{ الناس } : البشر ، واحد الناس من غير لفظه وهو إنسان .
{ اتقوا ربكم } : خافوه أن يعذبكم فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه .
{ من نفس واحدة } : هي آدم عليه السلام .
{ وخلق منها زوجها } : خلق حواء من آدم من ضلعه .
{ وبث } : نشر وفرق في الأرض من آدم وزوجه رجلا ونساء كثراً .
{ تساءلون به } : كقول الرجل لأخيه أسألك بالله أن تفعل لي كذا .
{ والأرحام } : الأرحام جمع رحم ، والمراد من اتقاء الأرحام صلتها وعدم قطعها .
{ رقيباً } : الرقيب : الحفيظ العليم .
ينادي الرب تبارك وتعالى عباده بلفظ عام يشمل مؤمنهم وكافرهم : يا أيها الناس ويأمرهم بتقواه عز وجل وهي اتقاء عذابه في الدنيا والآخرة بالإِسلام التام إليه ظاهراً وباطناً . واصفا نفسه تعالى بأنه ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة وهي آدم الذي خلقه من طين ، وخلق من تلك النفس زوجها وهي حواء ، وأنه تعالى بث منهما أي نشر منهما في الأرض رجالاً كثيرا ونساء كذلك ثم كرر الأمر بالتقوى إذ هي ملاك الأمر فلا كمال ولا سعادة بدون الالتزام بها قائلا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، أي اتقوا الله ربكم الذي آمنت به قلوبكم فكنتم إذا أراد أحدكم من أخيه شيئاً قال له أسألك بالله إلا أعطيتنى كذا . . واتقوا الأرحام أن تقطعوها فإن في قطعها فساداً كبيراً وخللاً عظيما يصيب حياتكم فيفسدها عليكم ، وتوعدهم تعالى أن لم يمتثلوا أمره بتقواه ولم يصلوا أرحامهم بقوله أن الله كان عليكم رقيباً مراعيا لأعمالكم محصياً لها حافظاً يجزيكم بها إلا أيها الناس فاتقوه .
- فضل هذه الآية إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذ خطب في حاجة تلا آية آل عمر أن { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } وتلا هذه الآية ، ثم آية الأحزاب { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً } ثم يقول أما بعد ويذكر حاجته .
- أهمية الأمر بتقوى الله تعالى إذ كررت في آية واحدة مرتين في أو لها وفي آخرها .
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم } خطاب على العموم وقد تكلمنا على التقوى في أول البقرة .
{ من نفس واحدة } هو آدم عليه السلام .
{ زوجها } هي حواء خلقت من ضلع آدم .
{ تساءلون به } أي يقول بعضكم لبعض أسألك بالله أن تفعل كذا { والأرحام } بالنصب عطفا على اسم الله أي اتقوا الأرحام فلا تقطعوها ، أو على موضع الجار والمجرور ، وهو به ، لأن موضعه نصب وقرئ بالخفض عطف على الضمير في به ، وهو ضعيف عند البصريين ، لأن الضمير المخفوض لا يعطف عليه إلا بإعادة الخافض .
{ إن الله كان عليكم رقيبا } إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة ، وهو مقام شريف أصله علم وحال ، ثم يثمر حالين : أما العلم : فهو معرفة العبد ؛ لأن الله مطلع عليه ، ناظر إليه يرى جميع أعماله ، ويسمع جميع أقواله ، ويعلم كل ما يخطر على باله ، وأما الحال فهي ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه ، ولا يغفل عنه ، ولا يكفي العلم دون هذه الحال ، فإذا حصل العلم والحال : كانت ثمرتها عند أصحاب اليمين : الحياء من الله ، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد في الطاعات ، وكانت ثمرتها عند المقربين : الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ، فقوله : أن تعبد الله كأنك تراه : إشارة إلى الثمرة الثانية ، وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم : كمن يشاهد ملكا عظيما ، فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة ، وقوله : فإن لم تكن تراه فإنه يراك : إشارة إلى الثمرة الأولى ومعناه إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقربين ، فاعلم أنه يراك فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين ، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى رأى أن كثيرا من الناس قد يعجزون عنه ، فنزل عنه إلى المقام الآخر .
واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة ، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة .
فأما المشارطة : فهي اشتراط العبد على نفسه بالتزام الطاعة وترك المعاصي .
وأما المرابطة : فهي معاهدة العبد لربه على ذلك .
ثم بعد المشارطة والمرابطة أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره .
وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه ، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عهد عليه الله : حمد الله ، وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة ، ونقص عهد المرابطة . عاقب النفس عقابا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك ، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة وحافظ على المراقبة ، ثم اختبر بالمحاسبة فهكذا يكون حتى يلقى الله تعالى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.