبحان الله : تنزيها له عن كل ما لا يليق بجلاله .

أسرى : سار ليلا .

المسجد الحرام : مسجد مكة .

المسجد الأقصى : الحرم في بيت المقدس ، وهو أقصى ، أي بعيد بالنظر إلى الحجاز .

تنزيها لله الذي أسرى بعبده محمد في جزء من الليل ، ومن المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس ، ذلك المسجد الذي جعلنا البركة فيه وحوله لسكّانه في معايشهم وقواتهم ، لنُري عبدنا محمدا من أدلتنا ما فيه البرهان الكافي والدليل الساطع على وحدانيتنا وعظم قدرنا . إن الله الذي أسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة ، البصير بما يفعلون .

حادث الإسراء :

كان حادث الإسراء في ليلة 27 من رجب قبل الهجرة بسنة واحدة ، وقد حصل الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالجسد والروح فعلا ، ولو كان الإسراء بالروح فقط لما كان في ذلك شيء من العجب ، ولما قامت ضجة قريش ، وبادروا إلى تكذيبه .

فالرواية تقول إن الرسول الكريم كان نائما في بيت ابنة عمه أم هانئ ، فأُسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانئ ، ثم قام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه ، فقال لها : مالك ؟ قالت : أخشى أن يكذّبك قومك إن أخبرتهم : قال : وإن كذّبوني . فخرج فجلس إليه أبو جهل ، فأخبره رسول الله بحديث الإسراء ، فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤي ، هلُم . فحدّثهم . فاستنكر القوم ذلك ، فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا . وارتد ناس من المسلمين . وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه قال : أوَ قال ذلك ؟ قالوا : نعم . قال : فأنا أشهد لئن قال ذلك لقد صدق . قالوا : فتصدّقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح ؟ قال : نعم ، أنا أصدقه بأبعدَ من ذلك ، أصدقه بخبر السماء . فسُمّيَ الصدّيق . وكان منهم من سافر إلى بيت المقدس ، فطلبوا إليه وصف بيت المقدس فوصفه لهم وصفا دقيقا ، فقالوا أخبرْنا عن عِيرنا ، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ، وقال : تَقْدُم يوم كذا ، فكان كما قال . وفي الليلة ذاتها كان العروج إلى السماء من بيت المقدس .

بيت المقدس بناه العرب الكنعانيون ، واليبوسيون منهم ، على جبل صهيون نحو سنة 2500 قبل الميلاد . وكلمة «صهيون » كنعانية أخذها اليهود وجعلوها شعاراً لهم . والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم . كما تربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد ، وتعيد الحق إلى أهله . والمقصود من هذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله ، واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعا ، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان ، وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من ذلك .

كما أنها تتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تنكشف عنها النظرة الأولى . وهي آية من آيات الله ، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود ، وتنكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري ، والاستعدادات الدينية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه .

وفي هذه الآية الكريمة يدلنا الله تعالى إلى أن بيت المقدس والشام أجمع هي بلادنا وملك لنا فسارِعوا إلى أخذها . ولم تمض عشرون سنة حتى كانت في حوزة المسلمين وبقيت وستبقى إلى الأبد في أيديهم مهما كانت الغمّة القائمة .

ومهما جمعت إسرائيل من قوة وأسلحة ودعمها الأمريكان والانكليز وغيرهم فإنها سوف تزول ، ولسنا نشك في أن دائرة السوء ستدور عليهم جميعا ، ويذهب هذا الباطل ، وينمحي ذلك الزيف والكذب وتبقى القدس عربية مسلمة ، وتبقى الصخرة المشرفة ومسجد عمر ، { لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون } [ الروم : 4 ] .