ليس لهذه السورة إلا هذا الاسم من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . روى الطبراني بسنده إلى عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد وورد عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وأنس ابن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وأسماء بنت يزيد بن السكن ، تسميتها في كلامهم سورة الأنعام . وكذلك ثبتت تسميتها في المصاحف وكتب التفسير والسنة .
وسميت سورة الأنعام لما تكرر فيها من ذكر لفظ الأنعام ست مرات من قوله : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا إلى قوله { إذ وصاكم الله بهذا } .
وهي مكية بالاتفاق فعن ابن عباس : أنها نزلت بمكة ليلا جملة واحدة ، كما رواه عنه عطاء ، وعكرمة ، والعوفي ، وهو الموافق لحديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدم آنفا . وروي أن قوله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } الآية نزل في مدة حياة أبي طالب ، أي قبل سنة عشر من البعثة ، فإذا صح كان ضابطا لسنة نزول هذه السورة . وروى الكلبى عن ابن عباس : أن ست آيات منها نزلت بالمدينة ، ثلاثا من قوله { وما قدروا لله حق قدره } إلى منتهى ثلاث آيات ، وثلاثا من قوله { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى قوله ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } . وعن أبي جحيفة أن آية { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة } مدنية .
وقيل نزلت آية { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى الي } الآية بالمدينة ، بناء على ما ذكر من سبب نزولها الآتي . وقيل : نزلت آية { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } الآية ، وآية { فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } الآية ، كلتاهما بالمدينة بناء على ما ذكر من أسباب نزولهما كما سيأتي . وقال ابن العربي في أحكام القرآن عند قوله تعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } الآية أنها في قول الأكثر نزلت يوم نزول قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } الآية ، أي سنة عشر ، فتكون هذه الآيات مستثناة من مكية السورة ألحقت بها . وقال ابن عطية في تفسير قوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره } الآية من هذه السورة . إن النقاش حكى أن سورة الأنعام كلها مدنية . ولكن قال ابن الحصار : لا يصح نقل في شيء نزل من الأنعام في المدينة . وهذا هو الأظهر وهو الذي رواه أبو عبيد ، والبيهقي ، وابن مردويه ، والطبراني ، عن ابن عباس ؛ وأبو الشيخ عن أبي بن كعب .
وعن ابن عباس أنها نزلت بمكة جملة واحدة ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم .
وروى سفيان الثوري ، وشريك عن أسماء بنت يزيد الأنصارية : نزلت سورة الأنعام على رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة وهو في مسير وأنا آخذة بزمام ناقته إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة . ولم يعينوا هذا المسير ولا زمنه غير أن أسماء هذه لا يعرف لها مجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هجرته ولا هي معدودة فيمن تابع في العقبة الثانية حتى يقال : إنها لقيته قبل الهجرة ، وإنما المعدودة أسماء بنت عمرو بن عدي . فحال هذا الحديث غير بين . ولعله التبس فيه قراءة السورة في ذلك السفر بأنها نزلت حينئذ .
قالوا : ولم تنزل من السور الطوال سورة جملة واحدة غيرها . وقد وقع مثل ذلك في رواية شريك عن أسماء بنت يزيد كما علمته آنفا ، فلعل حكمة إنزالها جملة واحدة قطع تعلل المشركين في قولهم { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } . توهما منهم أن تنجيم نزوله يناكد كونه كتابا ، فأنزل الله سورة الأنعام . وهي في مقدار كتاب من كتبهم التي يعرفونها كالإنجيل والزبور ، ليعلموا أن الله قادر على ذلك ، إلا أن حكمة تنجيم النزول أولى بالمراعاة . وأيضا ليحصل الإعجاز بمختلف أساليب الكلام من قصر وطول وتوسط ، فإن طول الكلام قد يقتضيه المقام ، كما قال قيس بن خارجة يفخر بما عنده من الفضائل : وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب الخ .
وقال أبو دؤاد بن جرير الأيادي يمدح خطباء إياد :
يرمون بالخطب الطوال وتارة *** وحي الملاحظ خيفة الرقباء
واعلم أن نزول هذه السورة جملة واحدة على الصحيح لا يناكد ما يذكر لبعض آياتها من أسباب نزولها ، لأن أسباب نزول تلك الآيات إن كان لحوادث قبل الهجرة فقد تتجمع أسباب كثيرة في مدة قصيرة قبل نزول هذه السورة ، فيكون نزول تلك الآيات مسببا على تلك الحوادث ، وإن كان بعد الهجرة جاز أن تكون تلك الآيات مدنية ألحقت بسورة الأنعام لمناسبات . على أن أسباب النزول لا يلزم أن تكون مقارنة لنزول آيات أحكامها فقد يقع السبب ويتأخر تشريع حكمه .
وعلى القول الأصح أنها مكية فقد عدت هذه السورة الخامسة والخمسين في عد نزول السور . نزلت بعد سورة الحجر وقبل سورة الصافات .
وعدد آياتها مائة وسبع وستون في العدد المدني والمكي ، ومائة وخمس وستون في العدد الكوفي ، ومائة وأربع وستون في الشامي والبصري .
ابتدأت بإشعار الناس بأن حق الحمد ليس إلا لله لأنه مبدع العوالم جواهر وأعراضا فعلم أنه المتفرد بالإلهية . وإبطال تأثير الشركاء من الأصنام والجن بإثبات أنه المتفرد بخلق العالم جواهره وأعراضه ، وخلق الإنسان ونظام حياته وموته بحكمته تعالى وعلمه ، ولا تملك آلهتهم تصرفا ولا علما .
وتنزيه الله عن الولد والصاحبة . قال أبو إسحاق الإسفرائيني في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد .
وموعظة المعرضين عن آيات القرآن والمكذبين بالدين الحق ، وتهديدهم بأن يحل بهم ما حل بالقرون المكذبين من قبلهم والكافرين بنعم الله تعالى ، وأنهم ما يضرون بالإنكار إلا أنفسهم .
ووعيدهم بما سيلقون عند نزع أرواحهم ، ثم عند البعث .
وتسفيه المشركين فيما اقترحوه على النبي صلى الله عليه وسلم من طلب إظهار الخوارق تهكما .
وإبطال اعتقادهم أن الله لقنهم على عقيدة الإشراك قصدا منهم لإفحام الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان حقيقة مشيئة الله .
وإثبات صدق القرآن بأن أهل الكتاب يعرفون أنه الحق .
والإنحاء على المشركين تكذيبهم بالبعث ، وتحقيق أنه واقع ، وأنهم يشهدون بعده العذاب ، وتتبرأ منهم آلهتهم التي عبدوها ، وسيندمون على ذلك ، كما أنها لا تغني عنهم شيئا في الحياة الدنيا ، فإنهم لا يدعون إلا الله عند النوائب .
وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا يؤاخذ بإعراض قومه ، وأمره بالإعراض عنهم .
وبيان حكمة إرسال الله الرسل ، وأنها الإنذار والتبشير وليست وظيفة الرسل إخبار الناس بما يتطلبون علمه من المغيبات .
وأن تفاضل الناس بالتقوى والانتساب إلى دين الله .
وإبطال ما شرعه أهل الشرك من شرائع الضلال .
وبيان أن التقوى الحق ليست مجرد حرمان النفس من الطيبات بل هي حرمان النفس من الشهوات التي تحول بين النفس وبين الكمال والتزكية .
وضرب المثل للنبي مع قومه بمثل إبراهيم مع أبيه وقومه ؛ وكان الأنبياء والرسل على ذلك المثل من تقدم منهم ومن تأخر .
والمنة على الأمة بما أنزل الله من القرآن هدى لهم كما أنزل الكتاب على موسى ، وبأن جعلها الله خاتمة الأمم الصالحة .
وبيان فضيلة القرآن ودين الإسلام وما منح الله لأهله من مضاعفة الحسنات .
وتخللت ذلك قوارع للمشركين ، وتنويه بالمؤمنين ، وامتنان بنعم اشتملت عليها مخلوقات الله ، وذكر مفاتح الغيب .
قال فخر الدين : قال الأصوليون أي علماء أصول الدين : السبب في إنزالها دفعة واحدة أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوءة والمعاد وإبطال مذاهب المعطلين والملحدين فإنزال ما يدل على الأحكام قد تكون المصلحة أن ينزله الله على قدر حاجاتهم وبحسب الحوادث ، وأما ما يدل على علم الأصول فقد أنزله الله جملة واحدة .
وهي أجمع سور القرآن لأحوال العرب في الجاهلية ، وأشدها مقارعة جدال لهم واحتجاج على سفاهة أحوالهم من قوله { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا } ، وفيما حرموه على أنفسهم مما رزقهم الله .
وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } .
ووردت في فضل سورة الأنعام وفضل آيات منها روايات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وابن عباس ، وأسماء بنت يزيد .
{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور }
جملة { الحمد لله } تفيد استحقاق الله تعالى الحمد وحده دون غيره لأنّها تدلّ على الحصر . واللام لتعريف الجنس ، فدلّت على انحصار استحقاق هذا الجنس لله تعالى . وقد تقدّم بيان ذلك مستوفى في أول سورة الفاتحة .
ثم إنّ جملة { الحمد لله } هنا خبر لفظاً ومعنىً إذ ليس هنا ما يصرف إلى قصد إنشاء الحمد بخلاف ما في سورة الفاتحة لأنّه عقّب بقوله : { إيّاك نعبد } [ الفاتحة : 5 ] إلى آخر السورة ، فمن جوّز في هذه أن تكون إنشاء معنى لم يُجد التأمّل .
فالمعنى هنا أنّ الحمد كُلّه لا يستحقّه إلاّ الله ، وهذا قصر إضافي للردّ على المشركين الذين حمدوا الأصنام على ما تخيّلوه من إسدائها إليهم نعماً ونصراً وتفريج كربات ، فقد قال أبو سفيان حين انتصر هو وفريقه يوم أحُد : أعلُ هُبل لنا العُزّى ولا عُزّى لكم . ويجوز أن يكون قصراً حقيقياً على معنى الكمال وأنّ حمد غيره تعالى من المنعمين تسامح لأنّه في الحقيقة واسطة صورية لجريان نعمة الله على يديه ، والمقصود هو هو ، وهو الردّ على المشركين ، لأنّ الأصنام لا تستحقّ الحمد الصوري بله الحقيقي كما قال إبراهيم عليه السلام « لمَ نعْبُدُ ما لا يسمع ولا يُبْصر ولا يُغْني عنك شيئاً » . ولذلك عقّبت جملة الحمد على عظيم خلق الله تعالى بجملة { ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون } .
والموصول ، في محلّ الصفة لاسم الجلالة ، أفاد مع صلته التذكير بعظيم صفة الخلق الذي عمّ السماوات والأرض وما فيهنّ من الجواهر والأعراض . وذلك أوجز لفظ في استحضار عظمة قدرة الله تعالى . وليس في التعريف بالموصولية هنا إيذان بتعليل الجملة التي ذكرت قبله ، إذ ليست الجملة إنشائية كما علمت . والجملة الخبرية لا تعلّل ، لأنّ الخبر حكاية ما في الواقع فلا حاجة لتعليله . فالمقصود من الأوصاف التمهيد لقوله بعدُ { ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون } .
وجمع : { السماوات } لأنّها عوالم كثيرة ، إذ كلّ كوكب منها عالم مستقلّ عن غيره ، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبّر عنها في القرآن بالسماوات السبع فيما نرى . وأفرد الأرض لأنّها عالم واحد ، ولذلك لم يجيء لفظ الأرض في القرآن جمعاً .
وقوله : { وجعل الظلمات والنور } أشار في « الكشاف » أنّ ( جعلَ ) إذا تعدّى إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى ( خلق ) . والفرق بينه وبين ( خلق ) ؛ فإنّ في الخلق ملاحظة معنى التقدير ، وفي الجعل ملاحظة معنى الانتساب ، يعني كون المجعول مخلوقاً لأجل غيره أو منتسباً إلى غيره ، فيعْرف المنتسب إليه بمعونة المقام . فالظلمات والنور لمّا كانا عرضين كان خلقهما تكويناً لتُكيَّف موجودات السماوات والأرض بهما . ويعرف ذلك بذكر { الظلمات والنور } عقب ذكر { السماوات والأرض } ، وباختيار لفظ الخلق للسماوات والأرض ، ولفظ الجعل للظلمات والنور ، ومنه قوله تعالى : { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } [ الأعراف : 189 ] فإنّ الزوج وهو الأنثى مراعى في إيجاده أن يكون تكملة لخلق الذكر ، ولذلك عقّبه بقوله : { ليسكن إليها } [ الأعراف : 189 ] والخلق أعمّ في الإطلاق ولذلك قال تعالى في آية أخرى { يأيها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } [ النساء : 1 ] لأنّ كلّ تكوين لا يخلو من تقدير ونظام .
وخَصّ بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين ، وهما : الظلمات والنور فقال { وجعل الظلمات والنور } لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما . وبذكر هذه الأمور الأربعة حصلت الإشارة إلى جنسي المخلوقات من جواهر وأعراض . فالتفرقة بين فعل ( خلق ) وفعل ( جعل ) هنا معدود من فصاحة الكلمات . وإنّ لكلّ كلمة مع صاحبتها مقاماً ، وهو ما يسمّى في عرف الأدباء برشاقة الكلمة ففعل ( خلق ) ألْيق بإيجاد الذوات ، وفعل ( جعل ) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها .
والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة تعريض بإبطال عقائد كفار العرب فإنّهم بين مشركين وصابئة ومجوس ونصارى ، وكلّهم قد أثبتوا آلهة غير الله ؛ فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض ، وَالصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية ، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى أو عيسى ومريم وهما من الموجودات الأرضية ، والمجوس وهم المانوية ألّهوا النور والظلمة ، فالنور إله الخير والظلمة إله الشرّ عندهم . فأخبرهم الله تعالى أنّه خالق السماوات والأرض ، أي بما فيهم ، وخالق الظلمات والنور .
ثم إنّ في إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من الأعراض إيماء وتعريضاً بحالِيْ المخاطبين بالآية من كفر فريق وإيمان فريق ، فإنّ الكفر يشبه الظلمة لأنّه انغماس في جهالة وحيرة ، والإيمان يشبه النور لأنّه استبانة الهدى والحقّ . قال تعالى : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } [ البقرة : 257 ] . وقدّم ذكر الظلمات مراعاة للترتّب في الوجود لأنّ الظلمة سابقة النور ، فإنّ النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة ، وكانت الظلمة عامّة . وإنّما جُمع { الظلمات } وأفرد { النور } اتّباعاً للاستعمال ، لأنّ لفظ ( الظلمات ) بالجمع أخفّ ، ولفظ ( النور ) بالإفراد أخفّ ، ولذلك لم يرد لفظ ( الظلمات ) في القرآن إلاّ جمعاً ولم يرد لفظ ( النور ) إلاّ مفرداً . وهما معاً دالاّن على الجنس ، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق للاختلاف سبب لاتّباع الاستعمال ، خلافاً لما في « الكشاف » .
{ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } .
عُطفت جملة { ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون } على جملة : { الحمد لله الذي خلق السماوات } . ف { ثم } للتراخي الرتبي الدالّ على أنّ ما بعدها يتضمّن معنى من نوع ما قبله ، وهو أهمّ في بابه . وذلك شأن ( ثم ) إذا وردت عاطفة جملة على أخرى ، فإنّ عدول المشركين عن عبادة الله مع علمهم بأنّه خالق الأشياء أمر غريب فيهم أعجب من علمهم بذلك .
والحجّة ناهضة على الذين كفروا لأنّ جميعهم عدا المانوية يعترفون بأنّ الله هو الخالق والمدبّر للكون ، ولذلك قال الله تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذّكّرون } [ النحل : 17 ] .
والخبر مستعمل في التعجيب على وجه الكناية بقرينة موقع { ثم } ودلالة المضارع على التجدّد ، فالتعجيب من شأن المشركين ظاهر وأمّا المانوية فالتعجيب من شأنهم في أنّهم لم يهتدوا إلى الخالق وعبدوا بعض مخلوقاته . فالمراد ب { الذين كفروا } كلّ من كفر بإثبات إله غير الله تعالى سواء في ذلك من جعل له شريكاً مثل مشركي العرب والصابئة ومن خصّ غير الله بالإلهية كالمانوية . وهذا المراد دلّت عليه القرينة وإن كان غالب عرف القرآن إطلاق الذين كفروا على المشركين .
ومعنى { يعدلون } يُسوّون . والعدل : التسوية . تقول : عدلت فلاناً بفلان ، إذا سوّيته به ، كما تقدّم في قوله : { أو عَدْل ذلك صياماً } [ المائدة : 95 ] ، فقوله { بربّهم } متعلّق ب { يعدلون } ولا يصحّ تعليقه ب { الذين كفروا } لعدم الحاجة إلى ذلك . وحذف مفعول { يعدلون } ، أي يعدلون بربّهم غيره وقد علم كلّ فريق ماذا عدل بالله . والمراد يعدلونه بالله في الإلهيّة ، وإن كان بعضهم يعترف بأنّ الله أعظم كما كان مشركو العرب يقولون : لَبَّيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك . وكما قالت الصابئة في الأرواح ، والنصارى في الابن والروح القدس .
ومعنى العجيب عامّ في أحوال الذين ادّعوا الإلهيّة لغير الله تعالى سواء فيهم من كان أهلاً للاستدلال والنظر في خلق السماوات والأرض ومن لم يكن أهلاً لذلك ، لأنّ محلّ التعجيب أنّه يخلقهم ويخلق معبوداتهم فلا يهتدون إليه بل ويختلقون إلهيّة غيره . ومعلوم أنّ التعجيب من شأنهم متفاوت على حسب تفاوت كفرهم وضلالهم .
مكية في قوله الأكثرين . قال ابن عباس وقتادة : هي مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة ، قوله تعالى : " وما قدروا الله حق قدره " [ الأنعام : 91 ] نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين والأخرى قوله : " وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات " [ الأنعام : 141 ] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وقال ابن جريج : نزلت في معاذ بن جبل ، وقاله الماوردي . وقال الثعلبي سورة " الأنعام " مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة " وما قدروا الله حق قدره " إلى آخر ثلاث آيات و " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " [ الأنعام : 151 ] إلى آخر ثلاث آيات . قال ابن عطية : وهي الآيات المحكمات وذكر ابن العربي : أن قوله تعالى : " قل لا أجد " نزل بمكة يوم عرفة . وسيأتي القول في جميع ذلك إن شاء الله . وفي الخبر أنها نزلت جملة واحدة غير الست الآيات وشيعها سبعون ألف ملك مع آية واحدة منها اثنا عشر ألف ملك وهي " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " [ الأنعام : 59 ] نزلوا بها ليلا . لهم زجل{[1]} بالتسبيح والتحميد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم ، وأسند أبو جعفر النحاس قال : حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو حاتم روح بن الفرج مولى الحضارمة قال حدثنا أحمد بن محمد أبو بكر العمري حدثنا ابن أبي فديك حدثني عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص عن نافع أبي سهل{[2]} بن مالك عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح ) والأرض لهم ترتج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبحان ربي العظيم ) ثلاث مرات{[3]} وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه{[4]} قال : الأنعام من نجائب{[5]} القرآن . وفيه عن كعب قال : فاتحة " التوراة " فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة " هود " . وقاله وهب بن منبه أيضا ، وذكر المهدوي قال المفسرون : إن " التوراة " افتتحت بقوله : " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض " [ الأنعام : 1 ] الآية وختمت بقوله " الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك{[6]} " [ الإسراء : 111 ] إلى آخر الآية ، وذكر الثعلبي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من قرأ ثلاث آيات من أول سورة " الأنعام " إلى قوله : " ويعلم ما تكسبون " [ الأنعام : 3 ] وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثله عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة{[7]} من حديد ، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحي في قلبه شيئا ضربه ضربة فيكون بينه وبينه سبعون حجابا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : " امش في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فأنت عبدي وأنا ربك " . وفي البخاري عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب ، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة " الأنعام " " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم " إلى قوله : " وما كانوا مهتدين{[8]} " [ الأنعام : 140 ] .
تنبيه : قال العلماء : هذه السورة أصل{[9]} في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور ، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بنى المتكلمون أصول الدين لأن فيها آيات بينات ترد على القدرية دون السور التي تذكر والمذكورات وسنزيد{[10]} ذلك بيانا إن شاء الله بحول الله تعالى وعونه{[11]} .
الأولى : قوله تعالى : " الحمد لله " بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه وإثبات الألوهية أي أن الحمد كله له فلا شريك له فإن قيل : فقد افتتح غيرها بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره . فيقال : لأن لكل واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة ، وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون . وقد تقدم معنى " الحمد " في الفاتحة{[6217]} .
الثانية : قوله تعالى : " الذي خلق السماوات والأرض " أخبر عن قدرته وعلمه وإرادته فقال : الذي خلق أي اخترع وأوجد وأنشأ وابتدع ، والخلق يكون بمعنى الاختراع ويكون بمعنى التقدير ، وقد تقدم ، وكلاهما مراد هنا وذلك دليل على حدوثهما فرفع السماء بغير عمد وجعلها مستوية من غير أود{[6218]} وجعل فيها الشمس والقمر آيتين وزينها بالنجوم وأودعها السحاب والغيوم علامتين وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات ، وبث فيها من كل دابة آيات جعل فيها الجبال أوتادا وسبلا فجاجا وأجرى فيها الأنهار والبحار وفجر فيها العيون من الأحجار دلالات على وحدانيته ، وعظيم قدرته وأنه هو الله الواحد القهار وبين بخلقه السماوات والأرض أنه خالق كل شيء .
الثالثة : خرج مسلم قال : حدثني سريج بن يونس وهارون بن عبدالله قالا حدثنا حجاج بن محمد قال قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : ( خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ) .
قلت : أدخل العلماء هذا الحديث تفسيرا لفاتحة هذه السورة ، قال البيهقي : وزعم أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفة ما عليه أهله التفسير وأهله التواريخ . وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى عن أيوب بن خالد وإبراهيم غير محتج به وذكر محمد بن يحيى قال : سألت علي بن المديني عن حديث أبى هريرة ( خلق الله التربة يوم السبت ) . فقال علي : هذا حديث مدني رواه هشام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي قال علي : وشبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى فقال لي : شبك بيدي أيوب بن خالد وقال لي شبك بيدي عبدالله بن رافع وقال لي : شبك بيدي أبو هريرة وقال لي : شبك بيدي أبو القاسم رسول الله{[6219]} صلى الله عليه وسلم فقال : ( خلق الله الأرض يوم السبت ) فذكر الحديث بنحوه . قال علي بن المديني : وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا الأمر إلا من إبراهيم بن أبي يحيى قال البيهقي : وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف . وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد وإسناده ضعيف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه إياه ) قال : فقال عبدالله بن سلام : إن الله عز وجل ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق السماوات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر وما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس خلق آدم . خرجه البيهقي . قلت : وفيه أن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد لا يوم السبت وكذلك تقدم في " البقرة " {[6220]} عن ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وتقدم فيها أن الاختلاف أيما خلق أولا الأرض أم السماء{[6221]} مستوفى . والحمد لله .
الرابعة : قوله تعالى : " وجعل الظلمات والنور " ذكر بعد خلق الجواهر خلق الأعراض لكون الجوهر لا يستغني عنه وما لا يستغني عن الحوادث فهو حادث . والجوهر في اصطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعرض . وقد أتينا على ذكره في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في اسمه " الواحد " وسمي العرض عرضا لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من حال إلى حال والجسم هو المجتمع . وأقل ما يقع عليه اسم الجسم جوهران مجتمعان . وهذه الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأول فقد دل عليها معنى الكتاب والسنة فلا معنى لإنكارها وقد استعملها العلماء واصطلحوا عليها وبنوا عليها كلامهم وقتلوا بها خصومهم
واختلف العلماء في المعنى المراد بالظلمات والنور فقال السدي وقتادة وجمهور المفسرين : المراد سواد الليل وضياء النهار وقال الحسن الكفر والإيمان قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر .
قلت : اللفظ يعمه وفي التنزيل : " أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات{[6222]} " [ الأنعام : 122 ] . والأرض هنا اسم للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها وكذلك " والنور " ومثله " ثم يخرجكم طفلا{[6223]} " [ غافر : 67 ] وقال الشاعر :
وقد تقدم{[6224]} وجعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره قاله ابن عطية .
قلت : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفا على الجميع والمفرد معطوفا على المفرد فيتجانس اللفظ وتظهر الفصاحة والله أعلم وقيل : جمع " الظلمات " ووحد " النور " لأن الظلمات لا تتعدى والنور يتعدى ، وحكى الثعلبي أن بعض أهل المعاني قال : " جعل " هنا زائدة والعرب تزيد " جعل " في الكلام كقول الشاعر :
وقد جعلتُ أرى الاثنين أربعةً *** والواحد{[6225]} اثنين لما هدَّنِي الكِبَرُ
قال النحاس : جعل بمعنى خلق وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد . وقد تقدم هذا المعنى ، ومحامل جعل في " البقرة " {[6226]} مستوفى .
الخامسة : قوله تعالى : " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ابتداء وخبر والمعنى : ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلا وشريكا وهو الذي خلق هذه الأشياء وحده قال ابن عطية : ف " ثم " دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى : أن خلقه السماوات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني ، ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم ، والله أعلم .