نزلت سورة المائدة بعد سورة الفتح ، وكان نزول سورة الفتح بعد صلح الحديبية وفي السنة السادسة من الهجرة ، في نزول سورة المائدة فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك .
ونلحظ أن سورة المائدة من أواخر ما نزل من السور بالمدينة ، فقد روى عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن المائدة من آخر ما أنزل الله فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام ؛ فحرموه .
والمتأمل يرى أن السورة قد امتد نزول آياتها خلال السنوات الأربع الأخيرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ؛ فقد ابتدأ نزولها في السنة السابعة للهجرة ، وفيها آية نزلت في حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة قبل وفاة النبي بثمانين يوما وهي قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . ( المائدة : 3 ) .
وفي كتب التفسير : أن سورة المائدة نهارية كلها أي : نزلت آياتها نهارا {[1]} مدينة كلها إلا قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . فإنها نزلت بعرفة ، وعدد آيات سورة المائدة 120آية ، وعدد كلماتها 2804 كلمة .
سميت سورة المائدة بهذا الاسم ؛ لأنها السورة الوحيدة التي تحدثت عن مائدة طلب الحواريون من عيسى عليه السلام أن يسألها ربه . وذلك في قوله تعالى :
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ، قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ . ( المائدة : 112-113 ) .
والحواريون هم خلصاء عيسى عليه السلام الذين صفت قلوبهم من الكفر والنفاق وبادروا إلى الإيمان بعيسى وتلقوا عنه التعاليم ثم انتشروا في القرى ؛ لبثها بين الناس .
تكلم العلماء عن المائدة التي سألها الحواريون عيسى ، هل نزلت أم لا ؟ وجمهور المفسرين على أنها نزلت بالفعل . وقد تعددت الروايات بعد ذلك عن أوصافها وما احتوت عليه من ألوان الطعام والشراب ، وحسبك أن ترجع إلى أي تفسير من كتب التفاسير المتداولة ؛ لتقرأ في أوصافها وأوصاف ما وضع عليه الشيء الكثير ، مما يجعلك ترجح أن كثيرا مما ورد في أوصاف هذه المائدة من افتراء المفترين أو أساطير الإسرائلين .
وألفاظ القرآن الصريحة تفيد : أن عيسى طلب من ربه أن ينزل مائدة من السماء تكون كافية لقومه جميعا وتكون عيدا وسعادة لأول قومه وآخرهم ، والمائدة : طعام ورزق وكل طعام ورزق إنما هو من عند الله ، وقد وعد الله أن ينزلها عليهم . ولم يذكر القرآن إن كانت بمفهومها الضيق كما طلبها الحواريون ، أو بمفهومها المنطلق كما قد يريده الله ويفهمه عيسى ويلهمه الحواريون فيكون حينئذ وعدا بنعمة من الله عليهم طعاما ورزقا يشمل أولهم وآخرهم وترجمة للمفهوم الضيق الذي أرادوه للمائدة بمفهوم أوسع قد يشمل الطعام وسواه من الرزق ؛ ليكون ذلك ابتلاء وفتنة لأتباع المسيح بوجع عام .
والله أعلم بما كان مما سكت عنه القرآن . وليس لنا من مصدر آخر نستفتيه واثقين في مثل هذه الشئون إنما هو رأي نبديه بجوار آراء السلف عليهم رضوان الله .
3- ظواهر تنفرد بها سورة المائدة :
تنفرد سورة المائدة بجملة من الظواهر لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور ، حتى في أطول سور القرآن وهي البقرة ، ذلك أنها لم تتحدث عن الشرك ولا هم المشركين على النحو الذي ألف في القرآن من محاجتهم وتسفيه أحلامهم وتحقير شركائهم ، وأنها لم تعرض في قليل ولا في كثير إلى ما عهد في أكثر السور المدنية التي نزلت قبلها من الحث على القتال والتحريض عليه ورسم خطط النصر والظفر بأعداء الله المشركين كما نراه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة ؛ لأن المسلمين في ذلك الوقت لم يكونوا بحاجة إلى شيء من هذا الحديث ، لقد اندحر الشرك وصار المشركون في قهر وذلة ويأس .
ولكن إذا كان المشركون قد انقضى عهدهم والمسلمون قد علا شأنهم فإن المسلمين في حاجة إلى إكمال التشريع المنظم لشئونهم على وجه يضمن لهم السعادة ويحفظ لهم السيادة ، ولهم بعد ذلك صلات خاصة بطوائف من أهل الكتاب يعيشون في ذمتهم وعهدهم ويخالطونهم في حياتهم ومعاملاتهم ، ومن هنا نتبين أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في حاجة إلى ما يعنيهم في الجانبين : جانب أنفسهم وجانب علاقتهم بأهل الكتاب ، وبذلك دار كل ما تضمنته سورة المائدة على أمرين بارزين : تشريع المسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون ، وإرشادات لطرق المحاجة والمناقشة وبيان الحق في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب مما يتصل بالعقائد والأحكام في سياق هذه المحاجة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضيين من أسلاف أهل الكتاب مع أنبيائهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة وتنديدا بهم عن طريق أسلافهم من جهة أخرى .
نزل القرآن على رسول الله صلى اله عليه وسلم . لينشئ به أمة و ليقيم به دولة ، ولينظم به مجتمعا ، وليربى به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليربط ذلك كله برباط قوي يجمع متفرقة ويؤلف أجزاءه ويشدها كلها إلى منزل هذا القرآن ، وإلى خالق الناس الذي أنزل لهم هذا القرآن .
ومن ثم نجد في كثير من سور القرآن تشريعا إلى جانب موعظة ، وقصة إلى جانب فريضة ، ونجد التشريع الذي ينظم العلاقات الاجتماعية والدولية ، إلى جانب التشريع الذي يحل ويحرم ألوانا من الطعام أو ألوانا من السلوك والأعمال .
وهذه السورة- سورة المائدة- مثل لتلك السور التي تلتقي فيها التربية الوجدانية بالتربية الاجتماعية بتشريع الحلال والحرام في الطعام والزواج بتشريع المعاملات الدولية فيما بين المسلمين وغير المسلمين ، بتعليم بعض الشرائع التعبدية ، ببيان الحدود والعقوبات في بعض الجرائم الاجتماعية ، بالمثل والموعظة والقصة ، بتصحيح العقيدة وتنقيتها من الأسطورة والخرافة في تناسق واتساق .
تبدأ سورة المائدة ابتداء إلهيا للمؤمنين أن يوفوا بالعقود فتقول :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ . . .
والعقود : جمع عقد وهو ما يلتزمه المرء لنفسه أو لغيره ، وأساسه قد يكون شيئا فطريا تدعو إليه الطبيعة ، وقد يكون شيئا تكليفيا تدعو إليه العقيدة ، و قد يكون شيئا عرفيا يدعو إليه الالتزام والتعاهد والعقد العرفي ، أي : المتعارف عليه من عامة الناس ، يكون بين الفرد والفرد كما في البيع و الزواج والشركة والوكالة والكفالة إلى آخر ما تعارفه الناس و يتعارفونه من وجوه الاتفاقات ، والكلمة عامة في الآية فإنها تأمر بالوفاء بالعقود ، فتشمل العقود كلها على اختلاف أنواعها وأشكالها ، وتدخل في العقود : المعاملات والمعاهدات بظاهر اللفظ ، كما تدخل إقامة الحدود وتحريم المحرمات بوصفها داخلة في عقد الإسلام بين الله ورسوله والذين آمنوا بالله ورسوله .
وعلى وجه العموم فإننا نجد سياق السورة كله يدور حول العقود والمواثيق في شتى صورها حتى حوار الله والمسيح يوم القيامة الوارد في نهاية السورة نجده سؤالا عما عهد به إليه وعما إذا كان قد خالف عنه كما زعم الزاعمون بعده .
6-الظروف التي نزلت فيها السورة {[2]}
نزلت سورة المائدة بعد أن قلمت أظفار المشركين وانزوى الشرك في مخابئه المظلمة وصار المسلمون في قوة ومنعة كانوا بها أصحاب السلطان والصولة في مكة وفي بيت الله الحرام ، يحجون أمنين مطمئنين ، وقد نكست أعلام الشرك وانطوت صفحة الإلحاد والضلال ، وقد أتم الله نعمته على المسلمين بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا .
وسورة المائدة وإن ابتدأ نزولها في السنة السابعة إلا أن نزولها قد استمر إلى السنة العاشرة بدليل أن فيها آية من آخر ما نزل من القرآن وهي قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . .
روى أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال : إن في كتابكم آية تقرؤونها لو علينا أنزلت- معشر اليهود- لاتخذنا اليوم الذي أنزلت فيه عيدا ، قال عمر : وأية آية ؟ قال :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا . ( المائدة : 3 ) .
فقال عمر : إني والله لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والساعة التي نزلت فيها ، نزلت على رسول الله عشية عرفة في يوم الجمعة والحمد لله الذي جعله لنا عيدا .
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال :
" يأيها الناس ، إن سورة المائدة آخر ما نزل ؛ فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " .
انفردت سورة المائدة بعدة مسائل في أصول الدين وفروعه ، وبتفصيل عدة أحكام أجمات في غيرها إجمالا . ومن هذه الأحكام ما يأتي :
1- بيان إكمال الله تعالى للمؤمنين دينهم الذي ارتضى لهم بالقرآن وإتمام نعمته عليهم بالإسلام .
2- النهي عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء من شأنها أن تسوء المؤمنين إذا أبدت لهم لما فيها من زيادة التكاليف .
3- بيان أن هذا الدين الكامل مبني على العلم اليقيني في الاعتقاد والهداية في الأخلاق والأعمال ، وأن التقليد باطل لا يقبله الله تعالى .
4- بيان أن أصول الدين الإلهي على ألسنة الرسل كلهم هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ، فمن أقامها كما أمرت الرسل من أية ملة- من ملل الرسل كاليهود والنصارى والصابئين- فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون .
5- وحدة الدين واختلاف شرائع الأنبياء ومناهجهم فيه .
6- هيمنة القرآن على الكتب الإلهية .
7- بيان عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالتبليغ العام وكونه لا يكلف من حيث كونه رسولا إلا التبليغ ، وان من حجج رسالته انه بين لأهل الكتاب كثيرا مما كانوا يخفون من كتبهم ، وهو قسمان : قسم ضاع منهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم . وقسم كانوا يكتمونه إتباعا لأهوائهم مع وجوده في الكتاب كحكم رج الزاني ، ولولا أن محمد الأمين مرسل من عند الله لما علم شيئا من هذا ولا ذاك .
8- عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى الناس ، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ، فكم حاولوا قتله فأعياهم وأعجزهم .
9- بيان أن الله أوجب على المؤمنين إصلاح أنفسهم أفرادا وجماعات ، وانه لا يضرهم من طل من الناس إذا هم استقاموا على صراط الهداية .
10- تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما بينه الله تعالى من لعن الذين كفروا من بني إسرائل على لسان داود وعيسى وابن مريم . وتعليله ذلك بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه .
11- نفى الحرج من دين الإسلام .
12- تحريم الغلو في الدين والتشدد فيه ولو بتحريم الطيبات وترك التمتع بها .
13- قاعدة إباحة المحرم للمضطر ومنه أخذ الفقهاء قولهم : الضرورات تبيح المحظورات .
14- قاعدة التفاوت بين الخبيث والطيب وكونهما لا يستويان في الحكم ، كما أنهما لا يستويان في أنفسهما وفيما يترتب عليهما .
15- تحريم الاعتداء على قوم بسبب بغضهم وعداوتهم ؛ لأنه يجب على المؤمنين أن يلتزموا الحق والعدل .
16- وجوب الشهادة بالقسط والحكم بالعدل والمساواة فيهما بين غير المسلمين كالمسلمين ولو للأعداء على الأصدقاء وتأكيد وجوب العدل في سائر الأحكام والأعمال .
17- الحياة شركة ذات أطراف لا يجوز أن يجور فيها طرف على طرف .
18- التعاون على البر والتقوى له وسائله وسبله حسب الزمان والمكان ، ومنه تأليف الجمعيات الخيرية والعلمية وتحريم التعاون على الإثم والعدوان .
19- بيان أن الله تعالى جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناس ، أي : يقوم عندها أمر دينهم ودنياهم فعندها يتم الحج والعمرة وعندها يتم الإحرام والأمان والسلام ولها يتوجه المسلمون في الصلاة ، فهي رمز للوحدة والأخوة والإيمان . .
20- النهي عن موالاة المؤمنين للكافرين .
21- تفصيل أحكام الوضوء والغسل والتيمم مع بيان أن الله تعالى يريد أن يطهر الناس ويزكيهم بما شرع لهم من أحكام الطهارة وغيرها .
22- تفصيل أحكام الطعام وبيان حرامه وحلاله .
23- تحريم الخمر وهو كل مسكر وتحريم الميسر وهو القمار .
24- بيان محظورات الإحرام في الحج .
25- تفصيل أحكام الصيد للمحرمين وغيرهم في أوائل السورة وأواخرها .
26- حدود المحاربين الذين يفسدون في الأرض ويخرجون على أئمة العدل ، وحد السرقة وما يتعلق بالحد كسقوطه بالتوبة الصادقة .
28- تأكيد أمر الوصية قبل الموت وأحكام الشهادة على الوصية .
29- الأمر بالتقوى في عدة آيات من السورة .
30- بيان تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله تعالى وحده .
8- النداءات الإلهية للمؤمنين :
اشتملت سورة المائدة على ستة عشر نداء وجهت للمؤمنين خاصة ، يعتبر كل نداء منها قانونا ينظم ناحية الحياة عند المسلمين فيما يختص بأنفسهم وفيما يختص بعلاقتهم بأهل الكتاب .
فالنداء الأول : يطلب الوفاء بالعقود :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود . ( المائدة : 1 ) .
والنداء الثاني : يطلب المحافظة على شعائر الله وعدم إحلالها :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللّهِ . ( المائدة : 2 ) .
والنداء الثالث : يطلب الطهارة حين إرادة الصلاة :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ، وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ . ( المائدة : 6 ) .
والنداء الرابع : يطلب القوامية لله والشهادة بالعدل ويحذر من الظلم .
والنداء الخامس : يطلب تذكر نعمة الله على المؤمنين بكف أيدي الأعداء عنهم .
والنداء السادس : يدعو إلى تقوى الله وابتغاء الوسيلة إليه والجهاد في سبيله .
و النداء السابع : يحذر من اتخاذ الأعداء أولياء من دون المؤمنين .
والنداء الثامن : يلفت نظر المؤمنين إلى أن المسارعة في موالاة الأعداء ردة عن الدين .
النداء التاسع : يدعو إلى شدة الحذر من موالاة الأعداء .
النداء العاشر : يذكر تحريم الطيبات التي أحلها الله .
النداء الحادي عشر : تحريم الخمر والميسر .
النداء الثاني عشر ، والثالث عشر : يتعلقان بتحريم قتل الصيد في حالة الإحرام .
النداء الرابع عشر : يتعلق بالنهي عن سؤال ما ترك الله بيان حكمه توسعة على عباده : أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . ( المائدة : 101 )
النداء الخامس عشر : يتعلق بتحديد المسئولية التي يحملها المؤمنون في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
النداء السادس عشر : يتعلق بكيفية الشهادة على الوصية في حالة السفر .
وجملة هذه النداءات تربية عملية للمؤمنين وبيان الطريق السوي التي يجب اتباعها في الشعائر والعبادات و المعاملات والمعاهدات . والنداء للمؤمنين بصفة الإيمان ؛ تذكيرا لهم بأن عليهم أن يعملوا بمقتضى هذا الإيمان وقوامة التصديق الباطني بوجود الله والتزام أوامره واجتياب نواهيه .
حث القرآن على تقوى الله وطاعته وذيل كثيرا من أحكامه ببيان شأن التقوى ، أهميتها ، وفي النداء السادس من سورة المائدة حث على تقوى الله والتماس الأسباب المساعدة على هذه التقوى فيقول سبحانه :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . ( المائدة : 35 ) .
وتقوى الله هي تقدير العظمة الإلهية وامتلاء النفس بها امتلاء يدفع المؤمن إلى المسارعة وشدة الحرص على تحقيق أوامر الله وتشريعاته ، والتقوى تدفع المؤمن إلى إنعام النظر وقوة التفكير في ملكوت السماوات والأرض ؛ لمعرفة أسرار الله في كونه ، وسنته في خلقه ، ثم الاتجاه إلى هذه الأسرار والعمل على إظهار رحمة الله فيها بعباده والوقوف على السنن التي ربط بين الأسباب والمسببات ، بين السعادة وأسبابها ، والشقاء وأسبابه ، بين العلم وأسبابه والغنى وأسبابه ، والعزة وأسبابها . . . وهكذا .
وبذلك ترى أن التقوى هي ذلك المعنى القلبي الذي تفني به الإرادات الإنسانية في ملكوت العظمة الإلهية ، وهي الباعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، وهي المحققة للإحسان في طاعة الله ورسوله ، فهي المبدأ ، وهي المنتهى ، وهي الأولى ، وهي الآخرة .
ارسل الله محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل بعد ان درست معالم الحق والفضيلة ، وبعد ان ضيع أهل الكتاب بعض تعاليمه وأخفوا بعضه ونقضوا ميثاقهم مع ربهم .
وقد واجهتهم سورة المائدة بأخطائهم فوصفتهم بالتعصب المقيت والغلو في الدين وإتباعهم أهواء من ضل قبلهم من الوثنيين وغيرهم ، وادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه . وقد بين الله لهم حقيقة الأمر وهي أنهم بشر ممن خلق الله لا مزية لهم على سائر البشر في أنفسهم وذواتهم ، وإنما يمتاز بعضهم عن بعض بالعلوم الصحيحة والأخلاق الكلايمة والأعمال الصالحة لا بالنسب والانتماء إلى الأنبياء والصالحين وصدق القائل :
كن ابن من شئت واكتسب أدبا *** تغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول : هأنذا *** ليس الفتى من يقول : كان أبي .
وقد وجه الله الخطاب لأهل الكتاب عامة بان الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ليكشف لهم عن كثير مما كانوا يخفونه من كتاب الله الذي استحفظوا عليه فنقضوا عهدهم مع الله فيه ، ويعفو عن كثير مما أثقلهم به الله من التكاليف وحرمه عليهم من طيبات عقابا لهم على مخالفتهم وانحرافاتهم فالفرصة إذن سانحة ليتداركوا ما فات ولينجوا مما كتب عليهم في الدنيا ؛ عقابا لهم على الخلاف والإخلاف :
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . ( المائدة : 15-16 ) .
وتوالى نداء القرآن لأهل الكتاب ؛ ليقطع حجتهم ومعذرتهم أن يقولوا : إن فترة كبيرة مرت عليهم لم يأتهم فيها بشير يقربهم إلى الله أو ندير يخوفهم الانحراف فها هو ذا بشير ونذير :
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير . ٌ ( المائدة : 19 ) .
وقد وصفت سورة المائدة التوراة والإنجيل أحسن وصف وذكرت من أخبار التوراة قصة ابني آدم بالحق ومن أحكامها عقوبات القتل وإتلاف الأعضاء والجروح ، ومن أخبار الإنجيل والمسيح ما هو حجة على الفريقين وبين أن الكتابين أنزلا نورا وهدى للناس وأنهم لو كانوا أقاموهما ؛ لكانوا في أحسن حال ولسارعوا إلى الإيمان بما أنزله الله خاتم رسله مصدقا لأصلهما ، ولكنهم اتخذوا الإسلام هزوا ولعبا في جملته وفي عبادته ووالوا عليه المناصبين له من أعدائه فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم .
ناقشت سورة المائدة اليهود خاصة فذكرتهم بنعم الله عليهم وبميثاق الله مع نقباء بني لإسرائيل النائبين عنهم ، فما الذي كان من بني إسرائيل ؟
لقد نفضوا ميثاقهم مع الله . . قتلوا أنبياءهم بغير حق ، وبيتوا الصلب والقتل لعيسى ابن مريم ، وحرفوا كلمات التوراة عن معانيها وعن مواضع الاستشهاد بها ، واشتروا بهذا التحريف ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا ، ونسوا بعض شرائع التوراة وأهملوها ، وخانوا محمدا- رسول الله- أحد الرسل الذين أخذ عليهم الميثاق أن ينصرهم فباءوا بالطرد من رحمة الله وقست قلوبهم ؛ ببعدهم عن هذه الرحمة .
وإن من صفات اليهود الغالبة عليهم الخيانة والمكر ، وقول الإثم والمبالغة في سماع الكذب وأكل السحت ، والسعي بالفساد في الأرض ، وفي إيقاد نار الفتن والحرب ، وقد قتلوا رسل الله إليهم وتمردوا على موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة وقتال الجبارين فعاقبهم الله بالتيه في الأرض ، وأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين فعاقبهم الله على ذلك كله باللعن على ألسنة الرسل ، وبالغضب والمسخ ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة وقبل زمن البعثة وقبل زمن البعثة تثبتها تواريخهم وتواريخ غيرهم ، ومن المعلوم أنها لم تكن عامة فيهم ولا شاملة لجميع أفرادهم ولذلك قال سبحانه :
مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ . ( المائدة : 66 ) .
مما جاء في النصارى خاصة أنهم نسوا- كاليهود- حظا مما ذكروا به ، وأنهم قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم وقالوا إن الله ثالث ثلاثة وقد رد الله عليهم هذه العقيدة بالأدلة العقلية وببراءة المسيح منها ومن منحليها يوم القيامة ، وبين لهم حقيقة المسيح وأنه عبد الله ورسوله وروح منه . ولقد أخذ الله الميثاق عليهم أن يلتزموا بتعاليم رسولهم ، ولكنهم نسوا جانبا من تعاليمه وأهملوا جانب التوحيد وهو أساس العقيدة وعند هذا الانحراف كان الخلاف بين طوائف النصارى التي لا تكاد تعد . إذ أن هناك فرقا كثيرة صغيرة داخل كل فرقة من الفرق المعلومة الكبيرة : الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت و المارون ؛ اليوم ومن قبل اليعقوبيون والملكانيون والنساطرة .
وقد اشتدت العداوة بين هذه الفرق . وشهدت المسيحية آثارها منذ القرن الأول للميلاد ، وكانت على أشدها بين الملكانية واليعاقبة والنساطرة ، وهي اليوم على أشدها بين الفرق القائمة . فلا يكاد الإنسان يتصور العداء الذي بين الكاثوليك والبروتستانت أو بينهم وبين الأرثوذكس او بين الموارنة والبروتستانت أو سواهم قال تعالى :
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . ( المائدة : 14 ) .
وقد بينت سورة المائدة أن اليهود أشد الناس عداوة للمؤمنين ؛ وأن النصارى أقرب الناس مودة إليهم : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . ( المائدة : 82 ) .
جملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها أنها من عند الله تعالى لا من عند محمد بن عبد الله العربي الأمي الذي لم يقرأ شيئا من الكتب ، على أن تلك الآيات ليست موافقة لها ولهم موافقة الناقل للمنقول عنه ، وإنما هي فوق ذلك تحكم لهم وعليهم وفيهم وفي كتبهم حكم المهيمن السميع العليم .
12-عدالة أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب :
لو كان هذا القرآن من وضع البشر لشرع معاملة أهل الكتاب الموصوفين بما ذكر- ولاسيما الذين ناصبوا الإسلام العداء عند ظهوره- بأشد الأحكام وأقساها .
ولكنه تنزيل من حكيم حميد أمر في هذه السورة بمعاملتهم بالعدل والحكم بينهم بالقسط وحكم بحل مؤاكلتهم وتزوج نسائهم وقبول شهادتهم والعفو والصفح عنهم . وهذه الأحكام التي شرعت هذه المعاملة الفضلى لهم ؛ نزلت بعد إظهار اليهود للمسلمين منتهى العداوة والغدر . ولكن السورة تضمنت تأليف قلوبهم واكتساب مودتهم .
وقد ختم الله سورة المائدة بذكر الجزاء في الآخرة وسؤال الرسل عن جواب أممهم لهم . ثم براءة المسيح ممن جعله إلها وتفويضه الأمر كله لله الحق هو سبحانه المتفرد بالعلم والقدرة والألوهية .
لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( المائدة : 120 )
أوفوا بالعقود : الوفاء : الإيتاء بالشيء وافيا . والعقود : جمع عقد والمراد هنا : العهد الموثق .
بهيكة الأنعام : البهيمة : هي ما لا عقل له من الحيوان . وخصصت- في العرف- بذوات الأربع . والأنعام : هي الإبل والبقر والغنم . . . وألحق بها ما يماثلها . . . كالظباء وبقر الوحش وحمره . والإضافة هنا : بيانية أي : بهيمة هي الأنعام .
حرم : أي : محرمون بالحج أو العمرة .
1- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ . . . ينادي الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ، آمرا إياهم بالوفاء بجميع العقود .
وهذا أمر عام يشمل جميع ما ألزم الله به عباده ، وعقده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية . وما يعقده العباد- فيما بينهم- من عقود الأمانات والمعاملان ونحوها مما يجب الوفاء به .
إنه لا بد من ضوابط للحياة حياة ، الفرد مع نفسه وحياته مع غيره ، هذه الضوابط لا بد لها من احترام يضمن ألا تنتهك وألا يستهتر بها ، وألا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات .
والعقود : هي هذه الضوابط التي تنظم العلاقات ؛ لأنها تقيم حدود الحرية فلا تدعها فوضى ، وتجعل الحياة شركة ذات أطراف ، لا يجور فيها طرف على طرف .
والعقود في معناها الواسع تشمل الديانات والشعائر والعبادات والمعاملات ، والمعاهدات ؛ لان هذه كلها عقود ترتبط بها النفس وضميره ، ويتحدد بها عمله وسلوكه . . . فالأمر بالوفاء بالعقود أمر بإقامة ضوابط للحياة ما استكن منها وما ظهر على السواء . ما تعلق منها بالضمير وما تعلق منها بالسلوك . ما كان بين المرء وربه ، وما كان بينه وبين غيره .
والإسلام يربط هذه العقود كلها بالله ، ويجعل الوفاء بها فريضة ، ويوجه الأمر للذين آمنوا فكتبوا بقلوبهم عقد الإيمان ، أن يفوا بسائر العقود التي ارتبطوا بها مع عقد الإيمان {[172]} .
أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ . أي : أحلت لكم- أيها المؤمنون- أكل بهيمة الأنعام : من الإبل والبقر والغنم ، وما شابهها من الظباء وبقر الوحش ، والحمر الوحشية .
إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ . استثنى من هذه الأطعمة ما سيتلى في الآية الثالثة من هذه السورة ( وأخر هذا البيان مؤقتا ووقف عند هذا الإجمال ؛ ليتناول في الآية الأولى كليات مجملة بالتحريم فيكون التحليل عاما والتحريم عاما قبل التفصيل {[173]}
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ : أي : أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون . فلا يجوز لكم الاصطياد- أو الانتفاع بالمصيد- مادمتم محرمين ، فإذا تحللتم من إحرامكم ، فلا جناح عليكم أن تصيدوا ، أو تنتفعوا بالمصيد ، ولكن في غير الحرم .
أما الحرم ، فلا يحل الاصطياد فيه ، ولا الانتفاع فيه ، سواء في ذلك المحرم وغير المحرم .
وهكذا يقيم الإسلام منطقة أمان في بيت الله الحرام وما حوله ، كما يقيم فترة أمان في الأشهر الحرم ؛
حتى يتمرن الإنسان على السلام والأمن والأمان .
قال تعالى : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . ( القصص : 57 )
إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ . أي : أن الله سبحانه يقضي في خلقه بما شاء ، ومن ذلك تحليل ما أراد تحليله ، وتحريم ما أراد تحريمه حسبما يعلمه سبحانه من المصالح لعباده ، لا حسب شهواتهم وأهوائهم- فعلى العباد أن يمتثلوا أمره تعالى ، ويجتنبوا نهيه ، وفاء بعهده ، سواء أدركوا حكمة التشريع ، أم لم يدركوها .
نزلت هذه السورة في المدينة وفي هذا أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال : آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح . وكذلك أخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ؟ فقلت : نعم . فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه . وما وجدتم فيها من حرام فحرموه .
وقد تضمنت هذه السورة فيضا من المعاني والمواقف والمشاهد والمواعظ والأحكام . وجاء في طليعة ذلك كله إيجاب الوفاء بالعقود وهي العهود والمواثيق ، وما كانوا يتعاقدون عليه من حلف وغيره . على أن ذلك جاء مجملا ثم عقب بعد ذلك بالتفصيل . وأول ذلك إباحة الأنعام من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك من أنواع البهائم المباحة كالظباء وبقر الوحش ونحو ذلك ، مع النهي عن الاصطياد حال الإحرام . فإذا أحرم المسلم حُظر عليه الصيد بكل صوره وأشكاله حتى إذا أحل المحرم بات الاصطياد في حقه مباحا كالأصل .
وقد تضمنت السورة جانبا من المحظورات والمناهي التي حذر الباري جل وعلا من اكتساب شيء منها . ومن جملة ذلك الأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وكذلك المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع باستثناء ما ذكي قبل موته ، وكذلك ما ذبح من أجل الأصنام . وكذا الاستقسام بالأزلام وهي القداح التي كانوا يستعملونها في الاستخارة إذا أرادوا أن يفعلوا شيئا ، خلافا لعقيدة الحق التي يركن من خلالها المسلم إلى الإيمان بقدر الله مع التوكل عليه تمام التوكل .
وفي السورة إعلان مثير يشير إلى اكتمال ملة الإسلام . هذا الدين الكامل الشامل الذي يقيم حياة البشرية على المحجة السوية المستقيمة . المحجة الناصعة البيضاء التي لا يعتريها عوج ولا انحراف ولا أمت . ( {[1]} ) ذلكم الدين الذي أركزه الله للعالمين ليكون هاديا للبشرية في هذا الزمان فتحظى بالنجاء والفلاح في الدارين .
وفي السورة تحليل للطيبات من المطعومات والمشروبات . وكذلك طعام أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنه مباح ، يضاف إلى ذلك إباحة الزواج من نسائهم المحصنات ، أي العفائف وفي السورة بيان بأٍركان الوضوء ووجوب التطهير من الجنابة بالماء . وإذا عز الماء أو كان استعماله ضرر فبالطهارة الضرورية وهي التيمم بالتراب الطاهر . وذلك على سبيل التخفيف والتسهيل على المسلمين ، ودفعا للحرج أن يصيبهم ، فإنه لا مكان للحرج أصلا في شريعة الإسلام .
وفي السورة تنويه واضح بقصة النصارى واليهود من حيث النقض للعهود والمواثيق والتحريف لكلام الله عن مواضعه . ذلك التحريف الفاضح الذي حوى من صور التزييف والتغيير والتبديل لكلمات الله ما استحالت به التوراة والإنجيل إلى ركام من الكلام الملفق المفترى . الكلام الذي انزلق بهاتين الأمتين إلى أغوار الضلالة والغواية والكفران ، فضلا عن الانحراف المذهل عن تعاليم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام .
وفي هذا الخضم الفظيع من التحريف والتضليل والجحد يعلن الله في صراحة مكشوفة عن كفران أولئك الذين جاهدوا بإلهية المسيح عليه الصلاة والسلام وهو عبد من عباد الله جيء به من غير أب ليكون بشيرا ونذيرا لبني إسرائيل .
وفي السورة بيان بفضل الله ومنته على بني إسرائيل إذ جعل أكثر النبيين فيهم ، وجعل فيهم ملوكا أولي قدرة وسلطان عظيمين . وإذاك أمرهم نبيهم موسى بتكليف من الله أن يقاتلوا العمالقة الذين كانوا مستحوذين على بيت المقدس ، لكنهم نكلوا عن الجهاد خورا وجبنا ، فعاقبهم الله بالضلال في أٍرض التيه أربعين عاما ، يسيرون من غير أن يهتدوا للخروج ، فظلوا على هذه الحال من الحيرة والضياع حتى فني هذا الجيل ثم جيء بجيل آخر يقوده يوشع بن نون الذي دخل ببني إسرائيل الأرض المقدسة بعد أن من الله عليهم في التيه بالمن والسلوى وانبجاس الماء من الصخر والتظليل بالغمام . ولما دخلوا بيت المقدس قالوا فارهين بطرين وهم يزحفون على أستاههم : حبة في شعرة ، وذلك في غاية من البطر وسماجة الطبع بدلا من قولهم : حطة ، كما أمرهم نبيهم يوشع عليه السلام .
وفي السورة هذا النبأ المثير . النبأ الذي يكشف عن فظاعة الحسد وهو يجد قراره في النفس البشرية ليحرضها على اكتساب الأهوال والموبقات بغيا بغير حق . إنه الحسد الأثيم الأسود الذي يركب النفس البشرية عامة ليسومها القض والاستنفار فتستمرئ الإيذاء والإضرار وفعل المناهي والمحظورات . إنه الحسد الفاضح الخسيس الذي لا ينجو منه بنو آدم غير أولي العزائم من الناس أو المبرئين من هذا الدرن الوبيل ، وقليل ما هم . يستبين ذلك من قصة ابني آدم وهما أخوان يجترئ أحدهما على قتل آخيه الأخر بغيا وحسدا .
وفي السورة تحذير شديد من اتخاذ أهل الكتاب أولياء ، وإنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض . فما ينبغي للمسلمين أن يوالوا الكافرين ليتخذوا منهم الحلفاء أو الأصدقاء أو الأخلاء . ولئن فعلوا ذلك فلسوف يجدون أنفسهم ينسلخون من ربقة الإسلام رويدا رويدا ، وهو ما يخطط له المشركون والظالمون من اليهود والنصارى . وتلكم هي الفاقرة القاصمة التي يسقط فيها المسلمون إذا هم مالأوا الكافرين على حساب الإسلام والمسلمين .
وفي السورة بيان أحكام اليمين من حيث ضروبه ، وأولها يمين اللغو ثم اليمين المنعقدة وهي التي تجب فيها الكفارة عقيب الحنث . ثم اليمين الفاجرة الغموس التي يكتسبها الخاطئ كذبا متعمدا . وبيان ذلك كله في موضعه لدى التفصيل إن شاء الله .
وفي السورة نهي قاطع عن جملة محظورات ، وهي الخمر والميسر الأنصاب والأزلام ، فإن ذلك كله إثم وهو شر من شرور الشيطان . والشيطان كائن جني ماكر وخبيث يعمل الليل والنهار لا يفتر من أجل الوقيعة بين المسلمين ولإركاز بذور الخصام والنزاع بينهم بسبب الخمرة التي تمس العقول فتضعفها إضعافا ، وكذلك الميسر الذي يثير في نفوس المتقامرين الكراهية والنزاع .
وفي السورة تنديد بواحد من مخلفات الجاهلية الضالة . وقد تجلى ذلك في تصور شنيع فاسد . تصور قائم على الإشراك الظالم والوثنية السخيفة العمياء . وذلك فيما سمي من الأنعام لدى الجاهليين بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . وتلك أسماء أطلقها المشركون على بعض الأنعام لتكون من حظ الآلهة ، فلا يسري عليها شيء من تصرف معروف كالبيع أو الحمل أو الذبح .
وفي السورة أيضا ذكر لبعض المعجزات مما أوتي عيسى عليه السلام كتكلمه وهو في المهد ونفخه فيما يشبه الطير من الطين ليصبح طيرا حقيقيا . وكذلك إبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى ، كل ذلك فإذن الله . وأخيرا دعاؤه ربه أن ينزل على بني إسرائيل مائدة من السماء ليروها ويأكلوا منها لعلهم يؤمنون . وقد أنزلها الله عليهم في الراجح . والله تعالى أعلم .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد } .
هذه الآية بالرغم من قصرها وإيجازها ، فإنها يتجلى فيها الإعجاز في أنصع صوره . فهي بقلة ألفاظها تتضمن جملة من المعاني المختلفة المنسجمة سواء في ذلك الأمر بالوفاء وتحليل بهيمة الأنعام وإباحة الصيد لغير المحرم ، يضاف إلى ذلك استثناء يعقبه استثناء . وذلك كله في كلمات معدودة تضمنها آية بليغة مثلى . لا جرم أن ذلك ضرب من الإعجاز المثير .
وقد حكي في هذا الصدد أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم ، اعمل لنا مثل هذا القرآن . فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه . فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد . إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد{[869]} .
قوله : { أوفوا بالعقود } يعني العهود . وهي ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره . وقيل : العقود التي أمر الله بالوفاء بها ستة هي : عهد الله ، وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وعقد النكاح ، وعقد اليمين . وقيل : يعني بذلك عقود الدين . وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة . وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والنذر وما أشبه ذلك من طاعات الإسلام .
وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على عدم خيار المجلس في البيع ، لأن قوله { أوفوا } يدل على لزوم العقد وثبوته ويقتضي نفي خيار المجلس . وهو قول الحنفية والمالكية ، خلافا لأكثر العلماء وفيهم الشافعية والحنابلة . إذ قالوا بلزوم خيار المجلس في البيع هو أن كلا من العاقدين مخير في إمضاء العقد أو عدم إمضائه ما دام في مجلس العقد ، إلا أن يتفرقا بأبدانهما من مجلس العقد . فإن تفرقا كلاهما أو أحدهما فقد لزم العقد ، واحتجوا لذلك بخبر الصحيحين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفي لفظ آخر للبخاري " إذ تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وهذا صريح في إثبات خيار المجلس الذي يأتي عقيب البيع وهو من مقتضياته شرعا فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود{[870]} .
قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } جاءت هذه الآية لتنزيل ما كان يراود أذهان العرب من ضلالات فاسدة عما أسموه البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . أما البهيمة ، فهي كل ذات أربع قوائم ولو في الماء ، أو كل حي لا يميز . وجمعه بهائم . والبهمة : أولاد الضأن والمعز والبقر{[871]} . والأنعام هي الإبل و البقر والغنم ، وقيل : الأنعام : الأزواج الثمانية ، ويأتي بيانها فيما بعد إن شاء الله . وقيل بهيمة الأنعام : الظباء وبقر الوحش ونحوها . مما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب .
قوله : { إلا ما يتلى عليكم } ما في موضع نصب على الاستثناء . والتقدير : إلا ما يقرأ عليكم في القرآن والسنة . وفي القرآن كقوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع } فهذه وإن كانت من الأنعام فإنها محرمة بما أصابها من عوارض كالخنق والوقذ والنطح وغير ذلك . أما في السنة فكقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم والنسائي : " كل ذي ناب من السباع حرام " .
قوله : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } غير منصوب على الحال . والواو للحال { أنتم حرم } في موضع نصب على الحال . وهذا الاستثناء التالي . وكلا الاستثناءين من قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } أما قوله : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } فتأويله أن ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال . أما الإحرام فهو حرام .
قوله : { إن الله يحكم ما يريد } أي ما يريده من الأحكام مما فيه خير لكم ومصلحة ، وهو سبحانه الحاكم لا معقب لحكمه ولا راد لما يقضي{[872]} .