تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المائدة وهي مدنية ، آياتها مئة وعشرون ، وتسمى سورة العقود ، وسورة المنقذة . ومن أواخر القرآن نزولا . وتشتمل هذه السورة على بيان وجوب الوفاء بالعقود عامة ، سواء أكانت بين العبد وربه ، أم بين العبد وأخيه : مثل النكاح والصَداق والحَلف والمعاهدة والأمانة والوصية والوديعة والوكالة والإجارة . وقد تضمنت أحكاما شرعية منوعة : منها ما يتعلق بالحلال والحرام من الذبائح والصيد ، ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام في فترة الإحرام وفي المسجد الحرام . ومنها ما يتعلق بالطهارة والصلاة ، ومنها ما يتعلق بالقضاء وإقامة العدل ، بين المسلمين ومع العدو . ومنها ما يتعلق بالحدود في السرقة ، والخروج على الجماعة المسلمة ، ومنها ما يتعلق بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام . وقد نصت على تحريم الخمر تحريما قاطعا . وفي السورة من الآيات ما يتعلق بأمور كانت في الجاهلية كالبَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي من الأنعام . كما تضمنت السورة مناقشة اليهود والنصارى ، وقررت وجوب الحكم بما أنزل الله ، كما أوجب القصاص تهذيبا لطبيعة البشر ، ومنعا للظلم والشر . وأخيرا ، ختمت السورة بذكر المعجزات التي جرت على يد عيسى عليه السلام وكفر به وبها بنو إسرائيل .

إلى جانب هذه الأحكام الشرعية المتنوعة يجيء الأمر بالطاعة والتقيد بما شرعه الله وما أمر به ، والنهي عن التحريم والتحليل إلا بإذنه ، ويأتي النص الواضح على أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للناس بعد أن أكمله وأتم به نعمته .

ثم بعد ذلك كله يجيء بيان ملك الله سبحانه للسماوات والأرض وكمال قدرته . والقرآن الكريم له هدف كبير في بناء المجتمع الإسلامي ، ولذلك يخوض دائما معارك مع أعداء الإسلام ، وفي مقدمتهم اليهود والمشركون والمنافقون ، ولذلك نراه في هذه السورة يقرر بحسم في التعبير ، سواء في ذلك الأحكام الشرعية التي تقتضي بطبيعتها التقرير والحسم في القرآن كله ، أو المبادئ والتوجيهات التي قد تتخذ في غير هذه السورة صورا أخرى ، ولكنها هنا في هذه السورة تقرر في حسم وصرامة . وأسلوب التقرير الدقيق ، هو الطابع العام المميز لشخصية سورة المائدة هذه من بدئها إلى منتهاها .

أوفوا بالعقود : أنجِزوها .

العقد كل اتفاق بين اثنين فأكثر .

البهيمة : ما لا ينطق من الحيوان .

الأنعام : البقر والإبل والغنم وما أُحل من الحيوان البريّ .

حُرم : جمع حرام وهو المحرم بالحجّ أو لِعمرة .

يا أيها المؤمنون ، حافِظوا على الوفاء بالعقود التي بينكم وبين الله ، والعقود المشروعة التي بينكم وبين الناس . فعلى كل مؤمن أن يفي بما عقده وارتبط به من قول أو فعل . وكل عقد ، وكل وعد ، وكل عهد ، وكل ميثاق إنما هو عقد بين طرفين اللهُ ثالثهما ، فمن نقضَه فقد أخل بالوفاء مع ربه .

فالزواج عقد ، الوفاء به حُسن المعاشرة وتركُ المضارة . والبيع عقد ، والوفاء به عدم الغش وحُسن المعاملة . والوعد عقد ، والوفاء به إنجازه . . وهكذا سائر الاتفاقات التي تحمل بين طياتها حقوقها والتزامات .

إن هذا القرآن الكريم نُزّل على محمد لينشئ أمة ، وليقيم دولة ، وليربّي ضمائر وأخلاقاً وعقولا ، ولينظم مجتمعاً ويحدّد روابطه مع غيره من المجتمعات والأمم . ذلك هو الدين كما هو في حقيقته عند الله ، وكما عرفه المسلمون أيامَ كانوا مسلمين .

وقد أحلّ الله لكم أكل لحوم الأنعام من الإبل والبقر والغنم وجميع الحيوانات الوحشية إلا ما ورد النص بتحريمه .

ولا يجوز لكم صيدُ البّر إذا كنتم محرِمين بالحج أو العمرِِة ، أو كنتم داخل حدود الحرم . إن الله يستنّ ما يريد من الأحكام ، فهي تصلح شئونكم وتناسب مصالحكم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

وهي مدنية بإجماع ، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية . وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال : ( يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة ) . قال ابن العربي : هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده . أما إنا نقول : سورة " المائدة ، ونعمت الفائدة " فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام حسن . وقال ابن عطية : وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب ) . ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع ، ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله تعالى : " ولا يجرمنكم شنآن قوم " [ المائدة : 2 ] الآية . وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني ، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار . وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة . وقال أبو ميسرة : " المائدة " من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ ، وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي : " المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " [ المائدة : 3 ] ، " وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام " ، " وما علمتم من الجوارح مكلبين " [ المائدة : 4 ] ، " وطعام الذين أوتوا الكتاب " [ المائدة : 5 ] " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " [ المائدة : 5 ] ، وتمام الطهور " إذا قمتم إلى الصلاة " [ المائدة : 6 ] ، " والسارق والسارقة " [ المائدة : 38 ] ، " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " [ المائدة : 95 ] إلى قوله : " عزيز ذو انتقام " [ المائدة : 95 ] و " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " [ المائدة : 103 ] . وقوله تعالى : " شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " [ المائدة : 106 ] الآية .

قلت : وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله جل وعز : " وإذا ناديتم إلى الصلاة " [ المائدة : 58 ] ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة ، أما ما جاء في سورة " الجمعة " فمخصوص بالجمعة ، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة " المائدة " في حجة الوداع وقال : ( يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) ونحوه عن عائشة رضي الله عنها موقوفا . قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة " المائدة " ؟ فقلت : نعم ، فقالت : فإنها من آخر ما أنزل الله ، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه . وقال الشعبي : لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله : " ولا الشهر الحرام ولا الهدي " [ المائدة : 2 ] الآية . وقال بعضهم : نسخ منها " أو آخران من غيركم " [ المائدة : 106 ] .

فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " قال علقمة : كل ما في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني و " يا أيها الناس " [ النساء : 1 ] فهو مكي ، وهذا خرج على الأكثر ، وقد تقدم{[5197]} . وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام ، فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود . الثاني : تحليل بهيمة الأنعام . الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك . الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد . الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد .

الثانية : قوله تعالى : " أوفوا " يقال : وفى وأوفى لغتان : قال الله تعالى : " ومن أوفى بعهده من الله " {[5198]} [ التوبة : 111 ] ، وقال تعالى : " وإبراهيم الذي وفى{[5199]} " [ النجم : 37 ] وقال الشاعر{[5200]} :

أما ابن طَوْقٍ فقد أوفى بذمته *** كما وفى بقِلاَصِ النجم حاديها

فجمع بين اللغتين .

قوله تعالى : " بالعقود " العقود الربوط ، واحدها عقد . يقال : عقدت العهد والحبل ، وعقدت العسل{[5201]} فهو يستعمل في المعاني والأجسام . قال الحطيئة :

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم *** شَدُّوا العِنَاجَ وشدوا فوقه الكربا{[5202]}

فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود . قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه ، من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة ، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات ، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام . وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة . قاله ابن العربي . ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب . لقوله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه{[5203]} " [ آل عمران : 187 ] . قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت . وقيل : هي عامة وهو الصحيح . فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب ؛ لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم{[5204]} . فإنهم مأمورون بذلك في قوله : " أوفوا بالعقود " وغير موضع . قال ابن عباس : " أوفوا بالعقود " معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء ، وكذلك قال مجاهد وغيره . وقال ابن شهاب : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : ( هذا بيان للناس من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكتب الآيات فيها إلى قوله : " إن الله سريع الحساب " [ المائدة : 4 ] ) . وقال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض . وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب . قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون عند شروطهم ) وقال : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله ، فإن ظهر فيها ما يخالف رد ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) . ذكر ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبدالله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبدالله{[5205]} بن جدعان جلفا ما أحب أن لي به خمر النعم ولو ادُّعِيَ{[5206]} به في الإسلام لأجبت ) . وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام : ( وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم ؛ فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله . قال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد ، فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول . قال عبدالله بن الزبير : وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا ، وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك ، وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمي فقال مثل ذلك ، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه .

الثالثة : قوله تعالى : " أحلت لكم بهيمة الأنعام " الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله ، وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، يأتي بيانها ، فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية ، والآراء الفاسدة الباطلة .

واختلف في معنى " بهيمة الأنعام " والبهيمة اسم لكل ذي أربع ، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ، ومنه باب مبهم أي مغلق ، وليل بهيم ، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له . و " الأنعام " : الإبل والبقر والغنم ، سميت بذلك للين مشيها{[5207]} ؛ قال الله تعالى : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " [ النحل : 5 ] إلى قوله : " وتحمل أثقالكم{[5208]} " [ النحل : 7 ] ، وقال تعالى : " ومن الأنعام حمولة وفرشا{[5209]} " [ الأنعام : 142 ] يعني كبارا وصغارا ، ثم بينها فقال : " ثمانية أزواج " [ الأنعام : 143 ] إلى قوله : " أم كنتم شهداء " [ البقرة : 133 ] وقال تعالى : " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها{[5210]} " [ النحل : 80 ] يعني الغنم " وأوبارها " يعني الإبل " وأشعارها " يعني المعز ، فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الأنعام لهذه الأجناس ، الإبل والبقر والغنم . وهو قول ابن عباس والحسن . قال الهروي : وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة . وقال الطبري : وقال قوم " بهيمة الأنعام " وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك . وذكره غير الطبري والربيع وقتادة والضحاك ، كأنه قال : أحلت لكم الأنعام ، فأضيف الجنس إلى أخص منه . قال ابن عطية : وهذا قول حسن ، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج ، وما أنضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها ، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام ، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع . قلت : فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك ؛ لأن الله تعالى قال : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " [ النحل : 5 ] ثم عطف عليها قوله : " والخيل والبغال والحمير " [ النحل : 8 ] فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها ؛ والله أعلم . وقيل : " بهيمة الأنعام " ما لم يكن صيدا ؛ لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة ، وهذا راجع إلى القول الأول . وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال : " بهيمة الأنعام " الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات ، فهي تؤكل دون ذكاة ، وقاله ابن عباس وفيه بعد ؛ لأن الله تعالى قال : " إلا ما يتلى عليكم " وليس في الأجنة ما يستثنى ؛ قال مالك : ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه ، فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى ، وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه ، فقيل : هو ذكي . وقيل : ليس بذكي ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى :

الرابعة : قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة " [ المائدة : 3 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : ( وكل ذي ناب من السباع حرام ){[5211]} . فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة ، قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله ، والدليل عليه أمران : أحدهما : حديث العسيف ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) والرجم ليس منصوصا في كتاب الله . الثاني : حديث ابن مسعود : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله . الحديث . وسيأتي في سورة " الحشر{[5212]} " . ويحتمل " إلا ما يتلى عليكم " الآن أو " ما يتلى عليكم " فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة .

الخامسة : قوله تعالى : " غير محلي الصيد " أي ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين . واختلف النحاة في " إلا ما يتلى " هل هو استثناء أو لا ؟ فقال البصريون : هو استثناء من " بهيمة الأنعام " و " غير محلي الصيد " استثناء آخر أيضا منه ، فالاستثناءان جميعا من قوله : " بهيمة الأنعام " وهي المستثنى منها . التقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ، بخلاف قوله : " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط{[5213]} " [ الحجر : 58 - 59 ] على ما يأتي . وقيل : هو مستثنى مما يليه من الاستثناء ؛ فيصير بمنزلة قوله عز وجل : " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام ؛ لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " مستثنى من الإباحة ؛ وهذا وجه ساقط ، فإذا معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد . ويجوز أن يكون معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم . وأجاز الفراء أن يكون " إلا ما يتلى عليكم " في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا ، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء{[5214]} الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد . والنصب عنده بأن " غير محلي الصيد " نصب على الحال مما في " أوفوا " . قال الأخفش : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد . وقال غيره : حال من الكاف والميم في " لكم " والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد . ثم قيل : يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس ، أي لا تحلوا الصيد في حال الإحرام ، ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيدا في وقت الإحرام ، كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة . فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى : غير محلين الصيد ، فحذفت النون تخفيفا .

السادسة : قوله تعالى : " وأنتم حرم " يعني الإحرام بالحج والعمرة ؛ يقال : رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج ، ومنه قول الشاعر{[5215]} :

فقلتُ لها فيئِي إليك فإنني *** حرامٌ وإني بعد ذاك لَبِيبُ

أي ملب ، وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما . ويقال : أحرم دخل في الحرم ، فيحرم صيد الحرم أيضا . وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء ؛ وهي لغة تميمية يقولون في رسل : رسل وفي كتب كتب ونحوه .

السابعة : قوله تعالى : " إن الله يحكم ما يريد " تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب ، أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبه ، فإن الذي هو مالك الكل " يحكم ما يريد " " لا معقب لحكمه{[5216]} " [ الرعد : 41 ] يشرع ما يشاء كما يشاء .


[5197]:راجع ج 1 ص 229.
[5198]:راجع ج 8 ص 266.
[5199]:راجع ج 17 ص 112.
[5200]:هو طفيل الغنوي، وقلاص النجم: هي العشرون نجما التي ساقها الدبران في خطبة الثريا كما تزعم العرب.
[5201]:كذا في الأصول وفي حاشية الجمل عن القرطبي: عقدت الغل.
[5202]:العناج: خيط أو سير يشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروتها، والكرب الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين، وهو الحبل الأول: فإذا انقطع المنين بقي الكرب. وقيل: غير هذا. وهذه أمثال ضربها الحطيئة لإيفائهم بالعهد.
[5203]:راجع ج 4 ص 304.
[5204]:في ز: ويعم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي حاشية الجمل عن القرطبي: وهم من أمة محمد. الخ. قلت: يعني أمة غير الإجابة. مصححه.
[5205]:من ج و ز.
[5206]:في الروض الأنف: لو دعيت إليه.
[5207]:في مفردات الراغب: أن تسمية الإبل بذلك لأنها عندهم أعظم نعمة. ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل.
[5208]:راجع ج 10 ص 68. و ص 152.
[5209]:راجع ج 7 ص 111.
[5210]:راجع ج 10 ص 68. و ص 152.
[5211]:رواية مسلم والنسائي : "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام".
[5212]:راجع ج 18 ص 17.
[5213]:راجع ج 10 ص 36.
[5214]:الزيادة عن ابن عطية.
[5215]:هو المضرب بن كعب بن زهير.
[5216]:راجع ج 9 ص 334.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

ترتيبها : 5

عدد آياتها : 120

بيان إجمالي للسورة

نزلت هذه السورة في المدينة وفي هذا أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال : آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح . وكذلك أخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ؟ فقلت : نعم . فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه . وما وجدتم فيها من حرام فحرموه .

وقد تضمنت هذه السورة فيضا من المعاني والمواقف والمشاهد والمواعظ والأحكام . وجاء في طليعة ذلك كله إيجاب الوفاء بالعقود وهي العهود والمواثيق ، وما كانوا يتعاقدون عليه من حلف وغيره . على أن ذلك جاء مجملا ثم عقب بعد ذلك بالتفصيل . وأول ذلك إباحة الأنعام من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك من أنواع البهائم المباحة كالظباء وبقر الوحش ونحو ذلك ، مع النهي عن الاصطياد حال الإحرام . فإذا أحرم المسلم حُظر عليه الصيد بكل صوره وأشكاله حتى إذا أحل المحرم بات الاصطياد في حقه مباحا كالأصل .

وقد تضمنت السورة جانبا من المحظورات والمناهي التي حذر الباري جل وعلا من اكتساب شيء منها . ومن جملة ذلك الأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وكذلك المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع باستثناء ما ذكي قبل موته ، وكذلك ما ذبح من أجل الأصنام . وكذا الاستقسام بالأزلام وهي القداح التي كانوا يستعملونها في الاستخارة إذا أرادوا أن يفعلوا شيئا ، خلافا لعقيدة الحق التي يركن من خلالها المسلم إلى الإيمان بقدر الله مع التوكل عليه تمام التوكل .

وفي السورة إعلان مثير يشير إلى اكتمال ملة الإسلام . هذا الدين الكامل الشامل الذي يقيم حياة البشرية على المحجة السوية المستقيمة . المحجة الناصعة البيضاء التي لا يعتريها عوج ولا انحراف ولا أمت . ( {[1]} ) ذلكم الدين الذي أركزه الله للعالمين ليكون هاديا للبشرية في هذا الزمان فتحظى بالنجاء والفلاح في الدارين .

وفي السورة تحليل للطيبات من المطعومات والمشروبات . وكذلك طعام أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنه مباح ، يضاف إلى ذلك إباحة الزواج من نسائهم المحصنات ، أي العفائف وفي السورة بيان بأٍركان الوضوء ووجوب التطهير من الجنابة بالماء . وإذا عز الماء أو كان استعماله ضرر فبالطهارة الضرورية وهي التيمم بالتراب الطاهر . وذلك على سبيل التخفيف والتسهيل على المسلمين ، ودفعا للحرج أن يصيبهم ، فإنه لا مكان للحرج أصلا في شريعة الإسلام .

وفي السورة تنويه واضح بقصة النصارى واليهود من حيث النقض للعهود والمواثيق والتحريف لكلام الله عن مواضعه . ذلك التحريف الفاضح الذي حوى من صور التزييف والتغيير والتبديل لكلمات الله ما استحالت به التوراة والإنجيل إلى ركام من الكلام الملفق المفترى . الكلام الذي انزلق بهاتين الأمتين إلى أغوار الضلالة والغواية والكفران ، فضلا عن الانحراف المذهل عن تعاليم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام .

وفي هذا الخضم الفظيع من التحريف والتضليل والجحد يعلن الله في صراحة مكشوفة عن كفران أولئك الذين جاهدوا بإلهية المسيح عليه الصلاة والسلام وهو عبد من عباد الله جيء به من غير أب ليكون بشيرا ونذيرا لبني إسرائيل .

وفي السورة بيان بفضل الله ومنته على بني إسرائيل إذ جعل أكثر النبيين فيهم ، وجعل فيهم ملوكا أولي قدرة وسلطان عظيمين . وإذاك أمرهم نبيهم موسى بتكليف من الله أن يقاتلوا العمالقة الذين كانوا مستحوذين على بيت المقدس ، لكنهم نكلوا عن الجهاد خورا وجبنا ، فعاقبهم الله بالضلال في أٍرض التيه أربعين عاما ، يسيرون من غير أن يهتدوا للخروج ، فظلوا على هذه الحال من الحيرة والضياع حتى فني هذا الجيل ثم جيء بجيل آخر يقوده يوشع بن نون الذي دخل ببني إسرائيل الأرض المقدسة بعد أن من الله عليهم في التيه بالمن والسلوى وانبجاس الماء من الصخر والتظليل بالغمام . ولما دخلوا بيت المقدس قالوا فارهين بطرين وهم يزحفون على أستاههم : حبة في شعرة ، وذلك في غاية من البطر وسماجة الطبع بدلا من قولهم : حطة ، كما أمرهم نبيهم يوشع عليه السلام .

وفي السورة هذا النبأ المثير . النبأ الذي يكشف عن فظاعة الحسد وهو يجد قراره في النفس البشرية ليحرضها على اكتساب الأهوال والموبقات بغيا بغير حق . إنه الحسد الأثيم الأسود الذي يركب النفس البشرية عامة ليسومها القض والاستنفار فتستمرئ الإيذاء والإضرار وفعل المناهي والمحظورات . إنه الحسد الفاضح الخسيس الذي لا ينجو منه بنو آدم غير أولي العزائم من الناس أو المبرئين من هذا الدرن الوبيل ، وقليل ما هم . يستبين ذلك من قصة ابني آدم وهما أخوان يجترئ أحدهما على قتل آخيه الأخر بغيا وحسدا .

وفي السورة تحذير شديد من اتخاذ أهل الكتاب أولياء ، وإنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض . فما ينبغي للمسلمين أن يوالوا الكافرين ليتخذوا منهم الحلفاء أو الأصدقاء أو الأخلاء . ولئن فعلوا ذلك فلسوف يجدون أنفسهم ينسلخون من ربقة الإسلام رويدا رويدا ، وهو ما يخطط له المشركون والظالمون من اليهود والنصارى . وتلكم هي الفاقرة القاصمة التي يسقط فيها المسلمون إذا هم مالأوا الكافرين على حساب الإسلام والمسلمين .

وفي السورة بيان أحكام اليمين من حيث ضروبه ، وأولها يمين اللغو ثم اليمين المنعقدة وهي التي تجب فيها الكفارة عقيب الحنث . ثم اليمين الفاجرة الغموس التي يكتسبها الخاطئ كذبا متعمدا . وبيان ذلك كله في موضعه لدى التفصيل إن شاء الله .

وفي السورة نهي قاطع عن جملة محظورات ، وهي الخمر والميسر الأنصاب والأزلام ، فإن ذلك كله إثم وهو شر من شرور الشيطان . والشيطان كائن جني ماكر وخبيث يعمل الليل والنهار لا يفتر من أجل الوقيعة بين المسلمين ولإركاز بذور الخصام والنزاع بينهم بسبب الخمرة التي تمس العقول فتضعفها إضعافا ، وكذلك الميسر الذي يثير في نفوس المتقامرين الكراهية والنزاع .

وفي السورة تنديد بواحد من مخلفات الجاهلية الضالة . وقد تجلى ذلك في تصور شنيع فاسد . تصور قائم على الإشراك الظالم والوثنية السخيفة العمياء . وذلك فيما سمي من الأنعام لدى الجاهليين بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . وتلك أسماء أطلقها المشركون على بعض الأنعام لتكون من حظ الآلهة ، فلا يسري عليها شيء من تصرف معروف كالبيع أو الحمل أو الذبح .

وفي السورة أيضا ذكر لبعض المعجزات مما أوتي عيسى عليه السلام كتكلمه وهو في المهد ونفخه فيما يشبه الطير من الطين ليصبح طيرا حقيقيا . وكذلك إبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى ، كل ذلك فإذن الله . وأخيرا دعاؤه ربه أن ينزل على بني إسرائيل مائدة من السماء ليروها ويأكلوا منها لعلهم يؤمنون . وقد أنزلها الله عليهم في الراجح . والله تعالى أعلم .

البيان التفصيلي للسورة

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد } .

هذه الآية بالرغم من قصرها وإيجازها ، فإنها يتجلى فيها الإعجاز في أنصع صوره . فهي بقلة ألفاظها تتضمن جملة من المعاني المختلفة المنسجمة سواء في ذلك الأمر بالوفاء وتحليل بهيمة الأنعام وإباحة الصيد لغير المحرم ، يضاف إلى ذلك استثناء يعقبه استثناء . وذلك كله في كلمات معدودة تضمنها آية بليغة مثلى . لا جرم أن ذلك ضرب من الإعجاز المثير .

وقد حكي في هذا الصدد أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم ، اعمل لنا مثل هذا القرآن . فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه . فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد . إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد{[869]} .

قوله : { أوفوا بالعقود } يعني العهود . وهي ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره . وقيل : العقود التي أمر الله بالوفاء بها ستة هي : عهد الله ، وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وعقد النكاح ، وعقد اليمين . وقيل : يعني بذلك عقود الدين . وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة . وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والنذر وما أشبه ذلك من طاعات الإسلام .

وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على عدم خيار المجلس في البيع ، لأن قوله { أوفوا } يدل على لزوم العقد وثبوته ويقتضي نفي خيار المجلس . وهو قول الحنفية والمالكية ، خلافا لأكثر العلماء وفيهم الشافعية والحنابلة . إذ قالوا بلزوم خيار المجلس في البيع هو أن كلا من العاقدين مخير في إمضاء العقد أو عدم إمضائه ما دام في مجلس العقد ، إلا أن يتفرقا بأبدانهما من مجلس العقد . فإن تفرقا كلاهما أو أحدهما فقد لزم العقد ، واحتجوا لذلك بخبر الصحيحين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفي لفظ آخر للبخاري " إذ تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وهذا صريح في إثبات خيار المجلس الذي يأتي عقيب البيع وهو من مقتضياته شرعا فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود{[870]} .

قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } جاءت هذه الآية لتنزيل ما كان يراود أذهان العرب من ضلالات فاسدة عما أسموه البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . أما البهيمة ، فهي كل ذات أربع قوائم ولو في الماء ، أو كل حي لا يميز . وجمعه بهائم . والبهمة : أولاد الضأن والمعز والبقر{[871]} . والأنعام هي الإبل و البقر والغنم ، وقيل : الأنعام : الأزواج الثمانية ، ويأتي بيانها فيما بعد إن شاء الله . وقيل بهيمة الأنعام : الظباء وبقر الوحش ونحوها . مما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب .

قوله : { إلا ما يتلى عليكم } ما في موضع نصب على الاستثناء . والتقدير : إلا ما يقرأ عليكم في القرآن والسنة . وفي القرآن كقوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع } فهذه وإن كانت من الأنعام فإنها محرمة بما أصابها من عوارض كالخنق والوقذ والنطح وغير ذلك . أما في السنة فكقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم والنسائي : " كل ذي ناب من السباع حرام " .

قوله : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } غير منصوب على الحال . والواو للحال { أنتم حرم } في موضع نصب على الحال . وهذا الاستثناء التالي . وكلا الاستثناءين من قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } أما قوله : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } فتأويله أن ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال . أما الإحرام فهو حرام .

قوله : { إن الله يحكم ما يريد } أي ما يريده من الأحكام مما فيه خير لكم ومصلحة ، وهو سبحانه الحاكم لا معقب لحكمه ولا راد لما يقضي{[872]} .


[1]:مختار الصحاح للرازي ص 461.
[869]:- أجلاد، وجلداء، جمع ومفدره جلد، وجليد، وهو القوي والشديد. انظر القاموس المحيط ص 349 وانظر تفسير القرطبي ج 6 ص 31.
[870]:- تفسير ابن كثير ج 1 ص 3 وتفسير القرطبي ج 6 ص 31.
[871]:- القاموس المحيط ص 1398.
[872]:- الكشاف ج 1 ص 591 وتفسير القرطبي ج 6 ص 36.