1- وتسمى براءة ، والفاضحة لأنها فضحت أمر المنافقين ، ولها أربعة عشر اسما ، وعدد آياتها مئة وتسع وعشرون آية . وهي مدنية بإجماع الصحابة ، واتفق الصحابة رضوان الله عليهم على إسقاط البسملة من أولها ، وهي السورة التاسعة في ترتيب المصحف ، وقد نزلت في أواخر السنة التاسعة من الهجرة ، فكانت من آخر ما نزل من القرآن الكريم ، وفي هذه السنة خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين إلى تبوك ليغزو الروم ، وخرج أبو بكر على رأس المسلمين لحج بيت الله الحرام .
وقد حمل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه هذه السورة إلى المسلمين في الحج وقرأها عليهم ، وأمير الحج كما تقدم أبو بكر رضي الله عنه .
وقد ابتدأت السورة ببراءة الله تعالى من المشركين ، فسميت براءة ، وعرفت بجملة أسماء ، تدل بمجموعها على ما اشتملت من المبادئ والمعاني التي تجب مراعاتها في معاملة الطوائف كلها ، مؤمنهم ، ومنافقهم ، وكتابيهم ، ومشركهم .
ومن تلك الأسماء أشهرها " التوبة " ، إشارة إلى ما تضمنته السورة من تسجيل توبة الله وتمام رضوانه على المؤمنين الصادقين ، الذين أخلصوا في مناصرة الدعوة ، وصدقوا في الجهاد مع النبي حتى بلغ بهم الغاية { لقد تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة . . . الآيتان 119 -120 } .
ومن الأسماء " براءة " ، إشارة إلى ما تضمنته السور في أولها من قطع عصمة مشركي جزيرة العرب على الإطلاق ، حتى يخضعوا لسلطان الإسلام ، { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين . . . الآية 1 } .
ومن أسمائها : الحافرة ، والمثيرة ، والفاضحة ، والمنكلة ، وغيرها مما احتفظت به كتب التفسير . وهي ألقاب أطلقت عليها باعتبار ما قامت به من حفر قلوب المنافقين ، وإثارة أسرارهم ، وفضيحتهم بها ، وتنكيلها بهم الخ . . .
وهي سورة مستقلة ، يثبت ذلك هذه الأسماء المتعددة التي أطلقت عليها من الصدر الأول ، ولم يعرف إطلاق واحد منها على سورة الأنفال ، وقد نزلت سورة الأنفال بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وسورة التوبة بعد غزوة تبوك في أواخر السنة التاسعة من الهجرة .
وأما ترك التسمية في أولها فإنه ترتيب إلهي ، وكل قول خلاف هذا لا قيمة له .
2- ولسورة التوبة بحكم خروج النبي الكريم إلى تبوك يغزو الروم ، وخروج أبي بكر على رأس المسلمين لحج بيت الله الحرام – هدفان هامان في تاريخ الدولة الإسلامية :
الأول : تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام ، وذلك بالتصفية النهائية بين المسلمين ومشركي العرب بإلغاء معاهداتهم ، ومنعهم من الحج ، وتأكيد قطع الولاية بينهم وبين المسلمين ، وبوضع الأساس في قبول بقاء أهل الكتاب في جزيرة العرب وإباحة التعامل معهم .
الثاني : إظهار ما كانت عليه نفوس المسلمين حينما استنفرهم الرسول إلى غزو الروم ، وفي هذه الدائرة تحدثت السورة عن المتثاقلين منهم والمتخلفين والمثبطين ، كما كشفت الغطاء عن فتن المنافقين وما انطوت عليه قلوبهم من أحقاد وما قاموا به من أساليب النفاق وألوانه .
وقد عرضت السورة من أولها للهدف الأول ، واستغرق ذلك إلى آخر الآية الثامنة والعشرين ، وهي قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } . وقد تضمنت الآيات التي تختص بالمشركين ما يأتي :
أولا : تقرير البراءة ورفع العصمة عن الأنفس والأموال .
ثانيا : منحهم هدنة مقدارها أربعة أشهر .
ثالثا : إعلان الناس جميعا يوم الحج الأكبر بهذه البراءة .
رابعا : إتمام مدة العهد لمن حافظ منهم على العهد .
خامسا : بيان ما يعاملون به بعد انتهاء أمد الهدنة أو مدة العهد .
سادسا : تأمين المستجير حتى يسمع كلام الله .
سابعا : بيان الأسباب التي أوجبت البراءة منهم وصدور الأمر بقتالهم .
ثامنا : إزالة وساوس قد يخطر في بعض النفوس أنها تبرر مسالمة المشركين أو البقاء معهم على العهود .
وتضمنت الآيات فيما يختص بالمنحرفين من أهل الكتاب ما يأتي :
أولا : الأمر باستمرار قتالهم الذي بدأوا به حتى تبدو عليهم آية الخضوع لسلطان الإسلام وذلك بدفع الجزية للمسلمين .
ثانيا : بيان صفاتهم التي قررت استمرار قتالهم بعد عدوانهم حتى يخضعوا .
ثالثا : أرشدت الآيات –في هذا السياق- إلى خطة رؤسائهم الدينيين في سلب أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ، كما أشارت إلى سوء ذلك وسوء عاقبة كنز الأموال ، وعدم إنفاقها في سبيل الله ، وإلى تحذير المؤمنين من الوقوع في ذلك .
وقد استغرقت هذه الموضوعات من الآية التاسعة والعشر ين { قاتلوا الذين لا يؤمنون الله ولا باليوم الآخر –إلى قوله : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } إلى نهاية الآية الخامسة والثلاثين : { هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } .
ثم عرضت إلى بعض تصرفات في الحل والحرمة كان يفعلها المشركون في الأشهر الحرم إمعانا في تلبية الهوى والشهوة ، وأهمها النسيء الذي قال الله تعالى فيه : { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا . . . الآية } .
وبذلك كانت الآيات التي عرضت لهذه الموضوعات والتي بلغها علي بن أبي طالب للناس في موسم الحج من السنة التاسعة : سبعا وثلاثين آية .
3- وقد بينت كثيرا من الأحكام للمسلمين ، فجاء النص فيها على عدد الأشهر الحرم ، وفيها بينت ضرورة النفر إلى القتال عند كل نداء من غير تلكؤ . وفيها من بعد ذلك إشارات إلى المخلفين والمعوقين عن الخروج للقتال ، وبيان أحوال المنافقين الذين يبتغون الفتنة في كل قوت تكون الدعوة فيه إلى القتال .
وفيها بيان الأمر القاطع المعلن لعقوبة النفاق ، وهو أن لا يصلي النبي على ميت منهم . ثم ترد في السورة الأعذار التي تسوغ التخلف ، كما تجيء حال الذين أظهروا الدخول في الإسلام من الأعراب ، أو خضعوا لأحكامه بعد أن صارت له قوة ، وكان هؤلاء الأعراب يقيمون حول المدينة وقريبا منها .
وتصنف السورة بعد ذلك أحوال الناس بالنسبة للإيمان ، وخبر مسجد الضرار ، وهو المسجد الذي بناه المنافقون ليغضوا من قدر المسجد الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر سبحانه أوصاف المؤمنين الصادقين في إيمانهم ، وتوبة الثلاثة الذين كانوا تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك ، كما ذكر الله أحوال الناس في تلقي آيات القرآن عند نزولها ، وختم السورة بأن الله اختار محمدا للرسالة ، وهو لا يريد عنت من أرسل إليهم ، وهو بهم رؤوف رحيم .
والواقع أن سورة التوبة –في الوقت الذي ترشدنا فيه إلى الأسس التي لا بد منها للمسلمين في حفظ كيانهم الداخلي والخارجي تعطينا في الوقت نفسه مع سورة الأنفال ما يشبه أن يكون سورة تاريخية مجملة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده إلى أن أقر الله عينه بثمرة ذلك الجهاد وتبليغ تلك الدعوة .
براءة : إعذار وإنذار بانقطاع العصمة .
لقد دلت تجربة الرسول الكريم وأصحابه مع المشركين في جميع أنحاء الجزيرة العربية أن هؤلاء لا أمان لهم ولا عهود ، ولا يُؤمَن غدرُهم في حالي القوة والضعف ، بل لا يستطيع المسلمون أن يعيشوا على أسس المعاهدات ما داموا على شِركهم . فجاءت هذه السورة تأمر المسلمين بنبذِ عهود المشركين المطلقة ، وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام . وهكذا حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى محا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام .
وقد زاد إقبال العرب على الإسلام بعد الحجّة التي حجّها أبو بكر سنة تسع للهجرة ، وفي هذه الحجة أرسل النبيّ عليّ بن أبي طالب ليلحق بأبي بكر ، ويتلو على الناس قرآنا . فكان فصلا بين عهدين : عهدٍ كان الإسلام يقوى فيه شيئا فشيئا ، لكن مع بقاء الشرك في بعض القبائل ، وعهد آخر خلصت فيه الجزيرة كلها للإسلام . والقرآن - الذي تلاه عليٌّ على الناس ، وفَرّق الله به بين هذين العهدين - هو هذه الآيات الكريمة من سورة التوبة .
{ بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين } .
هذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم أيُها المسلمون من المشركين ، فيها إنذار بقطع تلك المعاهدات .
الأولى - في أسمائها . قال سعيد بن جبير : سألت ابن عباس رضي الله عنه عن سورة براءة فقال : تلك الفاضحة ما زال ينزل : ومنهم ومنهم حتى خفنا ألا تدع أحدا . قال القشيري أبو نصر عبدالحميد : هذه السورة نزلت في غزوة تبوك ونزلت بعدها . وفي أولها نبذ عهود الكفار إليهم . وفي السورة كشف أسرار المنافقين . وتسمى الفاضحة والبحوث ؛ لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة والبعثرة : البحث .
الثانية - واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة : [ الأول ] أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه بسملة ، فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة . وقول ثان : روى النسائي قال حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد قال حدثنا عوف قال حدثنا يزيد الرقاشي{[1]} قال قال لنا ابن عباس : قلت لعثمان ما حملكم إلى أن عمدتم إلى [ الأنفال ] وهي من المثاني وإلى [ براءة ] وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول{[2]} فما حملكم على ذلك ؟ قال عثمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : ( ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا ) . وتنزل عليه الآيات فيقول : ( ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) . وكانت [ الأنفال ] من أوائل ما أنزل{[3]} ، و [ براءة ] من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنه منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم . وخرجه أبو عيسى الترمذي وقال : هدا حديث حسن . وقول ثالث : روي عن عثمان أيضا . وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن عبدالحكم : إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه . وروي ذلك عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة [ براءة ] كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم . وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة . وقول رابع : قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما . قالوا : لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : براءة والأنفال سورة واحدة . وقال بعضهم : هما سورتان . فتركت بينهما فرجة لقول من قال : إنهما سورتان وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة ، فرضي الفريقان معا وثبتت حجتاهما في المصحف . وقول خامس : قال عبدالله بن عباس : سألت علي بن أبي طالب لم لم يكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان . وروي معناه عن المبرد قال : ولذلك لم يجمع بينهما فإن بسم الله الرحمن الرحيم رحمة وبراءة نزلت سخطة{[4]} . ومثله عن سفيان . قال سفيان بن عيينة : إنما لم تكتب في صدر هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم لأن التسمية رحمة والرحمة أمان وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف ولا أمان للمنافقين . والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة قاله القشيري . وفي قول عثمان : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن براءة وحدها ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك . وكانتا تدعيان القرينتين فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي .
الثالثة- قال ابن العربي : هذا دليل على أن القياس أصل في الدين ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجؤوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ورأوا أن قصة [ براءة ] شبيهة بقصة [ الأنفال ] فألحقوها بها ؟ فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام .
الرابعة - قوله تعالى : " براءة " تقول : برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه . و " براءة " رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه براءة . ويصح أن ترفع بالابتداء . والخبر في قوله : " إلى الذين " . وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما وجاز الإخبار عنها . وقرأ عيسى بن عمر " براءة " بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء . وهي مصدر على فعالة كالشناءة والدناءة .
الخامسة - قوله تعالى : " إلى الذين عاهدتم من المشركين " يعني إلى الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان المتولي للعقود وأصحابه بذلك كلهم راضون فكأنهم عاقدوا وعاهدوا فنسب العقد إليهم . وكذلك ما عقده أئمة الكفر على قومهم منسوب إليهم محسوب عليهم يؤاخذون به إذ لا يمكن غير ذلك فإن تحصيل الرضا من الجميع متعذر فإذا عقد الإمام لما يراه من المصلحة أمرا لزم جميع الرعايا .