تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{طه} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة طه

نزلت سورة طه بعد سورة مريم ، وقد نزلت سورة مريم فيما بين الهجرة إلى الحبشة وحادثة الإسراء ، فيكون نزول سورة طه في ذلك التاريخ أيضا . أي : بعد السنة السابعة من البعثة وقبل السنة الحادية عشرة من البعثة .

وفي المصاحف المطبوعة بالقاهرة : سورة طه مكية إلا آيتي : 131 ، 130 فمدنيتان ، وآياتها 135 آية ، نزلت بعد مريم .

وقال الفيروزبادي : السورة مكية إجماعا ، وكلماتها 1341 كلمة ولها اسمان : طه ؛ لافتتاح السورة بها ، وسورة موسى ؛ لاشتمالها على قصته مفصلة . 1 .

معنى طه :

قيل : معناها : يا رجل ، وقيل : معناها : يا إنسان ، وقال آخرون : هي اسم من أسماء الله وقد أقسم الله به ، وقال آخرون : هي حروف مقطعة مكونة من الطاء والهاء يدل كل حرف منها على معنى واختلفوا في ذلك المعنى اختلافهم في المص وقد ذكرنا ذلك في التعريف بسورة الأعراف ، قال ابن جرير الطبري : والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال : معناها : يا رجل ؛ لأنها كلمة معروفة في عك فيما بلغني وأن معناها : يا رجل . 2 .

وقيل : أصله طأها على أنه أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يطأ الأرض بقدميه فإنه كان يقوم الليل حتى ورمت قدماه من طول القيام . قد أبدلت الألف من الهمزة ، والهاء كناية عن الأرض . 3 .

والمعنى : طإ الأرض بقدميك يا محمد ، وهون على نفسك في القيام وارأف بنفسك ؛ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به تعبا ، بل لتسعد به وتذكر به الناس .

أهداف السورة

من أهداف سورة طه :

تيسير الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان : فضل الله الواسع على رسله وأصفيائه وبيان وظيفة الرسول وحصرها في الدعوة والتذكرة والتبشير والإنذار ، ثم ترك أمر الخلق بعد ذلك إلى الله الواحد الذي لا إله غيره ، المهيمن على ظاهر الكون وباطنه ، الخبير بظواهر القلوب وخوافيها ، الذي تعنوا له الجباه ، ويرجع إليه الناس : طائعهم وعاصيهم . . فلا على الرسول ممن يكذب ويكفر ، ولا يشقى لأنهم يكذبون ويكفرون .

ثم تعرض السورة قصة موسى من حلقة الرسالة إلى حلقة اتخاذ بني إسرائيل للعجل بعد خروجهم من مصر مفصلة مطولة ، وبخاصة موقف المناجاة بين الله وكليمه موسى ، وموقف الجدل بين موسى وفرعون وموقف المباراة بين موسى والسحرة . . وتتجلى في غضون القصة رعاية الله لموسى الذي صنعه على عينه واصطنعه لنفسه ، وقال له ولأخيه : { لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } . ( طه : 46 ) .

ثم تعرض السورة قصة آدم سريعة قصيرة ، تبرز فيها رحمة الله لآدم بعد خطيئته ، وهدايته له ، وترك البشر من أبنائه لما يختارون من هدى أو ضلال بعد التذكير والإنذار .

وتحيط بقصة آدم مشاهد القيامة ، وكأنما هي تكملة لما كان أول الأمر في الملإ الأعلى من خلق آدم ؛ حيث يعود الطائعون من ذريته إلى الجنة ، ويذهب العصاة من ذريته إلى النار ؛ تصديقا لما قيل لأبيهم آدم وهو يهبط إلى الأرض بعد خروجه من الجنة .

ونلحظ أن السياق يمضي في هذه السورة في شوطين اثنين :

الشوط الأول : يتميز مطلع الصورة بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . إلا تذكرة لمن يخشى } . ( طه : 3 ، 2 ) .

ثم تتبعه قصة موسى نموذجا كاملا لرعاية الله سبحانه لمن يختارهم لإبلاغ دعوته فلا يشقون بها وهم في رعايته .

والشوط الثاني : يتضمن مشاهد القيامة وقصة آدم وهما يسيران في اتجاه مطلع السورة وقصة موسى . ثم ختام السورة بما يشبه مطلعها ويتناسق معه ومع جو السورة .

وللسورة ظل خاص يغمر جوها كله . . ظل علوي جليل تخشع له القلوب ، وتسكن له النفوس ، وتعنوا له الجباه . . إنه الظل الذي يخلعه تجلي الرحمن على عبده موسى بالوادي المقدس . في تلك المناجاة الطويلة ، والليل ساكن وموسى وحيد ، والوجود كله يتجاوب بذلك النجاء الطويل . . وهو الظل الذي يخلعه تجلي القيوم في موقف الحشر العظيم : { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا } . ( طه : 108 ) .

{ وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما } . ( طه : 111 ) .

والإيقاع الموسيقي للسورة كلها يستطرد في مثل هذا الجو من مطلعها إلى ختامها رخيا شجيا نديا بذلك المد الذاهب مع الألف المقصورة في القافية كلها تقريبا . 4 .

قصة موسى في القرآن

بدأت سورة طه بمقدمة مؤثرة عن القرآن وعن صفات الله وأسمائه الحسنى ، ثم قص الله على رسوله حديث موسى . نموذجا لرعايته للمختارين ؛ لحمل دعوته وقصة موسى هي أكثر القصص ورودا في القرآن .

وهي تعرض في حلقات تناسب السورة التي تعرض فيها وجوها وظلها . وقد وردت حلقات منها حتى الآن في سورة البقرة وسورة المائدة وسورة والأعراف وسورة يونس وسورة الإسراء وسورة الكهف وذلك غير الإشارات إليها في سور أخرى .

وما جاء منها في المائدة كان حلقة واحدة : حلقة وقوف بني إسرائيل أمام الأرض المقدسة لا يدخلون فيها ؛ لأن فيها قوما جبارين .

وفي سورة الكهف كانت كذلك حلقة واحدة ، حلقة لقاء موسى للعبد الصالح وصحبته فترة وقد سبق الحديث عنها في دروس من سورة الكهف بعنوان : قصة موسى والخضر .

فأما في البقرة والأعراف ويونس وفي هذه السورة- طه- فقد وردت منها حلقات كثيرة ولكن هذه الحلقات تختلف في سورة عنها في الأخرى . تختلف الحلقات المعروضة . كما يختلف الجانب الذي تعرض منه تنسيقا له مع اتجاه السورة التي يعرض فيها .

وفي البقرة سبقتها قصة آدم وتكريمه في الملإ الأعلى . . . فجاءت قصة موسى وبني إسرائيل ؛ تذكيرا لبني إسرائيل بنعمة الله عليهم وعهده إليهم وإنجائهم من فرعون وملئه ، واستسقائهم وتفجير الينابيع لهم ، وإطعامهم المن والسلوى . وذكرت عدوانهم في السبت وقصة البقرة ، وفي الأعراف سبقها الإنذار وعواقب المكذبين بالآيات قبل موسى عليه السلام فجاءت قصة موسى تعرض ابتداء من حلقة الرسالة . وتعرض فيها آيات العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع وتعرض حلقة السحرة بالتفصيل ، وخاتمة فرعون وملئه المكذبين ، وفي يونس سبقها عرض مصارع المكذبين ، ثم عرض منها حلقات ثلاث : حلقة الرسالة ، وحلقة السحرة ، وحلقة غرق فرعون .

أما هنا في سورة طه فقد كان مطلع السورة يشف عن رحمة الله ورعايته لمن يصطفيهم لحمل رسالته وتبليغ دعوته ، فجاءت القصة مظللة بهذا الظل تبدأ بمشهد المناجاة ، وتتضمن نماذج من رعاية الله لموسى في طفولته وشبابه ورجولته ، وتثبيته وتأييده وحراسته وتعهده .

قصة موسى في سورة طه

ولد موسى في مصر ونما وترعرع في بيت فرعون ثم قتل قتيلا خطأ فخرج هاربا إلى أرض مدين وهناك تزوج بنت نبي الله شعيب ومكث في أرض مدين عشر سنين . ثم عاد بأهله إلى مصر .

وفي الطريق أدركته عناية الله ومن الله عليه بالرسالة والعناية . . وناداه . { إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى . وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى }ز ( طه : 13 ، 12 ) .

وهذا الوحي يتعلق بثلاثة أمور مترابطة : الاعتقاد بالوحدانية ، والتوجه بالعبادة ، والإيمان بالساعة وهي أسس رسالة الله الواحدة . ومن نداء الله لموسى . { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري . إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى } . ( طه : 15 ، 14 ) .

وخص الله موسى بمعجزات ظاهرة ، وآيات باهرة ؛ أمره الله أن يلقى عصاه فألقاها فإذا هي حية تسعى ، نمت وعظمت حتى غدأت في جلادة الثعبان ، وضخامة الجان5 . لمحها موسى فاشتد خوفه فناداه الله : { خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى } . ( طه : 21 ) .

ثم أدخل موسى يده تحت إبطه فخرجت بيضاء بياضا يغلب نور الشمس ليس فيها بهاق أو برص أو مرض وتمت لموسى معجزتان هما اليد والعصا ، فرأى آيات الله الكبرى ، واطمأن للنهوض بالتبعة العظمى .

أمر الله موسى أن يذهب إلى فرعون رسولا وداعيا إلى الهدى ومبشرا بالجنة لمن أطاع الله وبالنار لمن عصاه .

فطلب موسى من ربه أن يشرح له صدره وأن ييسر له أمره وأن يحل حبسة لسانه ؛ ليفقه الناس قوله وأن يمن الله عليه بمعين من أهله هو وأخوه هارون .

واستجاب الله دعاء موسى وحباه بفضل زائد وذكره بأفضاله عليه صغيرا وناشئا حيث نجاه عندما قتل قتيلا خطأ وألقى عليه المحبة ورباه برعايته وصنعه بعين عنايته . . قال سبحانه : { وألقيت عليك محبة منّى ولتصنع على عيني } . ( طه : 39 ) .

وكانت عناية الله معه في شبابه حين نجاه من كيد أتباع فرعون ، وكانت عناية الله معه في رحلته إلى أرض مدين ثم في عودته إلى أرض مصر على موعد وتدبير إلهي . . قال تعالى : { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى . واصطنعتك لنفسي } . ( طه : 41 ، 40 ) .

وكلف الله موسى أن يذهب مع أخيه هارون إلى فرعون بعد أن طغى فرعون وتجبر ؛ ليقولا له قولا لينا لا يهيج الكبرياء الزائف ولا يثير العزة بالإثم ، لعل قلبه أن يتعظ أو يتذكر .

أدلة موسى على وجود الله

توجه موسى وهارون إلى فرعون ؛ ليبلغاه رسالة الله رب العالمين .

فقال فرعون : { فمن ربكما يا موسى } . ( طه : 49 ) .

فأجاب موسى : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } . ( طه : 50 ) .

وهي إجابة تلخص أكمل آثار الألوهية الخالقة المدبرة لهذا الوجود : هبة الوجود لكل موجود ، وهبة خلقه على الصورة التي خلق بها ، وهبة هدايته للوظيفة التي خلق لها .

وثنى فرعون بسؤال آخر : { قال فما بال القرون الأولى } . ( طه : 51 ) .

ما شأن القرون التي مضت من الناس ؟ أين ذهبت ؟ ومن كان ربها ؟ وما يكون شأنها وقد هلكت لا تعرف إلهها هذا ؟

وأجاب موسى : إن علمها عند الله الذي لا تخفى عليه خافية وقد سجل عملها في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وقد تفضل الله على الناس بالنعم المتعددة ؛ فمهد لهم الأرض وذلل سبلها ، وأنزل الماء من السماء ؛ فأجرى به نهر النيل وغيره من الأنهار ؛ ليخرج بالماء أزواجا متعددة من النباتات يستفيد منها الإنسان والحيوان ، وقد خلق الإنسان من الأرض ، ثم رزق من نباتها ومائها ، ثم يعود إليها ، ثم يبعث منها يوم القيامة .

عرض موسى هذه الآيات الكونية أمام فرعون وأراه المعجزات الظاهرة الملموسة من اليد والعصا .

ولكن فرعون قابل هذه المعجزات الواضحة ، والحجج البالغة ، بالجحود والكنود وأخذ فرعون يكيل التهم لموسى ، ويسفه دعوته ويصفه بالطمع في الملك ، ويصف معجزاته بأنها سحر ظاهر مبين .

موسى والسحرة

توعد فرعون موسى بأن يجمع له السحرة من كل مكان ؛ ليبطلوا سحره ويظهروا عجزه . وقبل موسى التحدي ، وحدد يوم العيد واجتماع الناس في زينتها الجديدة موعدا للمبارزة ؛ حتى يشيع الحق ويظهر ظهور الشمس .

وجمعت السحرة في يوم العيد ولم يتخلف واحد منهم ، فإذا بهم آلاف مع كل واحد منهم حبل وعصا وخيروا موسى قائلين : إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى } . ( طه : 65 ) .

فترك لهم موسى فرصة البدء واستبقى لنفسه الكلمة الأخيرة .

فتقدم السحرة وألقوا ما في أيديهم من حبال فتحركت الحبال وماجت بها الساحة وسحرت عيون المشاهدين وملأتهم بالرهبة والإجلال لهذا العمل العظيم .

وخشي موسى أن يخدع الناس عن الحق وأدركه خوف الداعية على دعوته ؛ فذكره الله بأن معه قوة كبرى ، وبأنه على الحق وعدوه على الباطل ، وبأنه رسول مؤيد بالمعجزة ، وعدوه ساحر مضلل مخادع .

{ قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى . وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } . ( طه : 69 ، 68 ) .

وألقى موسى عصاه فابتلعت أعمال السحرة في سرعة مذهلة وأدرك السحرة أن عمل موسى ليس سحرا ولكنه معجزة وبرهان من الله على صدق رسالته ، فإذا بهم يخرون لله ساجدين ؛ توبة عما صنعوا ، وخشوعا لهيبة الحق ، وإكبارا لذلك الأمر الخطير ، وإيمانا بالله رب العالمين .

وعندئذ غلت مراجل الحقد والحفيظة في صدر فرعون ، ولام السحرة على إيمانهم بموسى ، قبل أن يأذن لهم ، وقال : إنه أستاذكم وكبيركم الذي علمكم السحر ، فاتفقتم معه على فعلكم ومؤامرتكم : { فلأقطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } . ( طه : 71 ) .

ولكن ذلك جاء بعد فوات الأوان ، كان نور الإيمان قد تخلل صدورهم فوصلهم بخالقهم فزهدوا في عرض الدنيا وسلطانها ، وتطلعت قلوبهم إلى مرضاة الله ، وفضلوا ثواب الآخرة على كل ما عداه وقالوا : إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى } . ( طه : 73 ) .

غرق فرعون ونجاة موسى

استمر موسى في أداء رسالته وقيامه بواجب دعوته ، وقد اشتد إيذاء فرعون وأتباعه للمؤمنين فاسغاثوا بموسى ، فخرج موسى بهم ليلا إلى الأرض المقدسة وقد سهل الله إليها طريقهم ، واعترض البحر سبيلهم فاستغاثوا بموسى قائلين : البحر أمامنا وفرعون وراءنا ! فأوحى الله إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر فضربه بعصاه فتولت قدرة الله أن تيسر لهم في البحر اثني عشر طريقا يابسا ممهدا للسير فسار كل فريق في طريق وحفظتهم عناية الله من فرعون ، وحين حاول فرعون اللحاق بهم أطبقت عليه وعلى جنوده مياه البحر وأدركم الغرق والهلاك . ونجى الله المؤمنين ، وأذل الكافرين . وجعل من ذلك عظة وعبرة لمن اعتبر ، فمن آمن بالله وجاهد في سبيله ؛ كان في كنف الله ورعايته ، ومن كفر بآيات الله وخرج عن طريق هدايته ؛ أعد الله له العذاب والنكال . ونظر بنو إسرائيل في دهشة إلى مصرع الجبابرة العتاة ، ثم نجى الله فرعون ببدنه ؛ ليكون آية لمن خلفه ، ودليلا على أن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته .

موسى والسامري

ترك موسى قومه وذهب لميعاد ربه عاجلا مشتاقا لمناجاة ربه وانتهز السامري الفرصة فصنع لبني إسرائيل عجلا من الذهب بطريقة فنية تجعل الريح تمر فيه فتحدث صوتا وخوارا .

وقال لهم : إن موسى لن يعود إليكم ؛ لقد ذهب لمقابلة ربه فضل الطريق إليه ، وهذا هو إلهكم وإله موسى ؛ وفتن بنو إسرائيل بعبادة العجل ، فقد ألفوا الذل وطاعة فرعون .

وعاد موسى غضبان أسفا يلوم هارون على تباطئه عن إخماد هذه الفتنة فاعتذر هارون بأنه صبر حتى يعود موسى فيلتئم الشمل وتعود الوحدة إلى الجماعة .

وتوعد موسى السامري بالعذاب والنكال وأمر بطرده من محلة بني إسرائيل ، فخرج طريدا هو وأهله إلى البراري ثم أتى موسى بالعجل فحرقه بالنار ، ونسف رماده في اليم ؛ ليبين لقومه أن مثل هذا لا يصح أن يتخذ إلها : { إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما } . ( طه : 98 ) .

مشاهد القيامة وختام السورة

بدأت سورة طه بمقدمة في بيان : جلال الله وقدرته وعلمه الواسع في الآيات من 1-8 .

ثم تحدثت عن رسالة موسى وجهاده في مصر ، وجهوده مع بني إسرائيل في الآيات من 9-98 .

وبعد قصة موسى تجيء الآيات 99-114 تعقيب على هذه القصة ببيان : فضل القرآن ، وعاقبة من يعرض عنه ، وترسم الآيات هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة ، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا ، وتتكشف الأرض من جبالها وتعرى ، وتخشع الأصوات للرحمن ، وتعنوا الوجوه للحي القيوم ، لعل هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس ، ويذكرها بالله ويصلها به . وينتهي هذا المقطع بإراحة بال الرسول صلى الله عليه وسلم من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه ، فلا يعجل في ترديده ؛ خوف أن ينساه ، ولا يشقى بذلك فالله ميسره وحافظه إنما يطلب من ربه أن يزيده علما .

وبمناسبة حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يردد ما يوحى إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان ، تعرض الآيات 115-123 نسيان آدم لعهد الله وتنتهي بإعلان العداوة بينه وبين إبليس وعاقبة من يتذكرون عهد الله ومن يعرضون عنه من ولد آدم . وترسم الآيات هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة كأنما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملإ الأعلى ، ثم تنتهي إلى هناك مرة أخرى . . . وفي ختام السورة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين فلا يشقى بهم فلهم أجل معلوم . ولا يحفل بما أوتوه من متاع في الحياة الدنيا فهو فتنة لهم ، وينصرف إلى عبادة الله وذكره فترضى نفسه وتطمئن ولقد هلكت القرون من قبلهم ، وشاء الله أن يعذر إليهم بالرسول الأخير ، فلينفض يده من أمرهم ، وليعلن إليهم أنه متربص بهم ذلك المصير فليتربصوا هم كيف يشاءون : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذلّ ونخزى . قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى } . ( طه : 135 ، 134 ) .

وبذلك تختم السورة التي حددت وظيفة القرآن في بدايتها : { إلا تذكرة لمن يخشى } .

وأكدت هذه الوظيفة في نهايتها فهي التذكرة الأخيرة لمن تنفعه التذكرة وليس بعد البلاغ إلا انتظار العاقبة والعاقبة بيد الله .

وقد كانت قصة موسى ونهاية فرعون في خلال السورة تحقيقا لهذا المعنى وتأكيدا لفوز المؤمنين ومصرع المكذبين ، وبذلك يتناسق المطلع والختام وتكون السورة أشبه بموضوع له مقدمة ، ثم قصة تؤيد المقدمة ، ثم خاتمة تؤكد الموضوع . وظهر أن بين أجزاء السورة وحدة فكرية خلاصتها : شمول فضل الله ورحمته وعطفه لأحبابه المؤمنين ، وإيقاع نقمته وعذابه بالكافرين والمكذبين .

سورة طه

سورة طه سورة مكية إلا آيتي 131 ، 130 فمدنيتان وآياتها 135 آية نزلت بعد سورة مريم .

وغرض السورة : تركيز العقيدة ، والدعوة إلى التوحيد ، والإيمان بالنبوة وبالبعث ، وفي بدايتها بيان : فضل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قصة موسى من حلقة الرسالة ، وحلقة إيمان السحرة ، ومناقشة فرعون ، وحيل السامري وضلاله ، ثم حلقة من قصة آدم عليه السلام ، ثم عرض مشاهد القيامة .

وأسلوب السورة سهل رضي رخي ، وتنتهي الآيات بالألف اللينة في انسياب وفضل من الله على أنبيائه ورسله .

بسم الله الرحمن الرحيم

{ طه ( 1 ) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ( 2 ) إلا تذكرة لمن يخشى ( 3 ) تنزيلا ممّن خلق الأرض والسماوات العلى ( 4 ) الرحمن على العرش استوى ( 5 ) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ( 6 ) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السرّ وأخفى ( 7 ) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ( 8 ) }

التفسير :

1- طه .

هذه الحروف المقطعة في فواتح السور للعلماء فيها رأيان رئيسيان :

الأول : أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه .

الثاني : أن لها معان وتعددت آراء العلماء في معانيها .

( أ‌ ) قيل : هي أدوات للتنبه كالجرس الذي يُقرع فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة فهي مثل ألا الاستفتاحية .

( ب‌ ) قيل : حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان : أن القرآن مركب من حروف عربية تنطقون بها ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله .

( ج ) وقيل : هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته .

( د ) وقيل : هي علامة على انتهاء سورة وابتداء أخرى .

وقال ابن عباس : طه : معناها : يا رجل .

وقال آخرون : هي اسم للرسول محمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : معناها : طإ الأرض بقدميك

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{طه} (1)

مقدمة السورة:

سورة طه{[1]}

عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم

مقصودها الإعلام بإمهال المدعوين [ والحلم عنهم -{[2]} ]والترفق بهم إلى أن يكونوا أكثر الأمم زيادة في شرف داعيهم صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا المقصد الشريف دل اسمها بطريق الرمز والإشارة ، لتبين أهل الفطنة والبصارة . وذلك بما في أولها من الحروف المقطعة ، وذلك أنه لما كان ختام سورة مريم حاملا على الخوف من أن تهلك أمته صلى الله عليه وسلم قبل ظهور أمره الذي أمره الله به واشتهار دعوته ، لقلة من آمن به منهم ، ابتدأه سبحانه بالطاء إشارة بمخرجها الذي هو من رأس اللسان وأصول الثنيتين العلييين إلى قوة أمره وانتشاره وعلوه وكثرة أتباعه ، لأن هذا المخرج أكثر المخارج حروفا ، وأشدها حركة ، وأوسعها انتشارا ، وبما فيها من صفات{[3]} الجهر والإطباق والاستعلاء وأوسعها والقلقلة إلى انقلاب ما هو فيه من الأسرار جهرا ، وما هو فيه من الرقة فخامة ، لأنها من حروف التفخيم وأنه يستعلى أمره ، وينتشر ذكره ، حتى يطبق جميع الوجود / ويقلقل{[4]} سائر الأمم ، ولكن يكون ذلك – بما تشير إليه الهاء بمخرجها من أقصى الحلق – على [ حد - {[5]} ] بعده من طرف اللسان مع طول كبير وتماد كثير ، وبما فيها من صفات الهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والخفاء مع مخافته وضعف كبير ، وهدوء وخفاء عظيم ، ومقاساة شدائد كبار ، مع نوع فخامة واشتهار ، وهو وإن كان اشتهارا يسيرا يغلب هذا الضعف [ كله وإن كان قويا شديدا . وقراءة الإمالة للهاء تشير إلى شدة الضعف-{[6]} ] وقراءة التفخيم – وهي لأكثر القراء – مشيرة إلى فخامة القدر وقوة الأمر{[7]} ، بما لها من الانفتاح وإن رئي أنه{[8]} ليس كذلك " إنه ليخافه ملك بني الأصفر{[9]} " وإن كان معنى الحرفين : يا رجل ، فهو إشارة إلى قوته وعلو قدره ، وفخامة ذكره ، وانتشار أتباعه وعموم أمره ، وإن كانا إشارة إلى وطئ الأرض فهو إلاحة إلى{[10]} قوة التمكن وعظيم القدرة وبعد الصيت حتى تصير{[11]} كلها ملكا له ولأتباعه ، وملكا لأمرائه وأشياعه – والله أعلم . وذكر ابن الفرات{[12]} في تاريخه أن هجرة الحبشة كانت في السنة الثامنة{[13]} من المبعث فالظاهر – على ما يأتي في إسلام عمر رضي الله عنه – أن نزول هذه السورة أو أولها كان قرب هجرة الحبشة ، فيكون سبحانه قد رمز له صلى الله عليه وسلم على ما هو ألذ في محادثة الأحباب ، من صريح الخطاب بعدد مسمى الطاء{[14]} إلى أن وهن الكفار – [ الوهن - {[15]} ] الشديد – يقع في السنة التاسعة من نزولها ، وذلك في [ غزوة بدر الموعد في سنة أربع من الهجرة ، وبعدد اسمها إلى ان الفتح الأول يكون في السنة الحادية عشرة من نزولها ، وذلك في -{[16]} ] عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة عند نزول سورة الفتح ، ، ورمز له بعدد مسمى الهاء إلى أن مبدأ النصرة بالهجرة في السنة الخامسة من نزولها ، وبعدد اسمها إلى ان نصره بالفعل يقع في السنة السابعة من نزولها ، وذلك في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة ، وبعدد حرفي اسمها{[17]} لا بعدد اسميهما إلى انه في السنة الثالثة عشرة من نزولها يكون بفتح الأكبر بالاستعلاء على مكة المشرفة التي كان سببا قريبا للاستعلاء على جميع الأرض ، وذلك في أواخرها في رمضان سنة ثمان من الهجرة ، وكان تمامه بفتح الطائف بإرسال وفدهم وإسلامهم وهدم طاغيتهم في سنة تسع ، وهي السنة الرابعة عشرة ، وبعدد اسميهما{[18]} إلى ان تطبيق أكثر الأرض بالإسلام يكون في السنة الثامنة عشرة من نزولها ، وذلك بخلافة عمر رضي الله عنه في السنة الثالثة عشرة من الهجرة – والله أعلم ( بسم{[19]} ) الواسع الحلم التام القدرة {[20]}( الله ) الملك الأعظم{[21]} ( الرحمان )الذي استوى في أصل نعمته جميع خلقه ( الرحيم ) الذي أتم النعمة على أهل توفيقه ولطفه .

{ طه* } {[48841]}أي تخلص بالغ من كل{[48842]} ما يخشى وظهر عظيم وطيب منتشر في كل قطر إلى نهاية الوطن الذي هو التاسع ، ممن له الإحاطة التامة بكل غيب ، وإليه {[48843]}يرجع الأمر كله{[48844]} ، كما اجتمعت أسماؤه كلها في غيب{[48845]} هو الذي جعل العزة{[48846]} للمهتدين والهدى للمتقين .

هذه السورة{[48847]} والتي قبلها من أقدم السور المكية ، قال هشام في تهذيب السيرة{[48848]} : قال ابن اسحاق : حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أم أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال : قالت : لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي ، أمنا على ديننا وعبدنا الله تبارك وتعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه ، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم . فذكر إرسالهم إليه بهدايا ليردهم إليه ، وأن بطارقته كلموه في ذلك ، وأنه أبى حتى يسمع كلامهم ، وأنه طلبهم فأجمع أمرهم على أن{[48849]} يقولوا الحق كائناً فيه ما كان ، فدخلوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم : ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تدخلوا به في دين أحد من هذه الملل . قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : أيها الملك ‍‍ ! كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا{[48850]} الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا{[48851]} رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم و حسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم . وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد الله وحده{[48852]} لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قالت{[48853]} : فعدد عليه أمور الإسلام . فصدقناه{[48854]} وآمنا به ، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان . فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك ! فقال له{[48855]} النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله شيء ؟ فقال له جعفر : نعم ! فقال له النجاشي : فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدراً من كهيعص ، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ؛ ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، ثم ذكر تأمينه لهم ورد هدايا قريش ورسلهم خائبين . وقال ابن هشام{[48856]} : وقال ابن إسحاق : فحدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة رضي الله عنها قالت : والله ! إنا لنترحل إلى أرض{[48857]} الحبشة وقد ذهب عامر رضي الله عنه في بعض حاجاتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وهو على شركه ، وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا ، فقال : إنه الانطلاق يا أم عبد الله ؟ قلت : نعم ! والله لنخرجن في أرض الله ، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجاً ، فقال : صحبكم الله ، ورأيت له رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف وقد أحزنه{[48858]} فيما أرى خروجنا ، فجاء عامر رضي الله عنه بحاجته تلك فقلت له : يا أبا عبد الله ! لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا ! قال : أطمعت في إسلامه ؟ قلت : نعم ! قال : لايسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب .

يأساً منه . لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام ، قال ابن إسحاق{[48859]} : وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب ، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنهم ، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد و{[48860]}هم مستخفون بإسلامهم{[48861]} من عمر ، وكان نعيم بن عبد الله بن النحام . رجل من قومه بني عدي بن كعب . قد أسلم رضي الله عنه ، وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فرقاً من قومه ، وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها يقرئها القرآن ، فخرج عمر يوماً متوشحاً بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطاً من أصحابه رضي الله عنهم قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة ، فلقيه نعيم بن عبد الله رضي الله عنه فقال : أين تريد يا عمر ؟ قال أريد محمداً هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها{[48862]} فأقتله ، فقال له نعيم رضي الله عنه : والله ! لقد غرتك نفسك{[48863]} من نفسك{[48864]} ياعمر ! أترى بني عبد مناف{[48865]} تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ قال : وأيّ أهل بيتي ؟ قال : ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه فعليك بهما فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت رضي الله عنه وعنهما ، معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها ، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب بن الأرت رضي الله عنه في مخدع لهم أو في بعض البيت ، وأخذت فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب عليهما ، فلما دخل قال : ما هذه الهينمة التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت شيئاً ؟ قال : بلى ! والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه ، وبطش بختنه سعيد بن زيد رضي الله عنه فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها ، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه رضي الله عنهما : نعم ! قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله ، فاصنع ما بدا لك ! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما{[48866]} صنع فارعوى{[48867]} وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفاً أنظر ما هذا{[48868]} الذي جاء به محمد ؟ وكان عمر كاتباً ، فلما قال ذلك قالت له أخته : إنا نخشاك عليها ، قال : لاتخافي ، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها ، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له : يا أخي ! إنك نجس على شركك ، وإنه لا يمسها إلا الطاهر ، فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها ، فلما قرأ منها صدراً قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك خباب رضي الله عنه خرج إليه فقال له : يا{[48869]} عمر ! والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فإني سمعته أمس{[48870]} وهو يقول : اللهم ! أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر ! فقال له عمر عند ذلك : فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم ، فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا ، معه فيه نفر من أصحابه ، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب ، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلال الباب فرآه متوشحاً السيف فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال : يا رسول الله ! هذا عمر بن الخطاب {[48871]}متوشحاً السيف{[48872]} ! فقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه : فأذن له ، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه{[48873]} له ، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن له ، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ{[48874]} بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة {[48875]}وقال{[48876]} : ما جاء بك يا ابن الخطاب ! فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة ، فقال عمر : يا رسول الله ! جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم ، فتفرق أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من مكانهم ، وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر بن الخطاب مع إسلام حمزة رضي الله عنهما ، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوهم ، فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر رضي الله عنه حين أسلم .

وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة رضي الله عنهما بثلاثة أيام ، كما ثبت ذلك في حاشية شرح العقائد عن فوائد تمام الرازي{[48877]} ، وصفوة{[48878]} الصفوة لابن الجوزي{[48879]} ؛ قال ابن هشام{[48880]} : قال ابن إسحاق : وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : لما أسلم عمر قال : أي قريش أنقل للحديث ؟ قال : قيل له : جميل بن معمر الجمحي ، فغدا عليه ، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه{[48881]} فقال له : أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد ؟ قال : فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه . واتبعه عمر رضي الله عنه واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ! وهم في أنديتهم حول الكعبة . ألا ! إن ابن الخطاب قد صبأ قال : يقول عمر رضي الله عنه من خلفه : كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على روؤسهم قال{[48882]} : وطلح{[48883]} فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا ما بدا لكم ، فأحلف بالله أن لو كنا{[48884]} ثلاثمائة رجل لقد تركناها{[48885]} لكم أو تركتموها لنا ، قال : فبينما هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : صبأ عمر ، قال : فمه{[48886]} ! رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم{[48887]} ؟ هكذا{[48888]} عن الرجل ! قال : فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه . وفي الروض الأنف{[48889]} للإمام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن إسحاق أن عمر قال حين أسلم رضي الله عنه :

الحمد لله ذي المن الذي وجبت *** له علينا أياد ما لها غير

وقد بدأنا{[48890]} فكذبنا فقال لنا *** صدق الحديث{[48891]} نبي عند{[48892]} الخبر

وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم{[48893]} هدى *** ربي عشية قالوا قد صبا عمر

وقد ندمت على ما كان من زلل *** بظلمها حين تتلى عندها السور

لما دعت ربها ذا العرش جاهدة *** والدمع من عينها عجلان يبتدر{[48894]}

أيقنت أن الذي تدعوه خالقها *** فكاد يسبقني من عبرة درر

فقلت أشهد أن الله خالقنا *** وأن أحمد فينا اليوم مشتهر

نبي صدق أتى بالحق من ثقة *** وافى الأمانة ما في{[48895]} عوده خور

إذا تقرر هذا ، علم أن المقصود من السورة - كما تقدم - تشريف هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بإعلامه بالرفق بأمته ، والإقبال بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة ، {[48896]}كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف والقلة ، وحماهم ممن يريد قتلهم ، ولين قلب عمر رضي الله عنه بعد ما كان فيه من الغلظة وجعله وزيراً ، ثم حماه بعدوه{[48897]} ، وتأمينه صلى الله عليه وسلم من أن يستأصلوا بعذاب ، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح وهود عليهما السلام ومن بعدهم - {[48898]}بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم تلك بجعل الود وغير ذلك ، والداعي إلى هذا التأمين{[48899]} أنه سبحانه لما ختم تلك بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد ، ولم{[48900]} يختم سورة من السور الماضية بمثل ذلك ، كان{[48901]} ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم ، وحل بوارهم ، وأتى دمارهم ، وأنه لا يؤمن منهم - لما {[48902]}هم فيه{[48903]} من اللدد - إلا من قد آمن ، فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله ، لأن الأمر كان في ابتدائه ، ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جداً ،


[1]:- هكذا ثبتت العبارة في النسخة المخزونة بالرباط – المراقش التي جعلناها أصلا وأساسا للمتن، وكذا في نسخة مكتبة المدينة ورمزها "مد" وموضعها في نسخة دار الكتب المصرية ورمزها "م": رب زدني علما يا فتاح.
[2]:- في م ومد: قال أفقر الخلائق إلى عفو الخالق؛ وفي الأصل: أبو إسحاق – مكان: أبو الحسن، والتصحيح من الأعلام للزركلي ج1 ص 50 وعكس المخطوطة أمام ص 56 وهامش الأنساب للسمعاني ج2 ص280.
[3]:- ضبطه في الأعلام بضم الراء وتخفيف الباء.
[4]:- ضبطه الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله في تعليقه على الأنساب ج2 ص280 وقال: البقاعي يكسر الموحدة وفتح القاف مخففة وبعد الألف عين مهملة بلد معروف بالشام ينسب إليه جماعة أشهرهم الإمام المفسر إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي أبو الحسن برهان الدين من أجلة أهل القرن التاسع له عدة مؤلفات ولد سنة 809 وتوفي سنة 885 – اهـ.
[5]:- في م ومد: لطف الله بهم أجمعين، إلا أن لفظ "اجمعين" ليس في مد. والعبارة من "وآله" إلى هنا ليست في نسخة المكتبة الظاهرية ورمزها "ظ".
[6]:- في م ومد: لطف الله بهم أجمعين، إلا أن لفظ "اجمعين" ليس في مد. والعبارة من "وآله" إلى هنا ليست في نسخة المكتبة الظاهرية ورمزها "ظ".
[7]:- في م ومد وظ: برسالته.
[8]:- ليس في م ومد وظ.
[9]:- سورة 38 آية 29.
[10]:- في م وظ: اخرجه.
[11]:- ليس في م.
[12]:- ليس في م.
[13]:- في النسخ كلها: لا، وفي البخاري: ما، وقول علي رضي الله عنه نقل من البخاري فأثبتناها.
[14]:- في ظ: فهما، وفي متن البخاري كذلك، وعلى حاشيته: فهم.
[15]:- في ظ ومد: عمرو.
[16]:- من م ومد وظ، وفي الأصل: فابتغوا.
[17]:- من م ومد وظ، وهو الصحيح لما في البخاري: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وفي الأصل: بكر.
[18]:- زيد في م: عنى.
[19]:- من م ومد وظ، وفي الأصل: هذا و – كذا.
[20]:- وفي مد: عنهما.
[21]:- في م: فقه.
[48841]:العبارة من هنا إلى "الهدى للمتقين" ساقطة من ظ.
[48842]:زيد في مد: شيء.
[48843]:في مد: ترجع الأمور المهبه ووقع بعده في الأصل بياض قدر كلمة.
[48844]:في مد: ترجع الأمور المهبه ووقع بعده في الأصل بياض قدر كلمة.
[48845]:من مد: وفي الأصل: باب.
[48846]:بياض في الأصل ملأناه من مد.
[48847]:من ظ ومد، وفي الأصل: السورتين.
[48848]:1 / 115.
[48849]:من ظ ومد: وفي الأصل: إنهم.
[48850]:زيد من السيرة.
[48851]:زيد في الأصل: نبيا ولم تكن الزيادة في ظ ومد والسيرة فحذفناها.
[48852]:زيد من السيرة.
[48853]:زيد من السيرة.
[48854]:من ظ ومد والسيرة وفي الأصل: فصدقنا.
[48855]:زيد من ظ ومد والسيرة.
[48856]:في السيرة 1 / 119.
[48857]:من السيرة وفي النسخ: الأرض.
[48858]:من السيرة، وفي النسخ: حزنه.
[48859]:في السيرة 1 / 119.
[48860]:في السيرة: هما مستخفيان بإسلامهما.
[48861]:في السيرة : هما مستخفيان بإسلامهما.
[48862]:من مد والسيرة، وفي الأصل وظ: الهتنا.
[48863]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48864]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48865]:زيد في الأصل: هو ولم تكن الزيادة في ظ ومد والسيرة فحذفناها.
[48866]:زيد من ظ ومد والسيرة.
[48867]:زيد من ظ ومد والسيرة.
[48868]:من ظ ومد والسيرة وفي الأصل: فيها.
[48869]:زيد من ظ ومد والسيرة.
[48870]:زيد من ظ ومد والسيرة.
[48871]:من ظ ومد والسيرة وفي الأصل: متوشح سيفه.
[48872]:من ظ ومد والسيرة وفي الأصل: متوشح سيفه.
[48873]:من ظ ومد والسيرة وفي الأصل: بذلنا.
[48874]:من مد والسيرة وفي الأصل وظ: فأخذه.
[48875]:من ظ ومد والسيرة وفي الأصل: فقال.
[48876]:من ظ ومد والسيرة وفي الأصل: فقال.
[48877]:هو تمام ابن محمد بن عبد الله بن جعفر البجلي محدث دمشق المغربي المتوفي سنة 414 – راجع كشف الظنون 1296.
[48878]:طبعها الدائرة باسم صفة الصفوة.
[48879]:راجع 2 / 103 حديث ابن عباس.
[48880]:راجع السيرة 1 / 121 .
[48881]:من السيرة وفي الأصول: جاء.
[48882]:زيد من ظ ومد والسيرة.
[48883]:بهامش ظ: أي أعيا.
[48884]:زيد من ظ ومد والسيرة.
[48885]:بهامش ظ: أي مكة.
[48886]:بهامش ظ: ما استفهامية وإلا للسكت.
[48887]:من ظ ومد والسيرة وفي الأصل: صاحبكم.
[48888]:زيد في السيرة: خلوا وبهامش ظ: أي تنحوا عنه هكذا.
[48889]:1 / 218.
[48890]:من الروض وفي الأصول: برانا.
[48891]:من ظ ومد والروض وفي الأصل: النبي عبده.
[48892]:من ظ ومد والروض وفي الأصل: النبي عبده.
[48893]:من مد وظ والروض وفي الأصل: حين
[48894]:1 / 218.
[48895]:زيد من ظ ومد والروض.
[48896]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48897]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48898]:في ظ: وذلك.
[48899]:في ظ: وذلك.
[48900]:من ظ ومد وفي الأصل: لما.
[48901]:زيد من ظ ومد.
[48902]:في مد: فيهم.
[48903]:في مد: فيهم.