مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

{ يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } في الآية مسائل :

المسألة الأولى : يقال : وفى بالعهد وأوفى به ، ومنه { والموفون بعهدهم } والعقد هو وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والأحكام ، والعهد إلزام ، والعقد التزام على سبيل الأحكام ، ولما كان الإيمان عبارة عن معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله وكان من جملة أحكامه أنه يجب على جميع الخلق إظهار الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ونواهيه فكان هذا العقد أحد الأمور المعتبرة في تحقق ماهية الإيمان ، فلهذا قال : { عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } يعني يا أيها الذين التزمتم بإيمانكم أنواع العقود والعهود في إظهار طاعة الله أوفوا بتلك العقود ، وإنما سمى الله تعالى هذه التكاليف عقودا كما في هذه الآية لأنه تعالى ربطها بعباده كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق .

واعلم أنه تعالى تارة يسمي هذه التكاليف عقودا كما في هذه الآية ، وكما في قوله { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } وتارة عهودا ، قال تعالى : { وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } وقال : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان } وحاصل الكلام في هذه الآية أنه أمربأداء التكاليف فعلا وتركا .

المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : بل يصح . حجة أبي حنيفة أنه نذر الصوم والذبح فيلزمه الصوم والذبح ، بيان الأول أنه نذر صوم يوم العيد ، ونذر ذبح الولد ، وصوم يوم العيد ماهية مركبة من الصوم ومن وقوعه في يوم العيد ، وكذلك ذبح الولد ماهية مركبة من الذبح ومن وقوعه في الولد ، والآتي بالمركب يكون آتيا بكل واحد من مفرديه ، فملتزم صوم يوم العيد وذبح الولد يكون لا محالة ملتزما للصوم والذبح .

إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يجب عليه الصوم والذبح لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } ولقوله تعالى : { لم تقولون ما لا تفعلون } ولقوله { يوفون بالنذر } ولقوله عليه الصلاة والسلام : «أوف بنذرك » أقصى ما في الباب أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعا في يوم العيد ، وفي خصوص كون الذبح واقعا في الولد ، إلا أن العام بعد التخصيص حجة . وحجة الشافعي رحمه الله : أن هذا نذر في المعصية فيكون لغوا لقوله عليه الصلاة والسلام : «لا نذر في معصية الله » .

المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة رحمه الله : خيار المجلس غير ثابت ، وقال الشافعي رحمه الله : ثابت ، حجة أبي حنيفة أنه لما انعقد البيع والشراء وجب أن يحرم الفسخ ، لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } وحجة الشافعي تخصيص هذا العموم بالخبر ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : «المتبايعان بالخيار كل واحد منهما ما لم يتفرقا » .

المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمه الله : الجمع بين الطلقات حرام ، وقال الشافعي رحمه الله : ليس بحرام ، حجة أبي حنيفة أن النكاح عقد من العقود لقوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح } فوجب أن يحرم رفعه لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى فيما عداها على الأصل ، والشافعي رحمه الله خصص هذا العموم بالقياس ، وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يرحم .

قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } .

اعلم أنه تعالى لما قرر بالآية الأولى على جميع المكلفين أنه يلزمهم الانقياد لجميع تكاليف الله تعالى ، وذلك كالأصل الكلي والقاعدة الجميلة ، شرع بعد ذلك في ذكر التكاليف المفصلة ، فبدأ بذكر ما يحل وما يحرم من المطعومات فقال : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قالوا : كل حي لا عقل له فهو بهيمة ، من قولهم : استبهم الأمر على فلان إذا أشكل ، وهذا باب مبهم أي مسدود الطريق ، ثم اختص هذا الإسم بكل ذات أربع في البر والبحر ، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم ، قال تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء } إلى قوله { والخيل والبغال والحمير } ففرق تعالى بين الأنعام وبين الخيل والبغال والحمير . وقال تعالى : { مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } وقال : { ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله } إلى قوله { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } وإلى قوله { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } قال الواحدي رحمه الله : ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء .

إذا عرفت هذا فنقول : في لفظ الآية سؤالات : الأول : أن البهيمة اسم الجنس ، والأنعام اسم النوع فقوله { بهيمة الأنعام } يجري مجرى قول القائل : حيوان الإنسان وهو مستدرك . الثاني : أنه تعالى لو قال : أحلت لكم الأنعام ، لكان الكلام تاما بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى { وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم } فأي فائدة في زيادة لفظ البهيمة في هذه الآية . الثالث : أنه ذكر لفظ البهيمة بلفظ الوحدان ، ولفظ الأنعام بلفظ الجمع ، فما الفائدة فيه ؟

والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : أن المراد بالبهيمة وبالأنعام شيء واحد ، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان ، وهذه الإضافة بمعنى { من } كخاتم فضة ، ومعناه البهيمة من الأنعام أو للتأكد كقولنا : نفس الشيء وذاته وعينه . الثاني : أن المراد بالبهيمة شيء ، وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أن المراد من بهيمة الأنعام الظباء وبقر الوحش ونحوها ، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب ، فأضيفت إلى الأنعام لحصول المشابهة . الثاني : أن المراد ببهيمة الأنعام أجنة الأنعام . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين ، فأخذ ابن عباس بذنبها وقال : هذا من بهيمة الأنعام . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنها أجنة الأنعام ، وذكاته ذكاة أمه .

واعلم أن هذا الوجد يدل على صحة مذهب الشافعي رحمه الله في أن الجنين مذكى بذكاة الأم .

المسألة الثانية : قالت الثنوية : ذبح الحيوانات إيلام ، والإيلام قبيح ، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم ، فيمتنع أن يكون الذبح حلالا مباحا بحكم الله . قالوا : والذي يحقق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة عن الدفع عن أنفسها ، ولا لها لسان تحتج على من قصد إيلامها ، والإيلام قبيح إلا أن إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى هذا الحد أقبح .

واعلم أن فرق المسلمين افترقوا فرقا كثيرة بسبب هذه الشبهة فقالت المكرمية : لا نسلم أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح ، بل لعل الله تعالى يرفع ألم الذبح عنها . وهذا كالمكابرة في الضروريات ، وقالت المعتزلة : لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقا ، بل إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقا بجناية ولا ملحقا بعوض . وهاهنا الله سبحانه يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض شريفة ، وحينئذ يخرج هذا الذبح عن أن يكون ظلما ، قالوا : والذي يدل على صحة ما قلناه ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألم الفصد والحجامة لطلب الصحة ، فإذا حسن تحمل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة ، فكذلك القول في الذبح . وقال أصحابنا : إن الاذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه ، والمالك لا اعتراض عليه إذا تصرف في ملك نفسه ، والمسألة طويلة مذكورة في علم الأصول والله أعلم .

المسألة الثالثة : قال بعضهم : قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } مجمل ؛ لأن الإحلال إنما يضاف إلى الأفعال ، وهاهنا أضيف إلى الذات فتعذر إجراؤه على ظاهره فلابد من إضمار فعل ، وليس إضمار بعض الأفعال أولى من بعض ، فيحتمل أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو لحمها ، أو المراد إحلال الانتفاع بالأكل ، ولا شك أن اللفظ محتمل للكل فصارت الآية مجملة ، إلا أن قوله تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون } دل على أن المراد بقوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } إباحة الانتفاع بها من كل هذه الوجوه .

واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } ألحق به نوعين من الاستثناء : الأول : قوله { إلا ما يتلى عليكم } واعلم أن ظاهر هذا الاستثناء مجمل ، واستثناء الكلام المجمل من الكلام المفصل يجعل ما بقي بعد الاستثناء مجملا أيضا ، إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد من هذا الاستثناء هو المذكور بعد هذه الآية وهو قوله { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب } ووجه هذا أن قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } يقتضي إحلالها لهم على جميع الوجوه فبين الله تعالى أنها إن كانت ميتة ، أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها السبع أو ذبحت على غير اسم الله تعالى فهي محرمة .

النوع الثاني : من الاستثناء قوله تعالى : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أنه تعالى لما أحل بهيمة الأنعام ذكر الفرق بين صيدها وغير صيدها ، فعرفنا أن ما كان منها صيدا ، فإنه حلال في الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدا فإنه حلال في الحالين جميعا والله أعلم .

المسألة الثانية : قوله { وأنتم حرم } أي محرمون أي داخلون في الإحرام بالحج والعمرة أو أحدهما ، يقال : أحرم بالحج والعمرة فهو محرم وحرم ، كما يقال : أجنب فهو مجنب وجنب ، ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال قوم حرم كما يقال قوم جنب . قال تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } .

واعلم أنا إذا قلنا : أحرم الرجل فله معنيان : الأول : هذا ، والثاني : أنه دخل الحرم فقوله { وأنتم حرم } يشتمل على الوجهين ، فيحرم الصيد على من كان في الحرم كما يحرم على من كان محرما بالحج أو العمرة ، وهو قول الفقهاء .

المسألة الثالثة : اعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن الصيد حرام على المحرم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } فإن { إذا } للشرط ، والمعلق بكلمة الشرط على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، إلا أنه تعالى بين في آية أخرى أن المحرم على المحرم إنما هو صيد البر لا صيد البحر ، قال تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } فصارت هذه الآية بيانا لتلك الآيات المطلقة .

المسألة الرابعة : انتصب { غير } على الحال من قوله { أحلت لكم } كما تقول : أحل لكم الطعام غير معتدين فيه . قال الفراء : هو مثل قولك : أحل لك الشيء لا مفرطا فيه ولا متعديا ، والمعنى أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم ذلك إذا كنتم محرمين .

ثم قال تعالى : { إن الله يحكم ما يريد } والمعنى أنه تعالى أباح الأنعام في جميع الأحوال ، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض ، فلو قال قائل : ما السبب في هذا التفصيل والتخصيص كان جوابه أي يقال : أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها فلم يكن على حكمه اعتراض بوجه من الوجوه ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا أن علة حسن التكليف هي الربوبية والعبودية لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصالح .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة المائدة

أولا : مدخل إلى سورة المائدة

1- تاريخ النزول :

نزلت سورة المائدة بعد سورة الفتح ، وكان نزول سورة الفتح بعد صلح الحديبية وفي السنة السادسة من الهجرة ، في نزول سورة المائدة فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك .

ونلحظ أن سورة المائدة من أواخر ما نزل من السور بالمدينة ، فقد روى عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن المائدة من آخر ما أنزل الله فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام ؛ فحرموه .

والمتأمل يرى أن السورة قد امتد نزول آياتها خلال السنوات الأربع الأخيرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ؛ فقد ابتدأ نزولها في السنة السابعة للهجرة ، وفيها آية نزلت في حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة قبل وفاة النبي بثمانين يوما وهي قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . ( المائدة : 3 ) .

وفي كتب التفسير : أن سورة المائدة نهارية كلها أي : نزلت آياتها نهارا {[1]} مدينة كلها إلا قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . فإنها نزلت بعرفة ، وعدد آيات سورة المائدة 120آية ، وعدد كلماتها 2804 كلمة .

2- قصة التسمية :

سميت سورة المائدة بهذا الاسم ؛ لأنها السورة الوحيدة التي تحدثت عن مائدة طلب الحواريون من عيسى عليه السلام أن يسألها ربه . وذلك في قوله تعالى :

إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ، قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ . ( المائدة : 112-113 ) .

والحواريون هم خلصاء عيسى عليه السلام الذين صفت قلوبهم من الكفر والنفاق وبادروا إلى الإيمان بعيسى وتلقوا عنه التعاليم ثم انتشروا في القرى ؛ لبثها بين الناس .

المائدة

تكلم العلماء عن المائدة التي سألها الحواريون عيسى ، هل نزلت أم لا ؟ وجمهور المفسرين على أنها نزلت بالفعل . وقد تعددت الروايات بعد ذلك عن أوصافها وما احتوت عليه من ألوان الطعام والشراب ، وحسبك أن ترجع إلى أي تفسير من كتب التفاسير المتداولة ؛ لتقرأ في أوصافها وأوصاف ما وضع عليه الشيء الكثير ، مما يجعلك ترجح أن كثيرا مما ورد في أوصاف هذه المائدة من افتراء المفترين أو أساطير الإسرائلين .

وألفاظ القرآن الصريحة تفيد : أن عيسى طلب من ربه أن ينزل مائدة من السماء تكون كافية لقومه جميعا وتكون عيدا وسعادة لأول قومه وآخرهم ، والمائدة : طعام ورزق وكل طعام ورزق إنما هو من عند الله ، وقد وعد الله أن ينزلها عليهم . ولم يذكر القرآن إن كانت بمفهومها الضيق كما طلبها الحواريون ، أو بمفهومها المنطلق كما قد يريده الله ويفهمه عيسى ويلهمه الحواريون فيكون حينئذ وعدا بنعمة من الله عليهم طعاما ورزقا يشمل أولهم وآخرهم وترجمة للمفهوم الضيق الذي أرادوه للمائدة بمفهوم أوسع قد يشمل الطعام وسواه من الرزق ؛ ليكون ذلك ابتلاء وفتنة لأتباع المسيح بوجع عام .

والله أعلم بما كان مما سكت عنه القرآن . وليس لنا من مصدر آخر نستفتيه واثقين في مثل هذه الشئون إنما هو رأي نبديه بجوار آراء السلف عليهم رضوان الله .

3- ظواهر تنفرد بها سورة المائدة :

تنفرد سورة المائدة بجملة من الظواهر لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور ، حتى في أطول سور القرآن وهي البقرة ، ذلك أنها لم تتحدث عن الشرك ولا هم المشركين على النحو الذي ألف في القرآن من محاجتهم وتسفيه أحلامهم وتحقير شركائهم ، وأنها لم تعرض في قليل ولا في كثير إلى ما عهد في أكثر السور المدنية التي نزلت قبلها من الحث على القتال والتحريض عليه ورسم خطط النصر والظفر بأعداء الله المشركين كما نراه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة ؛ لأن المسلمين في ذلك الوقت لم يكونوا بحاجة إلى شيء من هذا الحديث ، لقد اندحر الشرك وصار المشركون في قهر وذلة ويأس .

ولكن إذا كان المشركون قد انقضى عهدهم والمسلمون قد علا شأنهم فإن المسلمين في حاجة إلى إكمال التشريع المنظم لشئونهم على وجه يضمن لهم السعادة ويحفظ لهم السيادة ، ولهم بعد ذلك صلات خاصة بطوائف من أهل الكتاب يعيشون في ذمتهم وعهدهم ويخالطونهم في حياتهم ومعاملاتهم ، ومن هنا نتبين أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في حاجة إلى ما يعنيهم في الجانبين : جانب أنفسهم وجانب علاقتهم بأهل الكتاب ، وبذلك دار كل ما تضمنته سورة المائدة على أمرين بارزين : تشريع المسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون ، وإرشادات لطرق المحاجة والمناقشة وبيان الحق في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب مما يتصل بالعقائد والأحكام في سياق هذه المحاجة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضيين من أسلاف أهل الكتاب مع أنبيائهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة وتنديدا بهم عن طريق أسلافهم من جهة أخرى .

4- تشريع القرآن :

نزل القرآن على رسول الله صلى اله عليه وسلم . لينشئ به أمة و ليقيم به دولة ، ولينظم به مجتمعا ، وليربى به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليربط ذلك كله برباط قوي يجمع متفرقة ويؤلف أجزاءه ويشدها كلها إلى منزل هذا القرآن ، وإلى خالق الناس الذي أنزل لهم هذا القرآن .

ومن ثم نجد في كثير من سور القرآن تشريعا إلى جانب موعظة ، وقصة إلى جانب فريضة ، ونجد التشريع الذي ينظم العلاقات الاجتماعية والدولية ، إلى جانب التشريع الذي يحل ويحرم ألوانا من الطعام أو ألوانا من السلوك والأعمال .

وهذه السورة- سورة المائدة- مثل لتلك السور التي تلتقي فيها التربية الوجدانية بالتربية الاجتماعية بتشريع الحلال والحرام في الطعام والزواج بتشريع المعاملات الدولية فيما بين المسلمين وغير المسلمين ، بتعليم بعض الشرائع التعبدية ، ببيان الحدود والعقوبات في بعض الجرائم الاجتماعية ، بالمثل والموعظة والقصة ، بتصحيح العقيدة وتنقيتها من الأسطورة والخرافة في تناسق واتساق .

5-الوفاء بالعقود :

تبدأ سورة المائدة ابتداء إلهيا للمؤمنين أن يوفوا بالعقود فتقول :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ . . .

والعقود : جمع عقد وهو ما يلتزمه المرء لنفسه أو لغيره ، وأساسه قد يكون شيئا فطريا تدعو إليه الطبيعة ، وقد يكون شيئا تكليفيا تدعو إليه العقيدة ، و قد يكون شيئا عرفيا يدعو إليه الالتزام والتعاهد والعقد العرفي ، أي : المتعارف عليه من عامة الناس ، يكون بين الفرد والفرد كما في البيع و الزواج والشركة والوكالة والكفالة إلى آخر ما تعارفه الناس و يتعارفونه من وجوه الاتفاقات ، والكلمة عامة في الآية فإنها تأمر بالوفاء بالعقود ، فتشمل العقود كلها على اختلاف أنواعها وأشكالها ، وتدخل في العقود : المعاملات والمعاهدات بظاهر اللفظ ، كما تدخل إقامة الحدود وتحريم المحرمات بوصفها داخلة في عقد الإسلام بين الله ورسوله والذين آمنوا بالله ورسوله .

وعلى وجه العموم فإننا نجد سياق السورة كله يدور حول العقود والمواثيق في شتى صورها حتى حوار الله والمسيح يوم القيامة الوارد في نهاية السورة نجده سؤالا عما عهد به إليه وعما إذا كان قد خالف عنه كما زعم الزاعمون بعده .

6-الظروف التي نزلت فيها السورة {[2]}

نزلت سورة المائدة بعد أن قلمت أظفار المشركين وانزوى الشرك في مخابئه المظلمة وصار المسلمون في قوة ومنعة كانوا بها أصحاب السلطان والصولة في مكة وفي بيت الله الحرام ، يحجون أمنين مطمئنين ، وقد نكست أعلام الشرك وانطوت صفحة الإلحاد والضلال ، وقد أتم الله نعمته على المسلمين بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا .

وسورة المائدة وإن ابتدأ نزولها في السنة السابعة إلا أن نزولها قد استمر إلى السنة العاشرة بدليل أن فيها آية من آخر ما نزل من القرآن وهي قوله تعالى :

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . .

روى أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال : إن في كتابكم آية تقرؤونها لو علينا أنزلت- معشر اليهود- لاتخذنا اليوم الذي أنزلت فيه عيدا ، قال عمر : وأية آية ؟ قال :

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا . ( المائدة : 3 ) .

فقال عمر : إني والله لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والساعة التي نزلت فيها ، نزلت على رسول الله عشية عرفة في يوم الجمعة والحمد لله الذي جعله لنا عيدا .

وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال :

" يأيها الناس ، إن سورة المائدة آخر ما نزل ؛ فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " .

7-أفكار السورة وأحكامها :

انفردت سورة المائدة بعدة مسائل في أصول الدين وفروعه ، وبتفصيل عدة أحكام أجمات في غيرها إجمالا . ومن هذه الأحكام ما يأتي :

1- بيان إكمال الله تعالى للمؤمنين دينهم الذي ارتضى لهم بالقرآن وإتمام نعمته عليهم بالإسلام .

2- النهي عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء من شأنها أن تسوء المؤمنين إذا أبدت لهم لما فيها من زيادة التكاليف .

3- بيان أن هذا الدين الكامل مبني على العلم اليقيني في الاعتقاد والهداية في الأخلاق والأعمال ، وأن التقليد باطل لا يقبله الله تعالى .

4- بيان أن أصول الدين الإلهي على ألسنة الرسل كلهم هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ، فمن أقامها كما أمرت الرسل من أية ملة- من ملل الرسل كاليهود والنصارى والصابئين- فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون .

5- وحدة الدين واختلاف شرائع الأنبياء ومناهجهم فيه .

6- هيمنة القرآن على الكتب الإلهية .

7- بيان عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالتبليغ العام وكونه لا يكلف من حيث كونه رسولا إلا التبليغ ، وان من حجج رسالته انه بين لأهل الكتاب كثيرا مما كانوا يخفون من كتبهم ، وهو قسمان : قسم ضاع منهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم . وقسم كانوا يكتمونه إتباعا لأهوائهم مع وجوده في الكتاب كحكم رج الزاني ، ولولا أن محمد الأمين مرسل من عند الله لما علم شيئا من هذا ولا ذاك .

8- عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى الناس ، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ، فكم حاولوا قتله فأعياهم وأعجزهم .

9- بيان أن الله أوجب على المؤمنين إصلاح أنفسهم أفرادا وجماعات ، وانه لا يضرهم من طل من الناس إذا هم استقاموا على صراط الهداية .

10- تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما بينه الله تعالى من لعن الذين كفروا من بني إسرائل على لسان داود وعيسى وابن مريم . وتعليله ذلك بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه .

11- نفى الحرج من دين الإسلام .

12- تحريم الغلو في الدين والتشدد فيه ولو بتحريم الطيبات وترك التمتع بها .

13- قاعدة إباحة المحرم للمضطر ومنه أخذ الفقهاء قولهم : الضرورات تبيح المحظورات .

14- قاعدة التفاوت بين الخبيث والطيب وكونهما لا يستويان في الحكم ، كما أنهما لا يستويان في أنفسهما وفيما يترتب عليهما .

15- تحريم الاعتداء على قوم بسبب بغضهم وعداوتهم ؛ لأنه يجب على المؤمنين أن يلتزموا الحق والعدل .

16- وجوب الشهادة بالقسط والحكم بالعدل والمساواة فيهما بين غير المسلمين كالمسلمين ولو للأعداء على الأصدقاء وتأكيد وجوب العدل في سائر الأحكام والأعمال .

17- الحياة شركة ذات أطراف لا يجوز أن يجور فيها طرف على طرف .

18- التعاون على البر والتقوى له وسائله وسبله حسب الزمان والمكان ، ومنه تأليف الجمعيات الخيرية والعلمية وتحريم التعاون على الإثم والعدوان .

19- بيان أن الله تعالى جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناس ، أي : يقوم عندها أمر دينهم ودنياهم فعندها يتم الحج والعمرة وعندها يتم الإحرام والأمان والسلام ولها يتوجه المسلمون في الصلاة ، فهي رمز للوحدة والأخوة والإيمان . .

20- النهي عن موالاة المؤمنين للكافرين .

21- تفصيل أحكام الوضوء والغسل والتيمم مع بيان أن الله تعالى يريد أن يطهر الناس ويزكيهم بما شرع لهم من أحكام الطهارة وغيرها .

22- تفصيل أحكام الطعام وبيان حرامه وحلاله .

23- تحريم الخمر وهو كل مسكر وتحريم الميسر وهو القمار .

24- بيان محظورات الإحرام في الحج .

25- تفصيل أحكام الصيد للمحرمين وغيرهم في أوائل السورة وأواخرها .

26- حدود المحاربين الذين يفسدون في الأرض ويخرجون على أئمة العدل ، وحد السرقة وما يتعلق بالحد كسقوطه بالتوبة الصادقة .

27- أحكام الإيمان وكفارتها .

28- تأكيد أمر الوصية قبل الموت وأحكام الشهادة على الوصية .

29- الأمر بالتقوى في عدة آيات من السورة .

30- بيان تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله تعالى وحده .

8- النداءات الإلهية للمؤمنين :

اشتملت سورة المائدة على ستة عشر نداء وجهت للمؤمنين خاصة ، يعتبر كل نداء منها قانونا ينظم ناحية الحياة عند المسلمين فيما يختص بأنفسهم وفيما يختص بعلاقتهم بأهل الكتاب .

فالنداء الأول : يطلب الوفاء بالعقود :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود . ( المائدة : 1 ) .

والنداء الثاني : يطلب المحافظة على شعائر الله وعدم إحلالها :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللّهِ . ( المائدة : 2 ) .

والنداء الثالث : يطلب الطهارة حين إرادة الصلاة :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ، وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ . ( المائدة : 6 ) .

والنداء الرابع : يطلب القوامية لله والشهادة بالعدل ويحذر من الظلم .

والنداء الخامس : يطلب تذكر نعمة الله على المؤمنين بكف أيدي الأعداء عنهم .

والنداء السادس : يدعو إلى تقوى الله وابتغاء الوسيلة إليه والجهاد في سبيله .

و النداء السابع : يحذر من اتخاذ الأعداء أولياء من دون المؤمنين .

والنداء الثامن : يلفت نظر المؤمنين إلى أن المسارعة في موالاة الأعداء ردة عن الدين .

النداء التاسع : يدعو إلى شدة الحذر من موالاة الأعداء .

النداء العاشر : يذكر تحريم الطيبات التي أحلها الله .

النداء الحادي عشر : تحريم الخمر والميسر .

النداء الثاني عشر ، والثالث عشر : يتعلقان بتحريم قتل الصيد في حالة الإحرام .

النداء الرابع عشر : يتعلق بالنهي عن سؤال ما ترك الله بيان حكمه توسعة على عباده : أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . ( المائدة : 101 )

النداء الخامس عشر : يتعلق بتحديد المسئولية التي يحملها المؤمنون في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

النداء السادس عشر : يتعلق بكيفية الشهادة على الوصية في حالة السفر .

وجملة هذه النداءات تربية عملية للمؤمنين وبيان الطريق السوي التي يجب اتباعها في الشعائر والعبادات و المعاملات والمعاهدات . والنداء للمؤمنين بصفة الإيمان ؛ تذكيرا لهم بأن عليهم أن يعملوا بمقتضى هذا الإيمان وقوامة التصديق الباطني بوجود الله والتزام أوامره واجتياب نواهيه .

الأمر بالتقوى

حث القرآن على تقوى الله وطاعته وذيل كثيرا من أحكامه ببيان شأن التقوى ، أهميتها ، وفي النداء السادس من سورة المائدة حث على تقوى الله والتماس الأسباب المساعدة على هذه التقوى فيقول سبحانه :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . ( المائدة : 35 ) .

وتقوى الله هي تقدير العظمة الإلهية وامتلاء النفس بها امتلاء يدفع المؤمن إلى المسارعة وشدة الحرص على تحقيق أوامر الله وتشريعاته ، والتقوى تدفع المؤمن إلى إنعام النظر وقوة التفكير في ملكوت السماوات والأرض ؛ لمعرفة أسرار الله في كونه ، وسنته في خلقه ، ثم الاتجاه إلى هذه الأسرار والعمل على إظهار رحمة الله فيها بعباده والوقوف على السنن التي ربط بين الأسباب والمسببات ، بين السعادة وأسبابها ، والشقاء وأسبابه ، بين العلم وأسبابه والغنى وأسبابه ، والعزة وأسبابها . . . وهكذا .

وبذلك ترى أن التقوى هي ذلك المعنى القلبي الذي تفني به الإرادات الإنسانية في ملكوت العظمة الإلهية ، وهي الباعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، وهي المحققة للإحسان في طاعة الله ورسوله ، فهي المبدأ ، وهي المنتهى ، وهي الأولى ، وهي الآخرة .

9- أهل الكتاب :

ارسل الله محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل بعد ان درست معالم الحق والفضيلة ، وبعد ان ضيع أهل الكتاب بعض تعاليمه وأخفوا بعضه ونقضوا ميثاقهم مع ربهم .

وقد واجهتهم سورة المائدة بأخطائهم فوصفتهم بالتعصب المقيت والغلو في الدين وإتباعهم أهواء من ضل قبلهم من الوثنيين وغيرهم ، وادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه . وقد بين الله لهم حقيقة الأمر وهي أنهم بشر ممن خلق الله لا مزية لهم على سائر البشر في أنفسهم وذواتهم ، وإنما يمتاز بعضهم عن بعض بالعلوم الصحيحة والأخلاق الكلايمة والأعمال الصالحة لا بالنسب والانتماء إلى الأنبياء والصالحين وصدق القائل :

كن ابن من شئت واكتسب أدبا *** تغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من يقول : هأنذا *** ليس الفتى من يقول : كان أبي .

وقد وجه الله الخطاب لأهل الكتاب عامة بان الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ليكشف لهم عن كثير مما كانوا يخفونه من كتاب الله الذي استحفظوا عليه فنقضوا عهدهم مع الله فيه ، ويعفو عن كثير مما أثقلهم به الله من التكاليف وحرمه عليهم من طيبات عقابا لهم على مخالفتهم وانحرافاتهم فالفرصة إذن سانحة ليتداركوا ما فات ولينجوا مما كتب عليهم في الدنيا ؛ عقابا لهم على الخلاف والإخلاف :

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . ( المائدة : 15-16 ) .

وتوالى نداء القرآن لأهل الكتاب ؛ ليقطع حجتهم ومعذرتهم أن يقولوا : إن فترة كبيرة مرت عليهم لم يأتهم فيها بشير يقربهم إلى الله أو ندير يخوفهم الانحراف فها هو ذا بشير ونذير :

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير . ٌ ( المائدة : 19 ) .

وقد وصفت سورة المائدة التوراة والإنجيل أحسن وصف وذكرت من أخبار التوراة قصة ابني آدم بالحق ومن أحكامها عقوبات القتل وإتلاف الأعضاء والجروح ، ومن أخبار الإنجيل والمسيح ما هو حجة على الفريقين وبين أن الكتابين أنزلا نورا وهدى للناس وأنهم لو كانوا أقاموهما ؛ لكانوا في أحسن حال ولسارعوا إلى الإيمان بما أنزله الله خاتم رسله مصدقا لأصلهما ، ولكنهم اتخذوا الإسلام هزوا ولعبا في جملته وفي عبادته ووالوا عليه المناصبين له من أعدائه فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم .

10-اليهود :

ناقشت سورة المائدة اليهود خاصة فذكرتهم بنعم الله عليهم وبميثاق الله مع نقباء بني لإسرائيل النائبين عنهم ، فما الذي كان من بني إسرائيل ؟

لقد نفضوا ميثاقهم مع الله . . قتلوا أنبياءهم بغير حق ، وبيتوا الصلب والقتل لعيسى ابن مريم ، وحرفوا كلمات التوراة عن معانيها وعن مواضع الاستشهاد بها ، واشتروا بهذا التحريف ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا ، ونسوا بعض شرائع التوراة وأهملوها ، وخانوا محمدا- رسول الله- أحد الرسل الذين أخذ عليهم الميثاق أن ينصرهم فباءوا بالطرد من رحمة الله وقست قلوبهم ؛ ببعدهم عن هذه الرحمة .

وإن من صفات اليهود الغالبة عليهم الخيانة والمكر ، وقول الإثم والمبالغة في سماع الكذب وأكل السحت ، والسعي بالفساد في الأرض ، وفي إيقاد نار الفتن والحرب ، وقد قتلوا رسل الله إليهم وتمردوا على موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة وقتال الجبارين فعاقبهم الله بالتيه في الأرض ، وأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين فعاقبهم الله على ذلك كله باللعن على ألسنة الرسل ، وبالغضب والمسخ ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة وقبل زمن البعثة وقبل زمن البعثة تثبتها تواريخهم وتواريخ غيرهم ، ومن المعلوم أنها لم تكن عامة فيهم ولا شاملة لجميع أفرادهم ولذلك قال سبحانه :

مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ . ( المائدة : 66 ) .

11- النصارى :

مما جاء في النصارى خاصة أنهم نسوا- كاليهود- حظا مما ذكروا به ، وأنهم قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم وقالوا إن الله ثالث ثلاثة وقد رد الله عليهم هذه العقيدة بالأدلة العقلية وببراءة المسيح منها ومن منحليها يوم القيامة ، وبين لهم حقيقة المسيح وأنه عبد الله ورسوله وروح منه . ولقد أخذ الله الميثاق عليهم أن يلتزموا بتعاليم رسولهم ، ولكنهم نسوا جانبا من تعاليمه وأهملوا جانب التوحيد وهو أساس العقيدة وعند هذا الانحراف كان الخلاف بين طوائف النصارى التي لا تكاد تعد . إذ أن هناك فرقا كثيرة صغيرة داخل كل فرقة من الفرق المعلومة الكبيرة : الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت و المارون ؛ اليوم ومن قبل اليعقوبيون والملكانيون والنساطرة .

وقد اشتدت العداوة بين هذه الفرق . وشهدت المسيحية آثارها منذ القرن الأول للميلاد ، وكانت على أشدها بين الملكانية واليعاقبة والنساطرة ، وهي اليوم على أشدها بين الفرق القائمة . فلا يكاد الإنسان يتصور العداء الذي بين الكاثوليك والبروتستانت أو بينهم وبين الأرثوذكس او بين الموارنة والبروتستانت أو سواهم قال تعالى :

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . ( المائدة : 14 ) .

وقد بينت سورة المائدة أن اليهود أشد الناس عداوة للمؤمنين ؛ وأن النصارى أقرب الناس مودة إليهم : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . ( المائدة : 82 ) .

القرآن من عند الله

جملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها أنها من عند الله تعالى لا من عند محمد بن عبد الله العربي الأمي الذي لم يقرأ شيئا من الكتب ، على أن تلك الآيات ليست موافقة لها ولهم موافقة الناقل للمنقول عنه ، وإنما هي فوق ذلك تحكم لهم وعليهم وفيهم وفي كتبهم حكم المهيمن السميع العليم .

12-عدالة أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب :

لو كان هذا القرآن من وضع البشر لشرع معاملة أهل الكتاب الموصوفين بما ذكر- ولاسيما الذين ناصبوا الإسلام العداء عند ظهوره- بأشد الأحكام وأقساها .

ولكنه تنزيل من حكيم حميد أمر في هذه السورة بمعاملتهم بالعدل والحكم بينهم بالقسط وحكم بحل مؤاكلتهم وتزوج نسائهم وقبول شهادتهم والعفو والصفح عنهم . وهذه الأحكام التي شرعت هذه المعاملة الفضلى لهم ؛ نزلت بعد إظهار اليهود للمسلمين منتهى العداوة والغدر . ولكن السورة تضمنت تأليف قلوبهم واكتساب مودتهم .

وقد ختم الله سورة المائدة بذكر الجزاء في الآخرة وسؤال الرسل عن جواب أممهم لهم . ثم براءة المسيح ممن جعله إلها وتفويضه الأمر كله لله الحق هو سبحانه المتفرد بالعلم والقدرة والألوهية .

لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( المائدة : 120 )

ثانيا : تفسير سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم

المفردات :

أوفوا بالعقود : الوفاء : الإيتاء بالشيء وافيا . والعقود : جمع عقد والمراد هنا : العهد الموثق .

بهيكة الأنعام : البهيمة : هي ما لا عقل له من الحيوان . وخصصت- في العرف- بذوات الأربع . والأنعام : هي الإبل والبقر والغنم . . . وألحق بها ما يماثلها . . . كالظباء وبقر الوحش وحمره . والإضافة هنا : بيانية أي : بهيمة هي الأنعام .

حرم : أي : محرمون بالحج أو العمرة .

التفسير :

1- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ . . . ينادي الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ، آمرا إياهم بالوفاء بجميع العقود .

وهذا أمر عام يشمل جميع ما ألزم الله به عباده ، وعقده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية . وما يعقده العباد- فيما بينهم- من عقود الأمانات والمعاملان ونحوها مما يجب الوفاء به .

جاء في ظلال القرآن :

إنه لا بد من ضوابط للحياة حياة ، الفرد مع نفسه وحياته مع غيره ، هذه الضوابط لا بد لها من احترام يضمن ألا تنتهك وألا يستهتر بها ، وألا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات .

والعقود : هي هذه الضوابط التي تنظم العلاقات ؛ لأنها تقيم حدود الحرية فلا تدعها فوضى ، وتجعل الحياة شركة ذات أطراف ، لا يجور فيها طرف على طرف .

والعقود في معناها الواسع تشمل الديانات والشعائر والعبادات والمعاملات ، والمعاهدات ؛ لان هذه كلها عقود ترتبط بها النفس وضميره ، ويتحدد بها عمله وسلوكه . . . فالأمر بالوفاء بالعقود أمر بإقامة ضوابط للحياة ما استكن منها وما ظهر على السواء . ما تعلق منها بالضمير وما تعلق منها بالسلوك . ما كان بين المرء وربه ، وما كان بينه وبين غيره .

والإسلام يربط هذه العقود كلها بالله ، ويجعل الوفاء بها فريضة ، ويوجه الأمر للذين آمنوا فكتبوا بقلوبهم عقد الإيمان ، أن يفوا بسائر العقود التي ارتبطوا بها مع عقد الإيمان {[172]} .

أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ . أي : أحلت لكم- أيها المؤمنون- أكل بهيمة الأنعام : من الإبل والبقر والغنم ، وما شابهها من الظباء وبقر الوحش ، والحمر الوحشية .

إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ . استثنى من هذه الأطعمة ما سيتلى في الآية الثالثة من هذه السورة ( وأخر هذا البيان مؤقتا ووقف عند هذا الإجمال ؛ ليتناول في الآية الأولى كليات مجملة بالتحريم فيكون التحليل عاما والتحريم عاما قبل التفصيل {[173]}

غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ : أي : أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون . فلا يجوز لكم الاصطياد- أو الانتفاع بالمصيد- مادمتم محرمين ، فإذا تحللتم من إحرامكم ، فلا جناح عليكم أن تصيدوا ، أو تنتفعوا بالمصيد ، ولكن في غير الحرم .

أما الحرم ، فلا يحل الاصطياد فيه ، ولا الانتفاع فيه ، سواء في ذلك المحرم وغير المحرم .

وهكذا يقيم الإسلام منطقة أمان في بيت الله الحرام وما حوله ، كما يقيم فترة أمان في الأشهر الحرم ؛

حتى يتمرن الإنسان على السلام والأمن والأمان .

قال تعالى : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . ( القصص : 57 )

إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ . أي : أن الله سبحانه يقضي في خلقه بما شاء ، ومن ذلك تحليل ما أراد تحليله ، وتحريم ما أراد تحريمه حسبما يعلمه سبحانه من المصالح لعباده ، لا حسب شهواتهم وأهوائهم- فعلى العباد أن يمتثلوا أمره تعالى ، ويجتنبوا نهيه ، وفاء بعهده ، سواء أدركوا حكمة التشريع ، أم لم يدركوها .


[1]:- حاشية الجمل 2/647 نقلا عن تفسير الخازن.
[2]:) من قتل نفسه بشيء عذب به: رواه البخاري في الجنائز (1364) في الأدب (6074،6105) في الإيمان والنذور (6653) مسلم في الإيمان(110) وأبو داود في الإيمان والنذور (3257) والترمذي في الطب (2636) والنسائي في الإيمان والنذور (3770) والدرامي في الديات (2361) وأحمد في مسنده (15950، 15956) من حديث ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله.
[172]:في ظلال القرآن للاستاذ سيد قطب 6/26
[173]:المرجع السابق