التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

هذه السورة سميت في كتب التفسير ، وكتب السنة ، بسورة المائدة : لأن فيها قصة المائدة التي أرسلها الحواريون من عيسى عليه السلام ، وقد اختصت بذكرها . وفي مسند أحمد بن حنبل وغيره وقعت تسميتها سورة المائدة في كلام عبد الله بن عمر ، وعائشة أم المؤمنين ، وأسماء بنت يزيد ، وغيرهم . فهذا أشهر أسمائها .

وتسمى أيضا سورة العقود : إذ وقع هذا اللفظ في أولها .

وتسمى أيضا المنقذة . ففي أحكام ابن الفرس : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سورة المائدة تدعى في ملكوت السماوات المنقذة .

قال : أي أنها تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب .

وفي كتاب كنايات الأدباء لأحمد الجرجاني{[1]} يقال : فلان لا يقرأ سورة الأخيار ، أي لا يفي بالعهد ، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسمون سورة المائدة سورة الأخيار . قال جرير :

إن البعيث وعبد آل متاعس *** لا يقرآن بسورة الأخـيار

وهي مدنية باتفاق ، روي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية ، بعد سورة الممتحنة ، فيكون نزولها بعد الحديبية بمدة ، لأن سورة الممتحنة نزلت بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من صلح الحديبية ، وقد جاءته المؤمنات مهاجرات ، وطلب منه المشركون إرجاعهن إليهم عملا بشروط الصلح ، فأذن الله للمؤمنين بعدم إرجاعهن بعد امتحانهن .

روى ابن أبي حاتم عن مقاتل أن آية { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد –إلى- عذاب أليم } نزلت عام الحديبية فلعل ذلك الباعث للذين قالوا : إن سورة العقود نزلت عام الحديبية . وليس وجود تلك الآية في هذه السورة بمقتض أن يكون ابتداء نزول السورة سابقا على نزول الآية إذ قد تلحق الآية بسورة نزلت متأخرة عنها .

وفي الإتقان : إنها نزلت قبل سورة النساء ، ولكن صح أن آية { اليوم أكملت لكم دينكم } نزلت يوم عرفة في عام حجة الوداع . ولذلك اختلفوا في أن هذه السورة نزلت متتابعة أو متفرقة ، ولا ينبغي التردد في أنها نزلت منجمة .

وقد روي عن عبد الله بن عمرو وعائشة أنها آخر سورة نزلت ، وقد قيل : إنها نزلت بعد النساء ، وما نزل بعدها إلا سورة براءة ، بناء على أن براءة آخر سورة نزلت ، وهو قول البراء بن عازب في صحيح البخاري . وفي مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو ، وأسماء بنت يزيد : أنها نزلت ورسول الله في سفر ، وهو على ناقته العضباء ، وأنها نزلت عليه كلها . قال الربيع بن أنس : نزلت سورة المائدة في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجة الوداع .

وفي شعب الإيمان ، عن أسماء بنت يزيد : أنها نزلت بمنى . وعن محمد بن كعب : أنها نزلت في حجة الوداع بين مكة والمدينة . وعن أبي هريرة : نزلت مرجع رسول الله من حجة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة . وضعف هذا الحديث . وقد قيل : إن قوله تعالى { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام } أنزل يوم فتح مكة .

ومن الناس من روى عن عمر بن الخطاب : أن سورة المائدة نزلت بالمدينة في يوم اثنين . وهنالك روايات كثيرة أنها نزلت عام حجة الوداع ؛ فيكون ابتداء نزولها بالمدينة قبل الخروج إلى حجة الوداع .

وقد روي عن مجاهد : أنه قال : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم –إلى- غفور رحيم } نزل يوم فتح مكة . ومثله عن الضحاك ، فيقتضي قولهما أن تكون هذه السورة نزلت في فتح مكة وما بعده .

وعن محمد بن كعب القرظي : أن أول ما نزل من هذه السورة قوله تعالى { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب -إلى قوله- صراط مستقيم } ثم نزلت بقية السورة في عرفة في حجة الوداع .

ويظهر عندي أن هذه السورة نزل بعضها بعد بعض سورة النساء ، وفي ذلك ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقام له أمر العرب وأمر المنافقين ولم يبق في عناد الإسلام إلا اليهود والنصارى . أما اليهود فلأنهم مختلطون بالمسلمين في المدينة وما حولها ، وأما النصارى فلأن فتوح الإسلام قد بلغت تخوم ملكهم في حدود الشام . وفي حديث عمر في صحيح البخاري : وكان من حول رسول الله قد استقام له ولم يبق إلا ملك غسان بالشام كنا نخاف أن يأتينا .

وقد امتازت هذه السورة باتساع نطاق المجادلة مع النصارى ، واختصار المجادلة مع اليهود ، عما في سورة النساء . مما يدل على أن أمر اليهود أخذ في تراجع ووهن ، وأن الاختلاط مع النصارى أصبح أشد منه من ذي قبل .

وفي سورة النساء تحريم السكر عند الصلوات خاصة ، وفي سورة المائدة تحريمه بتاتا ، فهذا متأخر عن بعض سورة النساء لا محالة . وليس يلزم أن لا تنزل سورة حتى ينتهي نزول أخرى بل يجوز أن تنزل سورتان في مدة واحدة .

وهي ، أيضا ، متأخرة عن سورة براءة : لأن براءة تشتمل على كثير من أحوال المنافقين وسورة المائدة لا تذكر من أحوالهم إلا مرة ، وذلك يؤذن بأن النفاق حين نزولها قد انقطع ، أو خضدت شوكة أصحابه . وإذ قد كانت سورة براءة نزلت في عام حج أبي بكر بالناس ، أعني سنة تسع من الهجرة .

فلا جرم أن بعض سورة المائدة نزلت في عام حجة الوداع ، وحسبك دليلا اشتمالها على آية { اليوم أكملت لكم دينكم } التي اتفق أهل الأثر على أنها نزلت يوم عرفة ، عام حجة الوداع ، كما في خبر عن عمر بن الخطاب . وفي سورة المائدة قوله تعالى { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم } . وفي خطبة حجة الوداع يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكنه قد رضي بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم " .

وقد عدت السورة الحادية والتسعين في عدد السور على ترتيب النزول . عن جابر بن زيد ، نزلت بعد سورة الأحزاب وقبل سورة الممتحنة .

وعدد آيها : مائة واثنتان وعشرون في عدد الجمهور ، ومائة وثلاث وعشرون في عد البصريين ، ومائة وعشرون عند الكوفيين .

وجعلت هذه السورة في المصحف قبل سورة الأنعام مع أن سورة الأنعام أكثر منها عدد آيات : لعل ذلك لمراعاة اشتمال هذه السورة على أغراض تشبه ما اشتملت عليه سورة النساء عونا على تبيين إحداهما للأخرى في تلك الأغراض .

وقد احتوت هذه السورة على تشريعات كثيرة تنبئ بأنها أنزلت لاستكمال شرائع الإسلام ، ولذلك افتتحت بالوصاية بالوفاء بالعقود ، أي بما عاقدوا الله عليه حين دخولهم في الإسلام من التزام ما يؤمرون به ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ البيعة على الصلاة والزكاة والنصح لكل مسلم ، كما في حديث جابر بن عبد الله في الصحيح . وأخذ البيعة على الناس بما في سورة الممتحنة ، كما روى عبادة بن الصامت . ووقع في أولها قوله تعالى { إن الله يحكم ما يريد } . فكانت طالعتها براعة استهلال .

وذكر القرطبي أن فيها تسع عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي سبع في قوله { والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام وما علمتم من الجوارح مكلبين } ؛ وطعام الذين أوتوا الكتاب ، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ، وتمام الطهور إذا قمتم إلى الصلاة ، أي إتمام ما لم يذكر في سورة النساء والسارق والسارقة . ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم إلى قوله { عزيز ذو انتقام } { وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } ، وقوله تعالى { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } الآية وقوله { وإذا ناديتم إلى الصلاة } ليس في القرآن ذكر للأذان للصلوات إلا في هذه السورة . اهـ .

وقد احتوت على تمييز الحلال من الحرام في المأكولات ، وعلى حفظ شعائر الله في الحج والشهر الحرام ، والنهي عن بعض المحرمات من عوائد الجاهلية مثل الأزلام ، وفيها شرائع الوضوء ، والغسل ، والتيمم ، والأمر بالعدل في الحكم ، والأمر بالصدق في الشهادة ، وأحكام القصاص في الأنفس والأعضاء ، وأحكام الحرابة ، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفاق المنافقين ، وتحريم الخمر والميسر ، والأيمان وكفارتها ، والحكم بين أهل الكتاب ، وأصول المعاملة بين المسلمين ، وبين أهل الكتاب ، وبين المشركين والمنافقين ، والخشية من ولايتهم أن تفضي إلى ارتداد المسلم عن دينه ، وإبطال العقائد الضالة لأهل الكتابين ، وذكر مساو من أعمال اليهود ، وإنصاف النصارى فيما لهم من حسن الأدب وأنهم أرجى للإسلام وذكر قضية التيه ، وأحوال المنافقين ، والأمر بتخلق المسلمين بما يناقض أخلاق الضالين في تحريم ما أحل لهم ، والتنويه بالكعبة وفضائلها وبركاتها على الناس ، وما تخلل ذلك أو تقدمه من العبر ، والتذكير للمسلمين بنعم الله تعالى ، والتعريض بما وقع فيه أهل الكتاب من نبذ ما أمروا به والتهاون فيه ، واستدعاؤهم للإيمان بالرسول الموعود به .

وختمت بالتذكير بيوم القيامة ، وشهادة الرسل على أممهم ، وشهادة عيسى على النصارى ، وتمجيد الله تعالى .

{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } .

تصدير السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود مؤذن بأن سَتَرد بعده أحكام وعقود كانت عقدت من الله على المؤمنين إجمالاً وتفصيلاً ، ذكَّرهم بها لأنّ عليهم الإيفاء بما عاقدوا الله عليه . وهذا كما تفتتح الظهائر السلطانية بعبارة : هذا ظهير كريم يُتقبل بالطاعة والامتثال . وذلك براعة استهلال .

فالتعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق ، فشمل العقودَ التي عاقد المسلمون عليها ربّهم وهو الامتثال لِشريعته ، وذلك كقوله : { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به } [ المائدة : 7 ] ، ومثل ما كان يبَايع عليه الرسولُ المؤمنين أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا ، ويقول لهم : فمن وفى منكم فأجره على الله .

وشَمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين ، مثل قوله : { فسيحيوا في الأرض أربعةَ أشهر } [ التوبة : 2 ] ، وقوله : { ولا آمِّين البيتَ الحرام } [ المائدة : 2 ] . ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم .

والإيفاء هو إعطاء الشيء وافياً ، أي غير منقوص ، ولمّا كان تحقّق ترك النقص لا يحصل في العرف إلاّ بالزيادة على القدر الواجب ، صار الإيفاء مراداً منه عرفاً العدل ، وتقدّم عند قوله تعالى : { فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفّيهم أجورهم } في سورة النساء ( 173 ) .

والعقود جمع عقد بفتح العين ، وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعل مّا . وحقيقته أنّ العقد هو ربط الحبل بالعروة ونحوها ، وشدّ الحبل في نفسه أيضاً عقد . ثم استعمل مجازاً في الالتزام ، فغلب استعماله حتّى صار حقيقة عرفية ، قال الحطيئة :

قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم *** شدّوا العِناج وشدّوا فوقه الكَرَبَا

فذكر مع العقد العناج وهو حبل يشدّ القربة ، وذكر الكَرَب وهو حبل آخر للقربة : فرَجَعَ بالعقد المجازيّ إلى لوازمه فتَخيّل معه عناجاً وكرباً ، وأراد بجميعها تخييل الاستعارة . فالعقد في الأصل مصدر سمّي به ما يعقد ، وأطلق مجازاً على التزام من جانبين لشيء ومقابله ، والموضع المشدود من الحبل يسمّى عُقدة . وأطلق العقد أيضاً على الشيء المعقود إطلاقاً للمصدر على المفعول ، فالعهود عقود ، والتحالف من العقود ، والتبايع والمؤاجرة ونحوهما من العقود ، وهي المراد هنا . ودخل في ذلك الأحكام التي شرعها الله لنا لأنّها كالعقود ، إذ قد التزمها الداخل في الإسلام ضمناً ، وفيها عهد الله الذي أخذه على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به .

ويقع العقد في اصطلاح الفقهاء على إنشاء تسليم أو تحمّل من جانبين ؛ فقد يكون إنشاء تسليم كالبيع بثمن ناض ؛ وقد يكون إنشاء تحمّل كالإجارة بأجر ناض ، وكالسلم والقراض ؛ وقد يكون إنشاء تحمّل من جانبين كالنكاح ، إذ المهر لم يُعتبر عوضاً وإنَّما العوض هو تحمّل كلّ من الزوجين حقوقاً للآخر . والعقود كلّها تحتاج إلى إيجاب وقبول .

والأمر بالإيفاء بالعقود يدلّ على وجوب ذلك ، فتعيّن أنّ إيفاء العاقد بعقده حقّ عليه ، فلذلك يقضي به عليه ، لأنّ العقود شرعت لسدّ حاجات الأمّة فهي من قسم المناسب الحاجيّ ، فيكون إتمامها حاجيّاً ؛ لأنّ مكمّل كلّ قسم من أقسام المناسب الثلاثة يلحق بمكمَّلِه : إنْ ضروريّاً ، أو حاجياً ، أو تحسيناً .

وفي الحديث المسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً .

فالعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها مجرّد الصيغة تلزم بإتمام الصيغة أو ما يقوم مقامها ، كالنكاح والبيع . والمراد بما يقوم مقام الصيغة نحو الإشارة للأبكم ، ونحو المعاطاة في البيوع . والعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها الشروعَ فيها بعد الصيغة تلزم بالشروع ، كالجُعل والقِراض . وتمييزُ جزئيَّات أحد النوعين من جزئيات الآخر مجال للاجتهاد .

وقال القرافيّ في الفرق التاسع والمائتين : إنّ أصل العقود من حيث هي اللزوم ، وإنّ ما ثبت في الشرع أو عند المجتهدين أنّه مبنيّ على عدم اللزوم بالقول فإنَّما ذلك لأنّ في بعض العقود خفاء الحقّ الملتزم به فيُخشى تطرّق الغرر إليه ، فوسَّع فيها على المتعاقدين فلا تلزمهم إلاّ بالشروع في العمل ، لأنّ الشروع فرع التأمّل والتدبّر . ولذلك اختلف المالكيَّة في عقود المغارسة والمزارعة والشركة هل تلحق بما مصلحته في لزومه بالقول ، أو بما مصلحته في لزومه بالشروع . وقد احتجّ في الفرق السادس والتسعين والمائة على أنّ أصل العقود أن تلزم بالقول بقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } . وذكر أنّ المالكيَّة احتجّوا بهذه الآية على إبطال حديث : خيار المجلس ؛ يعني بناء على أنّ هذه الآية قرّرت أصلاً من أصول الشريعة ، وهو أنّ مقصد الشارع من العقود تمامها ، وبذلك صار ما قرّرته مقدّماً عند مالك على خبر الآحاد ، فلذلك لم يأخذ مالك بحديث ابن عمر « المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا » .

واعلم أنّ العقد قد ينعقد على اشتراط عدم اللزوم ، كبيع الخيار ، فضبطه الفقهاء بمدّة يحتاج إلى مثلها عادة في اختيار المبيع أو التشاور في شأنه .

ومن العقود المأمور بالوفاء بها عقود المصالحات والمهادنات في الحروب ، والتعاقد على نصر المظلوم ، وكلّ تعاقد وقع على غير أمر حرام ، وقد أغنت أحكام الإسلام عن التعاقد في مثل هذا إذ أصبح المسلمون كالجسد الواحد ، فبقي الأمر متعلّقاً بالإيفاء بالعقود المنعقدة في الجاهلية على نصر المظلوم ونحوه : كحلف الفضول . وفي الحديث : " أوفُوا بعقود الجاهلية ولا تُحدثوا عقداً في الإسلام " وبقي أيضاً ما تعاقد عليه المسلمون والمشركون كصلح الحُدَيْبِية بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش . وقد رُوِي أنّ فرات بن حيّان العِجْلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية فقال : « لعلّك تسأل عن حلف لُجَيْم وتَيْمَ ، قال : نعم ، قال : لا يزيده الإسلام إلاّ شدّة » . قلت : وهذا من أعظم ما عرف به الإسلام بينهم في الوفاء لغير من يعتدي عليه . وقد كانت خزاعة من قبائل العرب التي لم تناو المسلمين في الجاهلية ، كما تقدّم في قوله تعالى : { الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم } في سورة آل عمران ( 173 ) .

{ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } .

أشعر كلام بعض المفسّرين بالتَّوقّف في توجيه اتّصال قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } بقوله : { أوفوا بالعقود } . ففي « تلخيص الكواشي » ، عن ابن عباس : المراد بالعقود ما بَعد قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } اهـ . ويتعيَّن أن يكون مراد ابن عباس ما مبْدؤه قوله : { إلا ما يتلى عليكم } الآيات .

وأمّا قول الزمخشري { أحلَّت لكم بهيمة الأنعام } تفصيل لمجمل قوله : { أوفوا بالعُقود } فتأويله أنّ مجموع الكلام تفصيل لا خصوص جملة { أحلّت لكم بهيمة الأنعام } ؛ فإنّ إباحة الأنعام ليست عقداً يجب الوفاء به إلاّ باعتبار ما بعده من قوله : « إلاّ ما يتلى عليكم » . وباعتبار إبطال ما حرّم أهل الجاهلية باطلاً ممّا شمله قوله تعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } [ المائدة : 103 ] الآيات .

والقول عندي أنّ جملة { أحلّت لكم بهيمة الأنعام } تمهيد لما سَيَرِد بعدها من المنهيات : كقوله : { غيْر محِلّي الصّيد } وقوله : { وتعاونوا على البِرّ والتقوى } [ المائدة : 2 ] التي هي من عقود شريعة الإسلام فكان الابتداء بذكر بعض المباح امتناناً وتأنيساً للمسلمين ، ليتلقّوا التكاليف بنفوس مطمئنّة ؛ فالمعنى : إنْ حرّمنا عليكم أشياء فقد أبحنا لكم أكثر منها ، وإن ألزمناكم أشياء فقد جعلناكم في سعة من أشياء أوفر منها ، ليعلموا أنّ الله ما يريد منهم إلاّ صلاحهم واستقامتهم . فجملة { أُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام } مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنّها تصدير للكلام بعد عنوانه .

والبهيمة : الحيوان البرّي من ذوي الأربع إنسِيّها ووحشيّها ، عدا السباعَ ، فتشمل بقر الوحش والظباء . وإضافة بهيمة إلى الأنعام من إضافة العامّ للخاصّ ، وهي بيانية كقولهم : ذبابُ النحل ومدينة بغداد . فالمراد الأنعام خاصّة ، لأنَّها غالب طعام الناس ، وأمّا الوحش فداخل في قوله : { غير محلّي الصيد وأنتم حرم } ، وهي هنا لدفع توهّم أن يراد من الأنعام خصوص الإبل لغلبة إطلاق اسم الأنعام عليها ، فذكرت ( بهيمة ) لشمول أصناف الأنعام الأربعة : الإبل ، والبقر ، والغنم ، والمعز .

والإضافة البيانيَّة على معنى ( مِن ) التي للبيان ، كقوله تعالى : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } [ الحج : 30 ] .

والاستثناء في قوله : { إلاّ ما يتلى عليكم } من عموم الذوات والأحوال ، وما يتلى هُو ما سيفصّل عند قوله : { حُرّمت عليكم الميتة } [ المائدة : 3 ] ، وكذلك قوله : { غير مُحلِّي الصيد وأنتم حرم } ، الواقع حالاً من ضمير الخطاب في قوله : { أحِلت لكم } ، وهو حال مقيّد معنى الاستثناء من عموم أحوال وأمكنة ، لأنّ الحُرم جمع حرام مثل رَدَاح على رُدُح . وسيأتي تفصيل هذا الوصف عند قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس } في هذه السورة ( 97 ) .

والحرام وصف لمن أحرم بحجّ أو عمرة ، أي نواهما . ووصف أيضاً لمن كان حالاً في الحرم ، ومن إطلاق المحرم على الحالّ بالحرم قول الراعي :

قَتَلوا ابنَ عفّان الخليفةَ مُحْرِما

أي حالاً بحرم المدينة .

والحَرَم : هو المكان المحدود المحيط بمكة من جهاتها على حدود معروفة ، وهو الذي لا يصاد صيده ، ولا يُعضد شجره ولا تحلّ لقطته ، وهو المعروف الذي حدّده إبراهيم عليه السلام ونصَب أنصاباً تعرف بها حدوده ، فاحترمه العرب ، وكان قُصّي قد جدّدها ، واستمرّت إلى أن بَدَا لقريش أن ينزعوها ، وذلك في مدّة إقامة النبي بمكة ، واشتدّ ذلك على رسول الله ، ثم إنّ قريشاً لم يلبثوا أن أعادوها كما كانت . ولمَّا كان عامُ فتح مكة بعث النبي تميماً بن أسد الخُزاعي فجدّدها . ثم أحياها وأوضحها عمر بن الخطاب في خلافته سنة سبع عشرة ، فبعث لتجديد حدود الحرم أربعة من قريش كانوا يتبدّون في بوادي مكة ، وهم : مخرمة بن نوفل الزهري ، وسعيد بن يربوع المخزومي ، وحوَيطب بن عبد العزّى العامري ، وأزهر بن عوف الزهري ، فأقاموا أنصاباً جعلت علامات على تخطيط الحرم على حسب الحدود التي حدّدها النبي وتبتدىء من الكعبة فتذهب للماشي إلى المدينة نحو أربعة أميال إلى التنعيم ، والتنعيم ليس من الحرم ، وتمتدّ في طريق الذاهب إلى العراق ثمانية أميال فتنتهي إلى موضع يقال له : المقطع ، وتذهب في طريق الطائف تسعة ( بتقديم المثناة ) أميال فتنتهي إلى الجعرانة ، ومن جهة اليمن سبعة ( بتقديم السين ) فينتهي إلى أضاةِ لِبْن ، ومن طريق جُدّة عشرة أميال فينتهي إلى آخر الحديبية ، والحديبية داخلة في الحرم . فهذا الحرم يحرم صيده ، كما يحرم الصيد على المحرم بحجّ أو عمرة .

فقوله : { وأنتم حرم } يجوز أن يراد به محرِمون ، فيكون تحريماً للصيد على المحرم : سواء كان في الحرم أم في غيره ، ويكون تحريم صيد الحرم لغير المحرم ثابتاً بالسنّة ، ويجوز أن يكون المراد به : محرمون وحالّون في الحرم ، ويكون من استعمال اللفظ في معنيين يجمعهما قدر مشترك بينهما وهو الحُرمة ، فلا يكون من استعمال المشترك في معنييه إن قلنا بعدم صحّة استعماله فيهما ، أو يكون من استعماله فيهما ، على رأي من يصحّح ذلك ، وهو الصحيح ، كما قدّمناه في المقدّمة التاسعة .

وقد تفنّن الاستثناء في قوله : { إلاّ ما يتلى عليكم } وقوله : { غير مُحِلّي الصيد } ، فجيء بالأول بأداة الاستثناء ، وبالثاني بالحالين الدالّين على مغايرة الحالة المأذون فيها ، والمعنى : إلاّ الصيد في حالة كونكم مُحْرمين ، أو في حالة الإحرام . وإنَّما تعرّض لحكم الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاصّ ، فذكر هنا لأنّه تحريم عارض غير ذاتيّ ، ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلّقة بحكم الحرم والإحرام عند قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله } [ المائدة : 2 ] الآية .

والصيد يجوز أن يكون هنا مصدراً على أصله ، وأن يكون مطلقاً على اسم المفعول : كالخَلْق على المخلوق ، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه الأصليّ ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة ، فيكون التقدير : غير محلي إصابة لصيد .

والصيد بمعنى المصدر : إمساك الحيوان الذي لا يألف ، باليد أو بوسيلة ممسكة ، أو جارحة : كالشباك ، والحبائل ، والرماح ، والسهام ، والكلاب ، والبُزاة ؛ وبمعنى المفعول هو المَصيد . وانتصب { غيرَ } على الحال من الضمير المجرور في قوله : { لكم } . وجملة { وأنتم حرم } في موضع الحال من ضمير ( مُحلّي ) ، وهذا نسج بديع في نظم الكلام استفيد منه إباحة وتحريم : فالإباحة في حال عدم الإحرام ، والتحريم له في حال الإحرام .

وجملة { إنّ الله يحكم ما يريد } تعليل لقوله : { أوفوا بالعقود } ، أي لا يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أن يكون فيما شرعه الله لكم شيء من ثقل عليكم ، لأنّكم عاقدتم على عدم العصيان ، وعلى السمع والطاعة لله ، والله يحكم ما يريد لا ما تريدون أنتم . والمعنى أنّ الله أعلم بصالحكم منكم .

وذكر ابن عطية : أنّ النقّاش حكى : أنّ أصحاب الكِندي قالوا له : « أيّها الحكيم اعمل لنا مِثْلَ هذا القرآن ، قال : نعم أعْمَل لكم مثلَ بعضه ، فاحتجبَ عنهم أيَّاماً ثمّ خرج فقال : والله ما أقدر عليه . ولا يطيق هذا أحد ، إنِّي فتحت المصحف فخرجتْ سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونَهَى عن النكث وحلّل تحليلاً عامّاً ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبرَ عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يأتي بهذا إلاّ في أجْلاد » جَمع جِلد أي أسفار .


[1]:محمد بن علي البصري الشافعي المعتزلي المتوفى سنة 439هـ له كتاب "المعتمد في أصول الفقه".
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

وهي مدنية بإجماع ، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية . وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال : ( يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة ) . قال ابن العربي : هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده . أما إنا نقول : سورة " المائدة ، ونعمت الفائدة " فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام حسن . وقال ابن عطية : وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب ) . ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع ، ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله تعالى : " ولا يجرمنكم شنآن قوم " [ المائدة : 2 ] الآية . وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني ، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار . وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة . وقال أبو ميسرة : " المائدة " من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ ، وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي : " المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " [ المائدة : 3 ] ، " وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام " ، " وما علمتم من الجوارح مكلبين " [ المائدة : 4 ] ، " وطعام الذين أوتوا الكتاب " [ المائدة : 5 ] " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " [ المائدة : 5 ] ، وتمام الطهور " إذا قمتم إلى الصلاة " [ المائدة : 6 ] ، " والسارق والسارقة " [ المائدة : 38 ] ، " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " [ المائدة : 95 ] إلى قوله : " عزيز ذو انتقام " [ المائدة : 95 ] و " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " [ المائدة : 103 ] . وقوله تعالى : " شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " [ المائدة : 106 ] الآية .

قلت : وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله جل وعز : " وإذا ناديتم إلى الصلاة " [ المائدة : 58 ] ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة ، أما ما جاء في سورة " الجمعة " فمخصوص بالجمعة ، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة " المائدة " في حجة الوداع وقال : ( يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) ونحوه عن عائشة رضي الله عنها موقوفا . قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة " المائدة " ؟ فقلت : نعم ، فقالت : فإنها من آخر ما أنزل الله ، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه . وقال الشعبي : لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله : " ولا الشهر الحرام ولا الهدي " [ المائدة : 2 ] الآية . وقال بعضهم : نسخ منها " أو آخران من غيركم " [ المائدة : 106 ] .

فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " قال علقمة : كل ما في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني و " يا أيها الناس " [ النساء : 1 ] فهو مكي ، وهذا خرج على الأكثر ، وقد تقدم{[5197]} . وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام ، فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود . الثاني : تحليل بهيمة الأنعام . الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك . الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد . الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد .

الثانية : قوله تعالى : " أوفوا " يقال : وفى وأوفى لغتان : قال الله تعالى : " ومن أوفى بعهده من الله " {[5198]} [ التوبة : 111 ] ، وقال تعالى : " وإبراهيم الذي وفى{[5199]} " [ النجم : 37 ] وقال الشاعر{[5200]} :

أما ابن طَوْقٍ فقد أوفى بذمته *** كما وفى بقِلاَصِ النجم حاديها

فجمع بين اللغتين .

قوله تعالى : " بالعقود " العقود الربوط ، واحدها عقد . يقال : عقدت العهد والحبل ، وعقدت العسل{[5201]} فهو يستعمل في المعاني والأجسام . قال الحطيئة :

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم *** شَدُّوا العِنَاجَ وشدوا فوقه الكربا{[5202]}

فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود . قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه ، من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة ، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات ، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام . وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة . قاله ابن العربي . ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب . لقوله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه{[5203]} " [ آل عمران : 187 ] . قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت . وقيل : هي عامة وهو الصحيح . فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب ؛ لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم{[5204]} . فإنهم مأمورون بذلك في قوله : " أوفوا بالعقود " وغير موضع . قال ابن عباس : " أوفوا بالعقود " معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء ، وكذلك قال مجاهد وغيره . وقال ابن شهاب : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : ( هذا بيان للناس من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكتب الآيات فيها إلى قوله : " إن الله سريع الحساب " [ المائدة : 4 ] ) . وقال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض . وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب . قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون عند شروطهم ) وقال : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله ، فإن ظهر فيها ما يخالف رد ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) . ذكر ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبدالله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبدالله{[5205]} بن جدعان جلفا ما أحب أن لي به خمر النعم ولو ادُّعِيَ{[5206]} به في الإسلام لأجبت ) . وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام : ( وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم ؛ فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله . قال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد ، فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول . قال عبدالله بن الزبير : وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا ، وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك ، وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمي فقال مثل ذلك ، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه .

الثالثة : قوله تعالى : " أحلت لكم بهيمة الأنعام " الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله ، وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، يأتي بيانها ، فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية ، والآراء الفاسدة الباطلة .

واختلف في معنى " بهيمة الأنعام " والبهيمة اسم لكل ذي أربع ، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ، ومنه باب مبهم أي مغلق ، وليل بهيم ، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له . و " الأنعام " : الإبل والبقر والغنم ، سميت بذلك للين مشيها{[5207]} ؛ قال الله تعالى : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " [ النحل : 5 ] إلى قوله : " وتحمل أثقالكم{[5208]} " [ النحل : 7 ] ، وقال تعالى : " ومن الأنعام حمولة وفرشا{[5209]} " [ الأنعام : 142 ] يعني كبارا وصغارا ، ثم بينها فقال : " ثمانية أزواج " [ الأنعام : 143 ] إلى قوله : " أم كنتم شهداء " [ البقرة : 133 ] وقال تعالى : " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها{[5210]} " [ النحل : 80 ] يعني الغنم " وأوبارها " يعني الإبل " وأشعارها " يعني المعز ، فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الأنعام لهذه الأجناس ، الإبل والبقر والغنم . وهو قول ابن عباس والحسن . قال الهروي : وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة . وقال الطبري : وقال قوم " بهيمة الأنعام " وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك . وذكره غير الطبري والربيع وقتادة والضحاك ، كأنه قال : أحلت لكم الأنعام ، فأضيف الجنس إلى أخص منه . قال ابن عطية : وهذا قول حسن ، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج ، وما أنضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها ، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام ، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع . قلت : فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك ؛ لأن الله تعالى قال : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " [ النحل : 5 ] ثم عطف عليها قوله : " والخيل والبغال والحمير " [ النحل : 8 ] فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها ؛ والله أعلم . وقيل : " بهيمة الأنعام " ما لم يكن صيدا ؛ لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة ، وهذا راجع إلى القول الأول . وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال : " بهيمة الأنعام " الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات ، فهي تؤكل دون ذكاة ، وقاله ابن عباس وفيه بعد ؛ لأن الله تعالى قال : " إلا ما يتلى عليكم " وليس في الأجنة ما يستثنى ؛ قال مالك : ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه ، فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى ، وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه ، فقيل : هو ذكي . وقيل : ليس بذكي ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى :

الرابعة : قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة " [ المائدة : 3 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : ( وكل ذي ناب من السباع حرام ){[5211]} . فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة ، قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله ، والدليل عليه أمران : أحدهما : حديث العسيف ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) والرجم ليس منصوصا في كتاب الله . الثاني : حديث ابن مسعود : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله . الحديث . وسيأتي في سورة " الحشر{[5212]} " . ويحتمل " إلا ما يتلى عليكم " الآن أو " ما يتلى عليكم " فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة .

الخامسة : قوله تعالى : " غير محلي الصيد " أي ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين . واختلف النحاة في " إلا ما يتلى " هل هو استثناء أو لا ؟ فقال البصريون : هو استثناء من " بهيمة الأنعام " و " غير محلي الصيد " استثناء آخر أيضا منه ، فالاستثناءان جميعا من قوله : " بهيمة الأنعام " وهي المستثنى منها . التقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ، بخلاف قوله : " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط{[5213]} " [ الحجر : 58 - 59 ] على ما يأتي . وقيل : هو مستثنى مما يليه من الاستثناء ؛ فيصير بمنزلة قوله عز وجل : " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام ؛ لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " مستثنى من الإباحة ؛ وهذا وجه ساقط ، فإذا معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد . ويجوز أن يكون معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم . وأجاز الفراء أن يكون " إلا ما يتلى عليكم " في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا ، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء{[5214]} الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد . والنصب عنده بأن " غير محلي الصيد " نصب على الحال مما في " أوفوا " . قال الأخفش : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد . وقال غيره : حال من الكاف والميم في " لكم " والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد . ثم قيل : يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس ، أي لا تحلوا الصيد في حال الإحرام ، ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيدا في وقت الإحرام ، كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة . فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى : غير محلين الصيد ، فحذفت النون تخفيفا .

السادسة : قوله تعالى : " وأنتم حرم " يعني الإحرام بالحج والعمرة ؛ يقال : رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج ، ومنه قول الشاعر{[5215]} :

فقلتُ لها فيئِي إليك فإنني *** حرامٌ وإني بعد ذاك لَبِيبُ

أي ملب ، وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما . ويقال : أحرم دخل في الحرم ، فيحرم صيد الحرم أيضا . وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء ؛ وهي لغة تميمية يقولون في رسل : رسل وفي كتب كتب ونحوه .

السابعة : قوله تعالى : " إن الله يحكم ما يريد " تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب ، أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبه ، فإن الذي هو مالك الكل " يحكم ما يريد " " لا معقب لحكمه{[5216]} " [ الرعد : 41 ] يشرع ما يشاء كما يشاء .


[5197]:راجع ج 1 ص 229.
[5198]:راجع ج 8 ص 266.
[5199]:راجع ج 17 ص 112.
[5200]:هو طفيل الغنوي، وقلاص النجم: هي العشرون نجما التي ساقها الدبران في خطبة الثريا كما تزعم العرب.
[5201]:كذا في الأصول وفي حاشية الجمل عن القرطبي: عقدت الغل.
[5202]:العناج: خيط أو سير يشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروتها، والكرب الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين، وهو الحبل الأول: فإذا انقطع المنين بقي الكرب. وقيل: غير هذا. وهذه أمثال ضربها الحطيئة لإيفائهم بالعهد.
[5203]:راجع ج 4 ص 304.
[5204]:في ز: ويعم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي حاشية الجمل عن القرطبي: وهم من أمة محمد. الخ. قلت: يعني أمة غير الإجابة. مصححه.
[5205]:من ج و ز.
[5206]:في الروض الأنف: لو دعيت إليه.
[5207]:في مفردات الراغب: أن تسمية الإبل بذلك لأنها عندهم أعظم نعمة. ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل.
[5208]:راجع ج 10 ص 68. و ص 152.
[5209]:راجع ج 7 ص 111.
[5210]:راجع ج 10 ص 68. و ص 152.
[5211]:رواية مسلم والنسائي : "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام".
[5212]:راجع ج 18 ص 17.
[5213]:راجع ج 10 ص 36.
[5214]:الزيادة عن ابن عطية.
[5215]:هو المضرب بن كعب بن زهير.
[5216]:راجع ج 9 ص 334.