قوله تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة }
اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف ، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام ، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم ، وبهذا المعنى ختمت السورة ، وهو قوله : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف ، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع ، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة ، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والإله الذي أوجدنا ، فلهذا قال : { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : روى الواحدي عن ابن عباس في قوله : { يا أيها الناس } أن هذا الخطاب لأهل مكة ، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين ، وهذا هو الأصح لوجوه : أحدها : أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق . وثانيها : أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقا لهم من نفس واحدة ، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم ، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما . وثالثها : أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة ، بل هو عام في حق جميع العالمين ، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل ، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل ، وكانت علة هذا التكليف ، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل ، كان القول بالتخصيص في غاية البعد . وحجة ابن عباس أن قوله : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم . فيقولون أسألك بالله وبالرحم ، وأنشدك الله والرحم ، وإذا كان كذلك كان قوله : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } مختصا بالعرب ، فكان أول الآية وهو قوله : { يا أيها الناس } مختصا بهم لأن قوله في أول الآية : { اتقوا ربكم } وقوله بعد ذلك : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } وردا متوجهين إلى مخاطب واحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها ، فكان قوله : { يا أيها الناس } عاما في الكل ، وقوله : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } . خاصا بالعرب .
المسألة الثانية : أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن : إحداهما : هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن . والثانية : سورة الحج ، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن ، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة ، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله ، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد ، وهو قوله :
{ إن زلزلة الساعة شيء عظيم } فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد ، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة .
المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف ، فنقول : قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، مشتمل على قيدين : أحدهما : أنه تعالى خلقنا ، والثاني : كيفية ذلك التخليق ، وهو أنه تعالى إنما خلقنا من نفس واحدة ، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب التقوى .
أما القيد الأول : وهو أنه تعالى خلقنا ، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه ، وبيان ذلك من وجوه : الأول : أنه لما كان خالقا لنا وموجدا لذواتنا وصفاتنا فنحن عبيده وهو مولى لنا ، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده ، والعبودية توجب الانقياد للرب والموجد والخالق ، الثاني : أن الإيجاد غاية الإنعام ونهاية الإحسان ، فإنك كنت معدوما فأوجدك ، وميتا فأحياك ، وعاجزا فأقدرك . وجاهلا فعلمك ، كما قال إبراهيم عليه السلام : { الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين } فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على العبد أن يقابل تلك النعم بإظهار الخضوع والانقياد ، وترك التمرد والعناد ، وهذا هو المراد بقوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } الثالث : وهو أنه لما ثبت كونه موجدا وخالقا وإلها وربا لنا . وجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر عنه ، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجبا ثوابا ألبتة ، لأن هذه الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب ، لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئا آخر ، هذا إذا سلمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء ، فكيف وهذا محال ، لأن فعل الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة ، وخلق الداعية على الطاعة ، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجبا لصدور الطاعة عن العبد ، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاما من الله على عبده ، والمولى إذا خص عبده بإنعام لم يصر ذلك الإنعام موجبا عليه إنعاما آخر ، فهذا هو الإشارة إلى بيان أن كونه خالقا لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن مناهيه .
وأما القيد الثاني : وهو أن خصوص كونه خالقا لنا من نفس واحدة يوجب علينا الطاعة والاحتراز عن المعصية ، فبيانه من وجوه : الأول : أن خلق جميع الأشخاص الإنسانية من الإنسان الواحد أدل على كمال القدرة ، من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الإنسان الواحد ، لم يكن إلا أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة ، فلما رأينا في أشخاص الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير ، دل ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار ، لا طبيعة مؤثرة ، ولا علة موجبة ، ولما دلت هذه الدقيقة على أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات ، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فكان ارتباط قوله : { اتقوا ربكم } بقوله : { خلقكم من نفس واحدة } في غاية الحسن والانتظام .
والوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر عقبيه الأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء ، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى ، وذلك لأن الأقارب لا بد وأن يكون بينهم نوع من مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة ، ولذلك إن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه ، ويحزن بذمهم والطعن فيهم ، وقال عليه الصلاة والسلام : «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها » وإذا كان الأمر كذلك ، فالفائدة في ذكر هذا المعنى أن يصير ذلك سببا لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض .
الوجه الثالث : أن الناس إذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق .
الوجه الرابع : أن هذا يدل على المعاد ، لأنه تعالى لما كان قادرا على أن يخرج من صلب شخص واحد أشخاصا مختلفين ، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصا عجيب التركيب لطيف الصورة ، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم ، فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه { ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } .
الوجه الخامس : قال الأصم : الفائدة فيه : أن العقل لا دليل فيه على أن الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة ، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل السمعية ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أميا ما قرأ كتابا ولا تتلمذ لأستاذ ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخبارا عن الغيب فكان معجزا ، فالحاصل أن قوله : { خلقكم } دليل على معرفة التوحيد ، وقوله : { من نفس واحدة } دليل على معرفة النبوة .
فان قيل : كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس ؟
قلنا : قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم إذا خلقت من بعضه ، ثم حصل خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبدا ، جازت إضافة الخلق أجمع إلى آدم .
المسألة الرابعة : أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم عليه السلام ، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس ، ونظيره قوله تعالى :
{ أقتلت نفسا زكية بغير نفس } وقال الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى *** فأنت خليفة ذاك الكمال
قالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة .
قوله تعالى : { وخلق منها زوجها } فيه مسائل :
المسألة الأولى : المراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان : الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم ، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى ، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه ، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها " .
والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله : { وخلق منها زوجها } أي من جنسها وهو كقوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } وكقوله : { إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } وقوله : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله : { خلقكم من نفس واحدة } إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين ، لا من نفس واحدة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة «من » لابتداء الغاية ، فلما كان ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال : خلقكم من نفس واحدة ، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم .
المسألة الثانية : قال ابن عباس : إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي ، فلا جرم سميت بحواء .
المسألة الثالثة : احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا : قوله تعالى : { خلقكم من نفس واحدة } يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة ، وقوله : { وخلق منها زوجها } يدل على أن زوجها مخلوقة منها ، ثم قال في صفة آدم : { خلقه من تراب } فدل على أن آدم مخلوق من التراب ، ثم قال في حق الخلائق : { منها خلقناكم } وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها ، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال .
أجاب المتكلمون فقالوا : خلق الشيء من الشيء محال في العقول ، لأن هذا المخلوق إن كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ألبتة ، وإذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر ، وإن قلنا : إن هذا المخلوق مغاير للذي كان موجودا قبل ذلك ، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض ، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من غيره محال في العقول ، وأما كلمة { من } في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية ، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار ، بل على وجه الوقوع فقط .
المسألة الرابعة : قال صاحب «الكشاف » : قرئ { وخلق منها زوجها وبث منهما } بلفظ اسم الفاعل ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق .
قوله تعالى : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } .
المسألة الأولى : قال الواحدي : بث منهما : يريد فرق ونشر ، قال ابن المظفر : البث تفريقك الأشياء ، يقال : بث الخيل في الغارة وبث الصياد كلابه ، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض ، وبثثت البسط إذا نشرتها ، قال الله تعالى : { وزرابي مبثوثة } قال الفراء والزجاج : وبعض العرب يقول : أبث الله الخلق .
المسألة الثانية : لم يقل : وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال ، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } .
فان قيل : لم لم يقل : وبث منهما رجالا كثيرا ونساء كثيرا ؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ؟
قلنا : السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة ، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز ، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول .
المسألة الثالثة : الذين يقولون : إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر ، وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام ، حملوا قوله : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } على ظاهره ، والذين أنكروا ذلك قالوا : المراد بث منهما أولادهما ومن أولادهما جمعا آخرين ، فكان الكل مضافا إليهما على سبيل المجاز .
قوله تعالى : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } .
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : { تساءلون } بالتخفيف والباقون بالتشديد ، فمن شدد أراد : تتساءلون فأدغم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف اللسان وأصول الثنايا واجتماعهما في الهمس ، ومن خفف حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة ، فأعلها بالحذف كما أعلها الأولون بالإدغام ، وذلك لأن الحروف المتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالحذف وأخرى بالإدغام .
المسألة الثانية : قرأ حمزة وحده { والأرحام } بجر الميم قال القفال رحمه الله : وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة عن مجاهد وغيره ، وأما الباقون من القراء فكلهم قرؤا بنصب الميم . وقال صاحب «الكشاف » : قرئ { والأرحام } بالحركات الثلاث ، أما قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النحويين إلى أنها فاسدة ، قالوا : لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور وذلك غير جائز . واحتجوا على عدم جوازه بوجوه : أولها : قال أبو علي الفارسي : المضمر المجرور بمنزلة الحرف ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه ، إنما قلنا المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوجوه : الأول : أنه لا ينفصل ألبتة كما أن التنوين لا ينفصل ، وذلك أن الهاء والكاف في قوله : به ، وبك لا ترى واحدا منفصلا عن الجار ألبتة فصار كالتنوين . الثاني : أنهم يحذفون الياء من المنادى المضاف في الاختيار كحذفهم التنوين من المفرد ، وذلك كقولهم : يا غلام ، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه ، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فإذا لم تحصل المشابهة هنا وجب أن لا يجوز العطف . وثانيها : قال علي بن عيسى : إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع . فلا يجوز أن يقال : اذهب وزيد ، وذهبت وزيد بل يقولون : اذهب أنت وزيد ، وذهبت أنا وزيد . قال تعالى :
{ فاذهب أنت وربك فقاتلا } مع أن المضمر المرفوع قد ينفصل ، فإذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل ، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى . وثالثها : قال أبو عثمان المازني : المعطوف والمعطوف عليه متشاركان ، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول ، وههنا هذا المعنى غير حاصل ، وذلك لأنك لا تقول : مررت بزيدوك ، فكذلك لا تقول مررت بك وزيد .
واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات ، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة ، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه ، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة ، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت ، وأيضا فلهذه القراءة وجهان : أحدهما : أنها على تقدير تكرير الجار ، كأنه قيل تساءلون به وبالأرحام . وثانيها : أنه ورد ذلك في الشعر وأنشد سيبويه في ذلك :
فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا *** فاذهب فما بك والأيام من عجب
نعلق في مثل السواري سيوفنا *** وما بينها والكعب غوط نفانف
والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن . واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تحلفوا بآبائكم " فإذا عطفت الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالأرحام ، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا يقولون : أسألك بالله والرحم ، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل ، وأيضا فالحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط ، وههنا ليس كذلك ، بل هو حلف بالله أولا ثم يقرن به بعده ذكر الرحم ، فهذا لا ينافي مدلول ذلك الحديث ، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله : { والأرحام } بالجر . أما قراءته بالنصب ففيه وجهان : الأول : وهو اختيار أبي علي الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور كقوله :
فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** . . .
والثاني : وهو قول أكثر المفسرين : أن التقدير : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج ، وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله : { الله } أي : اتقوا الله واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي رحمه الله : ويجوز أيضا أن يكون منصوبا بالإغراء ، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها كقولك : الأسد الأسد ، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم ، ويدل على وجوب صلتها . وأما القراءة بالرفع فقال صاحب «الكشاف » : الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل : والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقى ، أو والأرحام مما يتساءل به .
المسألة الثالثة : أنه تعالى قال أولا : { اتقوا ربكم } ثم قال بعده : { واتقوا الله } وفي هذا التكرير وجوه : الأول : تأكيد الأمر والحث عليه كقولك للرجل : اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك : اعجل الثاني : أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الإنعام بالخلق وغيره ، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض . الثالث : قال أولا : { اتقوا ربكم } وقال ثانيا : { واتقوا الله } والرب لفظ يدل على التربية والإحسان ، والإله لفظ يدل على القهر والهيبة ، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب ، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال : { يدعون ربهم خوفا وطمعا } وقال : { ويدعوننا رغبا ورهبا } كأنه قيل : إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة .
المسألة الرابعة : اعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال : بالله أسألك ، وبالله أشفع إليك ، وبالله أحلف عليك ، إلى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير ، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته ، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى ، والتقدير : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول : أسألك بالله والرحم ، وربما أفرد ذلك فقال : أسألك بالرحم ، وكان يكتب المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : نناشدك الله والرحم أن لا تبعث إلينا فلانا وفلانا ، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع إلى ذلك ، والتقدير : واتقوا الله واتقوا الأرحام ، قال القاضي : وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة ، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام ، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه ، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والإفضال والإحسان ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين ، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال .
المسألة الخامسة : قال بعضهم : اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة ، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي » ووجه التشبيه أن لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض . وقال آخرون : بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الإنعام وأنه الأصل ، وقال بعضهم : بل كل واحد منهما أصل بنفسه ، والنزاع في مثل هذا قريب .
المسألة السادسة : دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى . روى مجاهد عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من سألكم بالله فأعطوه » وعن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : منها إبرار القسم .
المسألة السابعة : دل قوله تعالى : { والأرحام } على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها ، قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } وقال : { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } قيل في الأول : إنه القرابة ، وقال : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } وقال : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين } وعن عبد الرحمن بن عوف : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته » وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة »
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه » وقال عليه الصلاة والسلام : «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح » قيل الكاشح العدو ، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسألتين : إحداهما : أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت ، والعم والخال ، قال لأنه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالإجماع ، لكن الاستخدام إيحاش يورث قطيعة الرحم ، وذلك حرام بناء على هذا الأصل ، فوجب أن لا يبقى الملك ، وثانيهما : أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لأن ذلك الرجوع إيحاش يورث قطيعة الرحم ، فوجب أن لا يجوز ، والكلام في هاتين المسألتين مذكور في الخلافيات .
ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بما يكون كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فقال : { إن الله كان عليكم رقيبا } والرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك . ومن هذا صفته فإنه يجب أن يخاف ويرجى ، فبين تعالى أنه يعلم السر وأخفى ، وأنه إذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ويترك .
سورة النساء سورة مدنية وتسمى سورة النساء الكبرى تمييزا لها عن سورة النساء الصغرى ، وهي سورة الطلاق .
وقد عنيت سورة النساء ببيان أحكام النساء واليتامى ، والأموال والمواريث والقتال ، وتحدثت عن أهل الكتاب وعن المنافقين وعن فضل الهجرة ووزر المتأخرين عنها ، وحثت على التضامن والتكافل والتراحم ، وبينت حكم المحرمات من النساء . كما حثت على التوبة ودعت إليها كوسيلة للتطهر ، ودليل إلى تكامل الشخصية ، واستعادة الثقة بالنفس والشعور بالأمن والاطمئنان .
وعدد آيات سورة النساء ( 186 ) آية وعدد كلماتها ( 3745 ) كلمة .
بينت سورة النساء ان الزواج شركة تعاونية أساسها المودة والرحمة والوفاء والألفة . وسوت السورة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ثم بينت أن للرجال درجة على النساء وهي درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التي يمتاز بها الرجل على المرأة وبحكم الكد والعمل في تحصيل المال الذي ينفقه على الزوجة والأسرة ، وليست هذه الدرجة للرجل درجة الاستعباد أو التسخير وإنما هي زيادة في المسئولية الاجتماعية .
وقد حث القرآن الزوجة على طاعة زوجها فيما يجب فيه الطاعة والاحتفاظ بالأسرار المنزلية والزوجية التي لا ينبغي أن يطلع عليها احد غير الزوجين كما أمر الرجل أن يقوم بحق الأسرة وأن ينفق عليها ، وأن يفي بالتزامه ونحوها وجعل نفقة الرجل على أولاده ورعايته لهم نوعا من الكفاح والجهاد السلمي يثاب المؤمن على فعله ويعاتب على تركه .
أمرت السورة بعد ذلك برعاية اليتامى والمحافظة على أموالهم وإكرام اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه . وحذرت السورة من إتلاف أموال اليتامى أو تبديدها وحثت على القيام بحقوقهم واختبارهم في المعاملات قبيل سن البلوغ حتى يكون اليتيم متمرنا على أنواع المعاملات والبيع والشراء عندما يتسلم أمواله .
وقد توعدت السورة أكل مال اليتيم بالنار والسعير ، والعذاب الشديد ، وقد مهدت لهذه الأحكام في آياتها الأولى فطلبت تقوى الله وصلة الرحم ، وأشعرت انهم جميعا خلقوا من نفس واحدة ، أي أن اليتيم وإن كان من غير أسرتكم فهو رحمكم وأخوكم فقوموا له بحق الأخوة وحق الرحم ، واعلموا ان الله الذي خلقكم من نفس واحدة وربط بينكم بهذه الرحم الإنسانية العامة رقيب عليكم يحصي عليكم أعمالكم ، ويحيط بما في نفوسكم ويعلم ما تضمرون من خير أو شر فيحاسبكم عليه . وبعد هذا التمهيد الذي من شأنه أن يملأ القلوب رحمة ، يأمرهم الله بحفظ أموال اليتامى حتى يتسلموها كاملة غير منقوصة ، ويحذرهم من الاحتيال على أكلها عن طريق المبادلة أو المخالطة قال تعالى :
{ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } ( النساء 2 ) .
أي لا تخلطوا مال اليتيم بمالكم ليكون ذلك وسيلة تستولون بها على مال اليتيم تحت ستار الإصلاح بالبيع أو الشراء باسم أنه منفعة لليتيم ، أو بالخلط والشركة باسم أنه أفضل لليتيم .
وقد تحرج أتقياء المسلمين من مخالطة اليتيم فأباح الله مخالطة اليتامى ما دام القصد حسنا والنية صادقة في نفع اليتيم ، والله سبحانه مطلع على السرائر ومحاسب عليها .
وكفى بالله حسيبا ( النساء 6 ) .
عنيت سورة النساء وغيرها بشأن المال ، وقد أمرت السورة بالمحافظة على المال واستثماره ، ونهت عن الإسراف والتبذير وأمرت بالتوسط في النفقة والاعتدال فيها ، ذلك لأن المال عصب الحياة ولأن كل ما تتوقف عليه الحياة في أصلها وكمالها وسعادتها وعزها من علم وصحة وقوة واتساع عمران لا سبيل للحصول عليه إلا بالمال . وقد نظر القرآن إلى الأموال هذه النظرة الواقعية فحذر من تركها في أيدي السفهاء الذين لا يحافظون عليها ولا يحسنون التصرف فيها ، كما أمر بتحصيلها من طرق فيها الخير للناس ، فيها النشاط والحركة وفيها عمارة الكون أمر بتحصيلها عن طريق التجارة ، وعن طريق الصناعة والزراعة ، وسمى طلبها ابتغاء من فضل الله ، كما وصفها نفسها بأنها زينة الحياة الدنيا ومتاعها وبلغ من عناية القرآن بالأموال أنه طلب السعي في تحصيلها بمجرد الفراغ من أداء العبادة المفروضة . قال تعالى :
{ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله . ( الجمعة 10 ) .
تحدثت سورة النساء عن المواريث ونصيب كل وارث فأمرت أن نبدأ أولا بتنفيذ وصية الميت وتسديد ديونه ، ثم وضعت المبادئ الأساسية للميراث ونستخلص منها ما يأتي :
أولا : أن مبنى التوريث في الإسلام أمران : نسبي وهو القرابة وسببي وهو الزوجية .
ثانيا : أنه متى اجتمع في المستحقين ذكور وإناث أخذ الذكر ضعف الأنثى .
ويجدر بنا هنا أن نشير إلى ان بعض خصوم الإسلام قد اتخذوا التفاوت بين نصيبي الذكر والأنثى مطعنا على الإسلام وقالوا : إن هذا من فروع هضم الإسلام حق المرأة وهي إنسان كالرجل وفاتهم أن الذكر تتعدد مطالبه وتكثر تبعاته في الحياة فهو ينفق على نفسه وعلى زوجة وعلى أبنائه . ومن أصول الشريعة أنه يدفع المهر لمن يريد أن يتزوجها أما الأنثى فإنها لا تدفع زوجها بنفقتها في مأكلها ومشربها ومسكنها وخدمها ، وذلك فوق تبعاته العائلية التي لا يلحق الأنثى مثلها .
وبينما نرى بعض التشريعات الوضعية تقتضي بحرمان الأنثى بتاتا أو حصر الميراث في أكبر الأبناء وحده كما أن الحال في بعض البلاد إلى وقت قريب ، نجد تشريعا آخر يقضي بمساواتها بالذكر .
ونقارن ذلك بالإسلام فنجد أن منهجه في التوريث وسط لا إفراط ولا تفريط فهو لم يحرم الأنثى من الميراث بل أعطاها نصيبا مناسبا لظروفها في الحياة وأعطى أخاها نصيبا مناسبا لتبعاته في الحياة ، وهذا هو شأن الإسلام في أحكامه وشرائعه فهو يعتمد على الحكمة والعدل لأنه تشريع الحكيم العليم .
تحدثت سورة النساء عن تعدد الزوجات فأباحته بشرط العدل بينهن فإذا خاف الإنسان من عدم العدل فعليه الاقتصار على زوجة واحدة ، فإن ذلك أدعى إلى صفاء الحياة ويسرها وتحقيق الهدف من الزواج وهو المودة والرحمة .
ويرى الإمام محمد عبده أن تعدد الزوجات أمر مضيق فيه التضييق فكأن الله سبحانه قد نهى عن التعدد .
قال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا . ( النساء 3 ) .
أي إن خفتم ألا تعدلوا في نكاح اليتيمات اللاتي تحت وصايتكم كأن يكون الدافع لكم على الزواج بهن هو الطمع في مالهن ، لا الحب والرغبة في معاشرتهن ، أو كأن تكون فوارق السن بينكم وبينهن كبيرة او كان تهضموهن حقوقهن في مهر أمثالهن . . . إن خفتم إلا تعدلوا في اليتيمات فاطلبوا الزواج من سواهن من النساء .
وبمناسبة الحديث عن الزواج امتد السياق إلى بيان حدود المباح من الزوجات فإذا هو مثنى وثلاث ورباع ولكن بشرط العدل بينهن ، العدل في المعاملة وفي الحقوق الظاهرة أما العدل في الشعور الباطن فلا قبل به لإنسان ولا تكليف به لإنسان ، ما اتقى في إظهاره في المعاملة وتأثيره على الحقوق المتعادلة فإن وجد في نفسه ضعفا عن ذلك العدل وخاف ألا يقدر على تحقيقه ، فالحلال واحدة فقط ومن سواها محظور .
والنص الشرطي يحتم هذا المعنى هنا ويعلله بأن ذلك التحديد بواحدة في هذه الحالة أقرب إلى اجتناب الظلم والجور .
ذلك أدنى ألا تعودوا . أي لا تجوروا وتظلموا .
والظلم حرام فالوسيلة إليه حرام واجتناب الظلم واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
فإذا كان العدل يتم بترك التعدد ، فالاقتصار على الزوجة الواحدة واجب .
وفي ختام الآية وصية جديدة بالاقتصار على الزوجة الواحدة لانه ادعى إلى العدل والاستقرار والبعد عن الظلم وكثرة العيال .
تكلم الأوروبيون بكثير من الكلام المعسول فمثلا ( كانتي ) يقول : " إن شرف الإنسان أسمى من أن يمتهن أو يجعل أداة متعة " .
وفي الواقع هم الذين جعلوا الأخدان أداة متعة فقط ومنعوهن حقوق الزوجية من النفقة او الميراث أو إلصاق الولد بينما الإسلام يحرم اتخاذ الأخدان والخليلات يقول تعالى :
محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان . ( النساء 25 ) .
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
" إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات فإذا تزوجتم فلا تطلقوا " .
نشأ عن كثرة الأخدان وانتشارهن في أوروبا انتشار الأمراض السرية الفظيعة وقلة النسل لأن النسل إما ان يخنق أو تجهض الحامل او يمنع الحمل وهل غفل الأوروبيون عن المصير السيئ الذي ينتظرهم إذا استمر الحال فالكبير يموت والنشء يقتل ؟ فصدرت قوانين تقول مثلا : أبناء الزواج الحر إذا اعترف بهم أبوهم ألحقناهم به فتأخذ الأولاد كل حقوق الأبناء فهم تفادوا اسم الزوجة فقط والأبناء منها يتمتعون بكل الحقوق .
وقد ذكر لنا أستاذنا المرحوم محمد عبد الله دراز أنه شاهد أثر الحروب في ألمانيا ورأى النساء يطالبن هناك بتعدد الزوجات لتجد المرأة التي مات زوجها في الحرب من يكفلها وينفق عليها وعلى ما ينجب منها وذكر لنا ان جمعية تألفت في ألمانيا تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في الزواج والطلاق .
ومع ذلك فالإسلام لم يحرض على تعدد الزوجات بل قال :
فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا .
وإذا استلهمنا روح النص ومراميه وجدنا أن التعدد رخصة وهي رخصة ضرورية لحياة الجماعة في حالات كثيرة وهي صمام أمن في هذه الحالات ووقاية ليس في وسع البشرية الاستغناء عنها ولم تجد البشرية حتى اليوم حلا أفضل منها سواء في حالة إخلال التوازن بين عدد الذكور وعدد الإنات عقب الحروب والأوبئة التي تجعل عدد الإناث في الامة أحيانا ثلاثة أمثال عدد الذكور أو حالات مرض الزوجة أو عقمها ورغبة الزوج في الإبقاء عليها أو حاجتها هي إليه أو في الحالات التي توجد في الرجل طاقة حيوية فائضة لا تستجيب لها الزوجة أو لا تجد كفايتها في زوجة واحدة . . . وكلها حالات فطرية وواقعية لا سبيل إلى تجاهلها وكل حل فيها غير تعدد الزوجات يفضي إلى عواقب أوخم خلقيا واجتماعيا . ضرورة تواجه ضرورة ومع هذا فهي مقيدة في الإسلام باستطاعة العدل والبعد عن الظلم والجور وهو أقصى ما يمكن من الاحتياط .
حثت سورة النساء على صدق العقيدة والإخلاص لله في العبادة كما حثت على الإحسان إلى الوالدين وصلة الرحم وإكرام اليتامى والمساكين والإحسان إلى الجار ورحمة الفقير ، والمحتاج ومساعدة الخدم والضعفاء ، وحذرت من البخل والكبر والرياء ، ونهت عن الكفر والجحود ومعصية الله والرسول . وذلك في جملة آيات تبدأ بقوله تعالى :
{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا . ( النساء 36 ) .
وهذه الآية وما بعدها دعوة عملية إلى " الضمان الاجتماعي " وتحذير من البخل والشح وبيان أن المال مال الله وأن الغنى مستخلف عن الله في إرادته وتثميره وإنفاقه في نواحي الخير والبر وقد فرض الله حقوقا للفقراء من مال الأغنياء فأوجب الزكاة والصدقة وحث على الإنفاق في سبيل الله . وجعل طرق البر متعددة . منها صدقة الفطر في عيد الفطر ، والأضحية في عيد الأضحى ، والهدى في موسم الحج ، وجعل الله موردا لا ينقطع لصلة الفقراء ألا وهو الكفارات التي أوجبها مثل كفارة الظهار وكفارة اليمين وكفارة صوم رمضان . في كثير من الأحيان تكون هذه الكفارات إطعام المساكين أو كسوتهم كما أوجب الوفاء بالنذر ولم يجعل الزكاة تطوعا بل جعلها فريضة لازمة يثاب عليها ويعاقب جاحدها . ونلحظ ان الزكاة تتفاوت في نسبتها فتبدأ من 2 ، 5% وهي زكاة المال وهي تصل إلى 20 % وهي زكاة الركاز والمعادن والبترول . وكلما كان عمل العبد أظهر كانت نسبة الزكاة أقل كما في زكاة المال . وزكاة التجارة ، وكلما كان عمل القدرة الإلهية أظهر كانت نسبة الزكاة أكثر كما في زكاة الزراعة وزكاة الركاز .
انفردت سورة النساء بكثير من أحكام المجتمع ولاسيما أحكام الأسرة والزوجية كما انفردت ببيان مفصل للمحرمات من النساء وبدأت ذلك بقوله تعالى :
{ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا . ( النساء 22 ) .
ولا شك أن توارد رجل وابنه على امرأة واحدة أمر ممقوت تنفر منه الفطر السليمة وتمجه الأذواق السليمة .
ثم جاءت بقية السورة ببقية المحرمات فحرمت زواج الإنسان بأمه وبابنته وبأخته من الرضاعة ومن النسب وحرمت زواج الرجل من بنات الأخ وبنات الأخت والأم من الرضاعة وحرمت أم الزوجة التي دخل بها زوجها كما حرمت زواج الإنسان من زوجة ابنه وحرمت الجمع بين الأختين .
إن الزواج وسيلة مشروعة لإمتاع النفس وإنجاب الذرية وتكوين الأسرة ، فإذا أبيح تزوج الإنسان من أقرب الناس إليه كالأم والبنت ، اصطدمت حقوق هؤلاء الأقارب بحقوق الزوجية فالأم مثلا لها حق الطاعة والاحترام فلو اتخذها الإنسان زوجة لكان له عليها حق القوامة وحق الطاعة والخضوع . هذا إلى ما هو غنى عن البيان من نفور الإنسان من هذا اللون من المتاع ، فهي بهيمية أي بهيمية أن يتمتع الرجل بأمه ومثل هذا يقال في درجات القرابة الأخرى . فالخالة لها ما للأم والعمة لها ما للأب والأخت وبنتها وبنت الأخ وبنت الأخت وابنة الإنسان التي هي قطعة منه كل هؤلاء تستقبح الأذواق نكاحهن وافتراشهن ولا يمكن أن يتصور في هذا الوضع لو أبيح إلا المفارقات والصعاب وضعف النسل وسوء المنقلب .
ومثل هذا يقال أيضا في نكاح من حرمن من جهة الرضاع فإن المرضع أم في الكرامة ولها حق الأم في وجوب الرعاية وليس من شأن الإنسان أن يلتمس منها ما يلتمسه الرجل بالزوجة .
وقد حرمت السورة الجمع بين الأختين والجمع بين الأم وابنتها حتى لا تقطع الأرحام فإن المرأة تغار من ضرتها ، وتفعل الكثير في سبيل إبعادها عن زوجها . ولو أبيح الجمع بين الأقارب لتشككت المرأة في أختها وفي أمها ولأدركها نوع من الغيرة الشديدة فانقطعت بذلك صلاتها من النسب وتعرضت بذلك الأمر إلى خطر شديد قال تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين لا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } ( النساء 23 ) .
أمرت سورة النساء بالعدل في الحكم وأداء الأمانات إلى أهلها وبينت أن الأمانة والعدالة من أسباب الرقي والتقدم والسعادة في الدنيا والآخرة .
وبهذه المناسبة ذكرت السورة مصادر التشريع التي يجب أن يرجع إليها المسلمون في تصرفاتهم وأحكامهم وهي :
( أولا ) : القرآن الكريم والعمل به في طاعة الله .
( ثانيا ) : سنة الرسول قولية كانت أم فعلية والعمل بها هو طاعة الرسول
( ثالثا ) : رأى اهل الحل والعقد في الأمة من العلماء وأرباب النظر في المصالح العامة كالجيش والزراعة والصناعة والتعليم كل في دائرة معرفته واختصاصه والعمل به هو طاعة أولي الأمر .
وهذه المصادر في الرجوع إليها مرتبة على هذا النحو فلا نرجع إلى السنة إلا بعد عدم العثور على الحكم في القرآن فترجع إلى السنة حينئذ : إما لمعرفة الحكم الذي لم يرد في القرآن أو لبيان المراد مما ورد في القرآن ، ولا نلتجئ إلى رأي أولي الأمر إلا بعد عدم العثور على الحكم في السنة ، وعندئذ نرجع إليهم ليجتهدوا رأيهم ، وهذا الاجتهاد هو عنصر " الشورى " الذي عليه أمر المسلمين ومتى حاز الاتفاق وجب العمل ولا يصح الخروج عنه ما دامت وجوه النظر التي أدت إليه قائمة وهو أساس فكرة الإجماع في الشريعة الإسلامية ، وقد انتفع به المسلمون كثيرا واتسع به نطاق الفقه الإسلامي وبخاصة فيما ليس منصوصا عليه في كتاب الله وسنة الرسول وهو يشمل إعطاء حكم لحادثة مثل حادثة سابقة للاشتراك بينهما في المعنى الموجب لذلك الحكم وهذا هو المعروف في لسان الفقهاء والأصوليين باسم " القياس " وقد بحثوه بحثا مستفيضا بينوا فيه أركانه وشرائطه وعلته وما ينقصه وما يجري فيه وما لا يجرى فيه وقد تكلفت به كتب الأصول فليرجع إليها من يشاء .
الاجتهاد من مصادر التشريع وبابه مفتوح أبدا .
ويشمل أيضا النظر في تعريف حكم الحادثة عن طريق القواعد العامة وروح التشريع التي عرفت من جزئيات الكتاب وتصرفات الرسول وأخذت في نظر الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة وهذا النوع هو المعروف بالاجتهاد عن طريق الرأي وتقدير المصالح وقد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن ان يخضعوا في أحكامهم وتصرفاتهم لغير الله ، ومنحهم حق التفكير والنظر والترجيح واختيار الأصلح في دائرة ما رسمه من الأصول التشريعية فلم يترك العقل وراء الأهواء والرغبات ولم يقيده ، في كل شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجد من شئون الحياة كما لم يلزم اهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا . وهنا نذكر بالأسف هذه الفكرة الخاطئة الظالمة التي ترى وقف الاجتهاد وإغلاق بابه ، ونؤكد ان نعمة الله على المسلمين بفتح باب الاجتهاد لا يمكن ان تكون عرضة للزوال بكلمة قوم هالهم – أو هال من ينتمون إليهم من أرباب الحكم والسلطان – أن يكون في الامة من يرفع لواء الحرية في الرأي والتفكير فالشريعة الإسلامية شريعة عامة خالدة صالحة لكل عصر ولكل إقليم .
وما على اهل العلم إلا أن يجتهدوا في تحصيل الوسائل التي يكونون بها أهلا للاجتهاد في معرفة حكم الله الذي وكل معرفته - رأفة منه ورحمة- إلى عباده المؤمنين .
{ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } . ( النساء 83 ) .
واقرأ في هذا الموضوع كله قوله تعالى من السورة :
{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظمكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ( النساء 58-59 ) .
عنيت سورة النساء بتنظيم شئون المسلمين الداخلية وحفظ كيانهم الخارجي ، وقد حثت السورة على القتال ودعت إليه حيث يقول الله تعالى : { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } . ( النساء 74 ) .
وبينت السورة أهداف القتال في الإسلام وهذه الأهداف تنحصر في رد العدوان وإشاعة الأمن والاستقرار ، وحماية الدعوة ، والقضاء على الفتن التي يثيرها أرباب المطامع والأهواء ، ومن ذلك نعلم أن الإسلام حينما شرع القتال نأى به عن جوامح الطمع والاستئثار وإذلال الضعفاء ، واتخذه طريقا إلى السلام العام بتركيز الحياة على موازين العدل والمساواة ، وليصل المسلمون بالقتال إلى الغاية السامية التي أمر بها الله ، ولفت القرآن أنظار المؤمنين إلى أن للنصر أسبابا ووسائل وهي :
1- تقوية الروح المعنوية للأمة فقد نزل القرآن روحا وحياة ومنهجا ورسالة . وتحول العرب بالقرآن إلى أمة عزيزة متمسكة بالحق ثابتة عليه متحملة صنوف الأذى وألوان الاضطهاد . فلما أذن الله لها بالجهاد كانت لها راية النصر في أكثر معاركها ، لأن لها من يقينها وإيمانها ما يكفل لها النصر والغلبة .
2- إعادة القوة المالية وتنظيمها . قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . ( الأنفال 60 ) . ويشمل ذلك فنون الحرب وأساليبها ومعرفة أحدث أدواتها وكيفية استعمالها .
3- الشكر على النعماء ثقة بأن النصر من عند الله فلا ينبغي أن تأخذ المحارب نشوة النصر فيخرج عن اتزانه بل عليه أن يزداد تواضعا وخشوعا لعظمة الله ويزيد في طاعة الله ونصره ، لقوله سبحانه : { إن تنصروا الله ينصركم . } ( محمد : 7 ) .
4- الصبر على البأساء ثقة والتزاما بأن مع اليوم غدا ، وبيان الأيام دول يوم لك ويوم عليك ، وان الشجاعة صبر ساعة وليس الصبر هنا صبر الذليل المستكين بل صبر المطمئن إلى قضاء الله وقدره والمؤمن بحكمته والمستعد ليوم آخر ينتصف فيه من عدوه . قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . ( آل عمران 200 ) .
5- ومن أسباب النصر ثقة المؤمن بأن الأجل محدود وأن الرزق محدود فالشجاعة لا تنقص العمر ، والجبن لا يزيده . ومن أسباب النصر طاعة الله والتزام اوامره واجتناب نواهيه ، قال تعالى : { وما النصر إلا من عند الله } ( آل عمران 126 ) .
6- ومن أسباب النصر أخذ الحذر والحيطة والابتعاد عن اتخاذ بطانة مقربة من المنافقين والملحدين والخونة قال تعالى : { فما لكم في المنافقين فئتين والله أرسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . ( 88 ) .
7- تذكر فضل الجهاد ثواب البذل والتضحية وعقوبة التثاقل والفرار من الجهاد ، وتذكر ما أعده الله للمجاهدين المكافحين في سبيل الحق من عز الدنيا وشرف الآخرة قال تعالى : { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما } ( النساء 100 ) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }
بث : نشر وفرق ومنه وزرابي مبثوثة . ( الغاشية 16 ) .
الأرحام : جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه ثم أطلق على القرابة .
رقيبا : الرقيب الحفيظ المطلع على الأعمال .
يا أيها الناس اتقوا الله ربكم الذي خلقكم وأوجدكم من نفس واحدة ، وأنشأ من هذه النفس زوجها ومنهما نشر في الوجود رجالا كثيرا ونساء فأنتم جميعا تنتهون إلى تلك النفس الواحدة ، واتقوا الله الذي تستعينون به في كل ما تحتاجون ، ويسأل باسمه بعضكم بعضا فيما تتبادلون من أمور ، ه واتقوا الأرحام فلا تقطعوها قريبها وبعيدها إن الله دائم الرقابة على أنفسكم لا تخفى عليه خافية من أموركم2 .
1- الناس جميعا من أصل واحد ، تجمعهم رحم عامة تربط بين البشر جميعا ، قال تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . . . ( الحجرات 13 ) .
2- ينتهي نسب الناس إلى آدم ، وآدم من تراب فقد خلق الله آدم من تراب ، ثم خلق حواء من ضلع آدم ليسكن إليها وتكون له سكنا وأمنا . قال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة . ( الروم 21 ) .
وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ، فاستمتع بها وفيها عوج واستوصوا بالنساء خيرا 3
والحديث يكرر الوصية بالنساء ، ويوصي بالصبر والاحتمال والمداراة ، لأن المرأة مجموعة من العواطف فقد شاء الله ان تكون عاطفة المرأة أكثر من عاطفة الرجل ، لتتحمل المرأة آلام الحمل والولادة والرضاع والكفالة ، وأن يكون جانبا العقل في الرجل أكثر ، ليتحمل البحث في سبيل الرزق ورعاية الأسرة وبالعقل والعاطفة تتم رعاية الأسرة وتلبي حاجة الرجل إلى المرأة وحاجة المرأة إلى الرجل .
3- جمهور المحدثين والفقهاء على أن الناس جميعا تناسلت من نفس آدم عليه السلام وليس هناك سوى آدم واحد ، وقد خلقت حواء من آدم وخلق الناس من آدم وحواء .
4- قال الفخر الرازي في تفسير : وخلق منها زوجها . والمراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان :
الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله تعالى آدم ألقى عليه النوم ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه ، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها ، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها " .
والقول الثاني : وهو اختيار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد من قوله تعالى : وخلق منها زوجها . أي من جنسها وهو كقوله تعالى : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا . ( النحل 72 ) .
وقوله : إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم . ( آل عمران 164 ) .
وقوله : لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . ( التوبة 128 ) .
قال القاضي : والقول الأول أقوى لكي يصح قوله : خلقكم من نفس واحدة . إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة4 .
5- قال صاحب الكشاف : ومعنى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل : اتقوا ربكم الذي وصل بينكم حيث جعلكم صنوان مفرغة من أرومة واحدة فيها يجب على بعضكم لبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة5 .
6- من سألك بالله شيئا فأعطه ما دمت تجد سبيلا للعطاء ، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن جبان عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه ، ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " 6 .
والحديث في معنى واتقوا الله الذي تساءلون به . أي يسأل بعضكم بعضا فيقول أسألك بالله كذا .
7- حثت الآية على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب وقد تكررت هذه الوصية في القرآن والسنة ، قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } . ( النساء 36 ) .
ورى البخاري عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سره أن يبسط له في رزقه ، وان ينسأ له في أجله فليصل رحمه " 7 .
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله " 8 .
وأخرج البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها " .
وهذه الأحاديث تلتقي مع الآية في تأكيد الوصية بالأرحام قال تعالى : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فمن وصل رحمه وصله الله ، ومن قطع رحمه قطعه الله .
قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } . ( محمد 22 .
فصلة الرحم سبب البركة وهدوء النفس واستقامة الذرية وصلاحها ، وأما قاطع الرحم فهو مطرود من رحمة الله .