تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

مقدمة سورة البقرة

سورة البقرة : سورة البقرة مدنية وآياتها286 آية وهي أول سورة نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه سلم إلى المدينة .

قصة التسمية :

سميت سورة البقرة بهذا الاسم لأنها انفردت بذكر حادثة قتل وقعت في بني إسرائيل على عهد موسى عليه السلام .

واختلف الناس بشأن قاتله ، ثم رفعوا الأمر إلى موسى عليه السلام ليحكم في هذه الجناية التي خفي مرتكبها .

وسأل موسى ربه ؛ فأمرهم أن يذبحوا بقرة وأن يضربوا القتيل بلسانها فيحيا فيخبر عن قاتله .

وقد أكثر بنو إسرائيل من السؤال عن صفة البقرة وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ولو ذبحوا أي بقرة في أول الأمر لكفتهم .

قال تعالى : فقلنا اضربوه ببغضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون . ( البقرة : 73 ) .

الأهداف العامة لسورة البقرة

اشتملت سورة البقرة على الأهداف الآتية :

1- بيان أصناف الخلائق أمام هداية القرآن ، وقد ذكرت السورة أنهم أصناف ثلاثة : المؤمنون والكافرون والمنافقون .

2- دعوة الناس جميعا إلى عبادة الله ، وذكر أدلة التوحيد ومبدأ خلق الإنسان .

3- تعرضت السورة لتاريخ اليهود الطويل ، وناقشتهم في عقيدتهم ، وذكرتهم بنعم الله على أسلافهم ، وبما أصاب هؤلاء الأسلاف حينما التوت عقولهم عن تلقي دعوة الحق من أنبيائهم السابقين ، وارتكبوا صنوف العناد والتكذيب والمخالفة .

4- رسمت صورة واضحة لاستقبال بني إسرائيل للإسلام ورسوله وكتابه .

لقد كانوا أول كافر به ، وكانوا يلبسون الحق بالباطل ، وكانوا يأمرون الناس بالبر وهو الإيمان وينسون أنفسهم وكانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ، وكانوا يخادعون الذين آمنوا بإظهار الإيمان وإذا خلا بعضهم إلى بعض حذروا أنفسهم من إطلاع المسلمين على ما يعلمونه من أمر النبي وصحة رسالته .

كانوا يريدون أن يردوا المسلمين كفارا . . وكانوا يدعون من أجل هذا أن المهتدين هم اليهود وحدهم كما كان النصارى يدعون هذا أيضا وكانوا يعلنون عداءهم لجبريل عليه السلام بما أنه هو الذي حمل هذا الوحي إلى محمد دونهم ، وكانوا يكرهون كل خير للمسلمين ويتربصون بهم السوء . وكانوا ينتهزون كل فرصة للتشكيك في صحة الأوامر النبوية ، كما فعلوا عند تحويل القبلة ، وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه المنافقين كما كانوا مصدر تشجيع للمشركين .

وتنتهي هذه الحملة بتيئيس المسلمين من الطمع في إيمانهم لهم ، وهم على الحالة الملتوية القصد ، كما تنتهي بفصل الخطاب في دعواهم أنهم وحدهم المهتدون ، بما أنهم ورثة إبراهيم ، وتبين أن ورثة إبراهيم الحقيقيين هم الذين يمضون على سنته ويتقيدون بعهده مع ربه ، وأن وارثة إبراهيم قد انتهت إذن إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به( 7 ) .

5- والنصف الأخير من السورة ( 8 ) يتجه إلى التشريع الإسلامي الذي اقتضى أن يكون المسلمون جماعة متميزة عن غيرها في عباداتها ومعاملاتها وعاداتها .

وقد ذكرت السورة من ذلك القصاص في القتل العمد ، وذكرت الصيام والوصية والاعتكاف والتحذير من أكل أموال الناس بالباطل ، وذكرت الأهلة وأنها جعلت ليعتمد الناس عليها في أوقات العبادة والزراعة وغيرها ، وذكرت الحج والعمرة وذكرت القتال وسببه الذي يدعو إليه وغايته التي ينتهي إليها ، . وذكرت الخمر والميسر اليتامى ، وحكم الحيض والتطهر منه ، والطلاق والعدة والخلع والرضاع ، وذكر الأيمان وكفارة الحنث فيها ، وذكرت الإنفاق في سبيل الله وذكرت البيع والربا ، وذكرت طرق الاستيثاق في الديون بالكتابة والرهن .

وكان يتخلل كل ذلك على طريقة القرآن ما يدعو المؤمنين إلى التزام هذه الأحكام وعدم الاعتداء فيها ، من قصص ووعد ووعيد ، وإرشاد إلى سنن الله في الكون والجماعات ، ثم تختم سورة البقرة ببيان عقيدة المؤمنين على نحو ما بدأت في بيان أوصاف المتقين( 9 ) .

ومن ثم يتناسق البدء والختام في السورة ، وتتضح الروابط بين موضوعات السورة .

افتتاح السورة

بسم الله الرحمان الرحيم

{ آلم( 1 ) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين( 2 ) }

{ آلم } هذه فاتحة سورة البقرة ، وقد تنوعت فواتح السور في القرآن الكريم تبعا لتنوع موضوعاتها ، فمنها من بدئ بالثناء إثبات الحمد لله ، كما في سورة الفاتحة الحمد لله رب لعالمين( الفتحة : 2 ) وكما في سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور( الأنعام : 1 ) .

ومنها من بدء بالنداء مثل : يا أيها النبي( التحريم1 ، الطلاق1 ) يا أيها المزمل( المزمل : 1 ) يا أيها المدثر . ( المدثر : 1 ) .

ومنها من بدئ بالقسم مثل والصافات( الصافات1 ) والذاريات ( الذاريات1 ) والطور

( الطور 1 ) والنجم( النجم1 ) والفجر( الفجر1 ) والشمس( الشمس1 ) والليل ( الليل 1 )والضحى ( الضحى1 ) والعاديات ( العاديات : 1 ) والعصر ( العصر1 ) .

حروف المعجم

من سور القرآن ما بدأ ببعض الحروف الهجائية التي لا تكون كلمات مثل : ألف ، لآم ، ميم .

وفي القرآن صيغ مختلفة من هذه الفواتح منها ما هو ذو حرف واحد ، مثل : { ص والقرآن ذي الذكر }( ص1 ) { ق والقرآن المجيد }( ق1 ) { ن والقلم وما يسطرون } . ( الليل1 ) .

ومنها ما هو ذو حرفين مثل : { طه( 1 ) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }( طه 1-2 ) ، { يس( 1 ) والقرآن الحكيم }( يس1-2 ) ، { حم( 1 ) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }( غافر : 1-2 ) .

ومن السور ما بدئ بثلاثة حروف مثل : طسم ، آلر ، آلم .

وقد تكررت آلم . في بداية سورة البقرة وآل عمران ، والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة . ومن السور ما بدئ بأربعة أحرف مثل : المص ، آلمر ، ومنها ما بدئ بخمسة أحرف مثل : كهيعص ، حم( 1 )عسق .

معاني هذه الفواتح

ليس لهذه الفواتح في لغة العربية معان مستقلة ولم يرد من طريق صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان للمراد منها ، بيد أنه قد أثرت عن السلف آراء متعددة في معاني هذه الحروف ، وهذه الآراء على كثرتها ترجع إلى رأيين اثنين :

أحدهما : أنها جميعا مما استأثر الله به ، ولا يعلم معناها أحد سواه وهذا رأي كثير من الصحابة والتابعين .

ثانيهما : أن لها معنى وقد ذهبوا في معناها مذاهب شتى .

1- فمنهم من قال : هي أسماء للسور التي بدئت بها ، أو أن كلا منها علامة على انتهاء سورة والشروع في أخرى .

2- ومنهم من قال : إنها رموز لبعض أسماء الله تعالى وصفاته ، فنسب إلى ابن عباس في : كهيعص أن الكاف من الملك ، والهاء من الله والياء من العزيز والصاد من المصور . ونسب إليه أنها إشارة إلى الكاف ، هاد ، أمين ، عالم ، صادق ، وروي عن الضحاك في معنى آلر : أن الله أرفع .

3- ومنهم من قال : إنها قسم أقسم الله به لبيان شرف هذه الحروف وفضلها إذ هي مباني كتابه المنزل على رسوله .

4- ومنهم من قال : إن المقصود بها هو تنبيه السامعين وإيقاظهم .

5- ومنهم من قال : إن المقصود منها سياسة النفوس المعرضة واستدراجها إلى استماع القرآن والإنصات إليه ، فقد كان العرب يتواصون بعد الاستماع إلى القرآن ، فلما سمعوا هذه الحروف أنصتوا إليها ثم استمعوا إلى ما بعدها .

6- ومنهم من ذهب إلى أن هذه الحروف ذكرت للتحدي وبيان إعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن ، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها ، وفي هذا دليل على أنه ليس من صنع البشر بل تنزيل من حكيم حميد ، وقد لاحظ أصحاب هذا الرأي أن فواتح السور مكونة في جملتها من أربعة عشر حرفا ، هي نصف حروف الهجاء ، كما أنها حوت فوق كل ذلك من كل جنس من الحروف نصفه ، فقد حوت نصف الحروف المهموسة ونصف الحروف المهجورة ، ونصف الشديدة ونصف الرخوة ونصف المطبقة ونصف المنفتحة ، وكأنه قيل«من زعم أن القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن » ويؤيد هذا الرأي أن السورة الكريمة التي بدئت بحروف الهجاء تتحدث في الأعم الأغلب عن نزول القرآن وإعجازه .

سر الإعجاز

ولا يبعد أن يكون سر الإعجاز في هذه الحروف هو اشتمالها على جميع الوجوه التي ذكرها العلماء في معانيها :

فهي بداية للسورة ، وهي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته وهي لون من التنبيه الذي يقرع الأذهان ويلفت الغافلين وهي مما أقسم الله به لبيان شرف القرآن وفضله ، وهي مما استأثر الله بحقيقة المراد منه ، فكل ما ذكره العلماء اجتهاد محمود لإدراك أسرارها أو حكمة الابتداء بها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مدنية ، وهي تتناول جملة من المعاني والقضايا والقواعد التي تغطي جانبا أكبر من نظام الإسلام ، وذلك فيما يمس الواقع البشري للإنسان بمختلف مناحيه النفسية والروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ويمكن أن نعرض لما تناولته السورة في الأمور التالية :

أولها مسألة الحروف المتقطعة أو فواتح السور التي تأتي على رأس جملة من سور القرآن والتي اختلفت فيها أقوال العلماء والمفسرين ، ثم التنويه السريع بفريقين من البشر : فريق المؤمنين ، وفريق المشركين ، ويعقب ذلك تنديد تفضيلي ومؤثر بفريق فاسد مشنوء من البشر ، وهو فريق مذبذب مريض يخفي في نفسه الضلال والكفر ليبدي للناظرين والسامعين شاكلة مليحة خادعة ، وهؤلاء هم المنافقون الذين يوجدون في كل مكان وزمان ، والذين يؤذون المؤمنين من الداخل في صمت وتلصص .

وتتناول السورة ضربا من ضروب التحدي للمشركين والمكذبين أن يأتوا بسورة واحدة- أي سورة – من مثل هذا القرآن من حيث أسلوبه العجيب أو مستواه السامق الفذ ، وهو تحد يظل قائما دون مبارحة لتستبين معه حقيقة الإعجاز لهذا الكتاب الحكيم .

ثم استخلاف الله للإنسان في هذه الأرض ليكون منوطا به احتمال الأمانة والمضيء في منهج الله وخطه المستقيم ، مع ما رافق ذلك من مساءلة الملائكة لربهم عن جعل هذه الخليفة في الأرض ، وهم المسبحون بحمد الله والمقدسون له .

ثم قضية السجود لآدم ، وذلك أمر رباني كبير يفرضه الله على جنده الملائكة الأطهار والى جانبهم إبليس الذي ظل عابدا لله حتى تبينت الحقيقة يوم انحسر هذا الكائن الشقي عن طبيعة مستكبرة شاذة ، طبيعة آيسة فاسدة تستعلي على الرحمن جل وعلى فلا ترضخ لأمر الله بالسجود لآدم ، فكان ذلك بداية السقوط والهلاك .

ثم قضية آدم وزوجه اللذين استمعا لكلمة الله في النهي عن الأكل من هذه الشجرة لكنهما نسيا وأخطأ فأكلا منها ، فاقتضت بعد ذلك حكمة الله أن يهبط الثلاثة إلى الأرض حتى حين ، إلى أن يرتحلا إلى دار البقاء حيث الحساب .

وتتناول أيضا خطاب الله لبني إسرائيل من أجل أن يذكروا نعمة الله التي امتن بها عليهم فيوفوا بعهده ويرهبوه ، ثم يؤمنوا بالقرآن الحكيم الذي جاء مصدقا لما نزل عليهم من كتاب ، وألا يخلطوا بين الحق والباطل عمدا وتزويرا ، وأن يضطلعوا بأداء ما فرض الله عليهم من صلاة وزكاة ، وذلك كيلا يكونوا في عداد الذين يقولون ولا يفعلون .

وثمة تذكير كذلك لبني إسرائيل بما أنعمه الله عليهم وبما فضلهم به على العالمين من معطيات ومنن ، وذلك كمنجاتهم من كيد فرعون الذي سامهم عذابا بئيسا من تذبيح أبناء واستحياء للنساء ، وكذلك قد فرق الله البحر من أجل بني إسرائيل ليمروا من خلاله إلى حيث السلامة والنجاة مع تغريق فرعون وجنوده حتى أصبحوا من الهالكين .

وتعرض سورة البقرة في قدر عظيم من الآيات لقصة بني إسرائيل ، وهي قصة طويلة وغريبة ومريرة بما يكشف عن طبيعة يخالطها التخلخل والشذوذ ، يتبين ذلك من خلال مناسبات وأسباب شتى تثير في النفس الحيرة والاشمئزاز ، وذلك لفرط التطاول والاجتراء على الله ، وهو اجتراء مرفوض يأباه الضمير المؤمن ، فقد طلب بنو إسرائيل من نبيهم موسى أن يمكنهم من رؤية الله جهارا وإلا فإنهم لا يؤمنون ، حتى أخذتهم الصاعقة بالهلاك جزاء هذا الاجتراء الأحمق .

وقد أمرهم ربهم أن يدخلوا القرية ليأكلوا منها كما يشاؤون على أن يبادروا الدخول وهو ساجدون ثم يقولون ( حطة( حين الدخول ليغفر الله لهم خطاياهم نظير ذلك .

لكن فريقا ظالما منهم قد تكلم بغير ما أمر به وذلك على سبيل السخرية والاستخفاف .

ثم استسقاء موسى لقومه حتى ضرب الحجر بعصاه ( افانفجرت منه اثنتا عشرة عينا( ثم مطالبة بني إسرائيل بطعام أدنى من المن والسلوى كالبقل والقثاء والفوم والعدس والبصل ، وذلك ما يكشف عن النزوع للبطر والعتو في غير تواضع أو إقرار لله بالنعمة ، حتى كتب الله عليهم الذلة والمسكنة والغضب والتفريق المشتت في الأرض وذلك بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير حق .

وتعرض السورة لقصة البقرة ، وهي ما أمر الله بني إسرائيل على لسان نبيهم ومنقذهم موسى عليه السلام أن يذبحوها ، وهي بقرة لم تتحدد بصفة من الصفات بل ورد الأمر بإطلاق غير مقيد ، وقد ذبح اليهود بقرة ، لكن بعد تردد وجدال طويلين غريبين .

وفي السورة كذلك نصيب كبير من الكلام عن بني إسرائيل على أنحاء متعددة من الكشف والتبيين تارة ، أو من التنديد والتقريع تارة أخرى ، أو من التهديد والوعيد تارة ثالثة ، وذلك مثلما كشفت الآيات عن نفاق فريق من بني إسرائيل الذين إذا لقوا المؤمنين أظهروا لهم الإيمان والإخلاص ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض تلاوموا فيما بينهم وحرض بعضهم بعضا على خداع النبي والمسلمين .

وبعض الآيات كذلك ينطوي على تهديد مخوف لأولئك الذين يزيفون الكتاب ويحرفون الكلم ليقولوا هذا من عند الله ، وأولئك لهم الويل والثبور .

وكذلك قد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل كيلا يعبدوا إلا الله ولكي يحسنوا للوالدين وذوي القربي واليتامى والمساكين وأن يقيموا الصلاة ويؤدوا الزكاة ، وكذلك أخذ ميثاقهم ألا يسفك بعضهم دماء بعض وألا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم بالإثم والعدوان ، لكنهم بالرغم من هذه المواثيق المغلظة فقد ضلوا وتولوا معرضين ، ثم قتلوا النفس بغير حق وأخرجوا فريقا من الناس من ديارهم ظلما ، ومبعث ذلك كله الإيمان المضطرب أو العقيدة المجزأة المتلجلجة التي تسول لبني إسرائيل أن يجعلوا كتاب ربهم ( عضين( أي يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه الآخر .

وفي السورة تنديد عظيم بفعلة بشعة مروعة تتمثل في قتل النبيين وفي عبادة العجل الذي أشربوا حبه في قلوبهم .

وتتضمن السورة كذلك حكما معنويا قاطعا يكشف عن طبيعة بني إسرائيل في كونهم ( أحرص الناس على حياة ( كيفما كانت هذه الحياة ما دامت تموج بالغواية والفتن والشهوات .

وفي السورة بيان أصولي لمسألة النسخ والفرق بينه وبين الإنسان ، وذلك بشيء من الإيجاز الذي تسمح به طبيعة الكتابة في هذا التفسير .

وفيها كذلك مقالة اليهود والنصارى إذ زعموا أنهم وحدهم دون غيرهم سيدخلون الجنة ، ومرة أخرى تتباين النوايا والقلوب لكل من اليهود والنصارى ليرمي بعضهم بعضا بالإفلاس والسوء ، إذ يقول كل فريق عن الآخر إنه ليس على شيء من العلم أو الحق .

والحقيقة الحاسمة التي ينبغي أن تقال في مثل هذا الصدد والتي نطق بها القرآن في هذه السورة هي أن كلا الفريقين اليهود والنصارى لن يرضى في يوم من الأيام عن الإسلام ونبيه أو عن المسلمين حيثما كانوا إلا أن يحيد المسلمون عن دينهم ليتبعوا ملة إحدى الأمتين : اليهود والنصارى .

ثم تحكي السورة قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام إذ عهد الله إليه وولده إسماعيل بناء الكعبة وتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود ، وقد خفا عليهما السلام في همة لتنفيذ أمر الله بالبناء والتطهير وهما يدعوان الله سبحانه في توسل من أجل أن يتقبل منهما وأنم يجعل من نسلهما أمة مسلمة قانتة لله ، وأن يبعث في عقبهما رسولا يعلم الناس الكتاب والحكمة .

وفي السورة دحض لمقالة اليهود والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم وعقبه من النبيين كانوا منهم ، والآيات تبين في غير لبس أن هؤلاء النبيين جميعا كانوا على ملة التوحيد وكلمة الإخلاص لله ، وأنهم ليسوا من اليهود أو النصارى لما كان عليه هؤلاء من الشرك والزيغ عن صراط الله المستقيم .

وفي السورة إيذان بتحويل القبلة شطر المسجد الحرام ليتوجه المؤمنون بتواصيهم وأفئدتهم شطره وذلك في خشوع وامتثال لأمر الله سبحانه .

وفيها حض على الصبر والاحتمال عند وقوع المصائب كيفما كانت وعلى المؤمنين الصابرين صلوات من الله ورحمة لأن الله مع الصابرين .

وفيها إظهار لشعيرتين من شعائر الحج وهما الصفا والمروة ، وما يعقب ذلك من بيان شرعي لكيفية الاعتمار والتطواف ، وغير ذلك من أفعال الحج أو العمرة .

وفيها تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله إلا أن يكون الآكل مضطرا فليس هو بالباغي ولا العادي .

وفيها توضيح لحقيقة البر وهو أنه لا يتحقق في مظاهر شكلية يحددها أن تولى الوجوه نحو الشرق والغرب ، ولكن البر في حقيقته يتمثل في حسن المقصود وفي تمام العمل ، أما حسن المقصود : فهو إنما يتم عن طريق الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين ، وتلك هي أركان الإيمان في عقيدة الإسلام ، وأما تمام العمل فهو يتحقق في أسباب كثيرة منها : إيتاء المال للذين يحيق بهم ضيق أو خلة من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، ومن تمام العمل كذلك ، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس .

وسوف يرد بيان مفصل لمثل هذه الكلمات أو المسائل عند التفصيل إن شاء الله .

وفيها الحكم بالقصاص في القتلى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، وما يقتضيه ذلك من تفصيلات فقهية يمكن أن نقررها في موضعها بشيء من التفصيل .

وفيها حكم الوصية بالمال للوالدين والأقربين ، وهو حكم منسوخ على ما سوف نعلم في موضعه .

وكذلك قد وردت في السورة فريضة الصوم الذي كان قد فرض على من سبق هذه الأمة من الأمم الحالية ، وثمة أحكام شرعية تتعلق بالصوم من حيث الرخصة بالإفطار وغير ذلك من أحكام تفصيلية ، فضلا عن التنويه الظاهر بشهر رمضان العظيم الذي أنزل الله فيه القرآن ليكون ( هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ( .

وفي السورة تحريض للمؤمنين على قتال الكافرين المعتدين ، وذلك من أجل أن يقتلوهم حيث ثقفوهم وأن يخرجوهم من حيث أخرجوهم ، لأن الفتنة بما يبعد المؤمنين عن دينهم لهي أشد من القتل نفسه ، وقاعدة الإسلام في مفهوم القتال ألا تكون هناك فتنة في الأرض تحول بين الناس ودين الله ، وحتى يكون الدين لله وهو أن يهيمن الإسلام على ما سواه من شرائع وملل .

وفي السورة كذلك بعض أحكام الحج الذي يتأذى في أشهر معلومات لا مصاغ لوقوع شيء من رفث أو فسوق فيهن ، ومن أحكامه كذلك الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام إلى بقية أعمال الحج من أركان وشروط وسنن .

وتعرض السورة لفريق من المنافقين الذين يعجب السامع لأقوالهم وهي تتعزز بفيض من الإيمان والشهادة لله بأنهم صادقون ، لكنهم في الحقيقة طغمة من البشر المخادع الكاذب ، البشر المنافق الذي ينطلق في الأرض ليعبث فيها فسادا وتخريبا .

وتعرض السورة كذلك للكافرين الذين زينت لهم الدنيا فانفلتوا عن صراط الله إلى حيث الضلال والشهوات والفسق ، وفوق ذلك فقد مضى هؤلاء في خط الشيطان وهم يسخرون من المؤمنين .

وفي السورة تبيين لحقيقة التصور الديني الذي أساسه الوحي ، وحقيقة هذا التصور أن المجتمعات أساسا كانت على ملة ربانية واحدة تقوم على الفطرة والتوحيد ، وقد نيط بالنبيين المرسلين وظيفة التبليغ ليكونوا مبشرين ومنذرين فانقسم الناس إلى طرائق شتى تتردد بين الكفر والإيمان والنفاق على تفاوت .

وتذكر السورة أن دخول الجنة إنما يكون مسبوقا بامتحان عسير في الدنيا مثلما أصاب المؤمنين السابقين الذين مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى لجوا إلى الله ضارعين إليه بالإخلاص والنصر .

وأوجبت السورة فريضة القتال وهو كره للناس ، لكنه لسوف يؤول بالتالي إلى السلامة والخير بما يحقق للناس الأمن والرخاء ، حتى إن القتال في الشهر الحرام مشروع إذا ما قوتل فيه المسلمون .

والقتال في الشهر الحرام كبير لكن الأشد منه فظاعة أن يكون ثمة صد عن سبيل الله وكفر بالله والمسجد الحرام ثم إخراج أهله منه ظلما وعدوانا .

وتعرض السورة لجملة أحكام تتعلق بانحلال الزوجية منها : الإيلاء وقد أبطل القرآن ما كان شائعا بين العرب من قطيعة الرجل لزوجته إذا ما آلا عليها ألا يمسها ، بات هذا العرف الجاهلي منسوخا بحكم القرآن الذي حدد مدة الإيلاء بأربعة شهور فإما الرجوع بعدها إلى الحياة الزوجية وإما الطلاق .

ومنها كذلك الطلاق ، فإن وقع وجب على المطلقة أن تعتد ثلاثة قروء ليستطيع الرجل مراجعتها قبل أن تنتهي العدة على أن يكون ذلك كله بالمعروف .

وقد أرست الآية في هذا الصدد حكما ينبغي أن يسري في حياة المجتمعات وهو : أن للرجال على النساء درجة وهي القوامة المسؤولية على ما سنبينه في حينه إن شاء الله .

ثم أوردت السورة مهمة الوالدات في إرضاع الطفل كيلا يتضرر أو يشقى ، وهن يرضعن أولادهن حولين كاملين إن أردن الإرضاع على التمام ، والوالدون في ذلك ملتزمون بأداء النفقة للغذاء والكساء والإيواء وغيره من وجوه الإنفاق على أن يكون ذلك كله في حدود القدرة والإمكان .

وأوردت السورة أيضا الحكم حالة وفاة الأزواج ، فإن على الزوجات إذ ذاك أن تمتد عدتهن إلى أربعة أشهر وعشرة أيام ، وبعد انقضاء هذه المدة فهن حرائر في ابتغاء الزواج إن أردن .

وفي السورة بيان عن نكول بني إسرائيل عن القتال وقد تعدي عليهم ، مع أنهم قطعوا على أنفسهم عهدا موثقا بالقتال ، لكنهم لما كتب الله عليهم القتال نكلوا وتولوا عن فريضة الجهاد ولم يثبت للفاء العدو إلا القليل منهم .

وتعرض السورة لأعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي ، ولا جرم أن تكون هذه الآية عظيمة لما تتضمنه من معان وثيقة الصلة بالعقيدة نفسها ، وذلك شاهد من شواهد كثيرة تدل على إعجاز هذا الكتاب وأنه كلام رباني باهر .

آية الكرسي قصيرة من حيث المبنى والمظهر ، وهي كذلك قليلة من حيث الكلمات لكنها غزيرة العطاء والمضمون ، ووافية المعنى والمقصود بما يكشف عن ملامح جلية لعقيدة الإسلام بصورة عامة ، وعقيدة التوحيد على وجه الخصوص .

وفي السورة كذلك أنه ( لا إكراه في الدين( فقد استبان الحق وانجلت ظلمة الباطل والشرك فبزغ فجر الإسلام الذي ترتضيه العقول وتتملاه الطبائع السليمة .

وترد في السورة قصة النبي العظيم إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وهو يحاور الملك العاتي المتجبر الذي رفض الإقرار لله بالألوهية فاصطنعها لنفسه ، وقد حاجه إبراهيم في حوار صارم أسفر عن إفلاس هذا الملك الفاسد الضال الذي أصيب بالبهت بعد أن تخاذل وتقهقر ولم يستطع الرد أمام الحجة الصادعة القوية ، ثم ذلك الذي مر في طريقه على قرية قيل أنها بيت المقدس ، فألقاها هامدة خاوية على عروشها فتساءل في نفسه حائرا ( أنى يحي هذه الله بعد موتها( فقضى الله عليه بالموت مائة عام ثم بعثه ، ليكون بذلك آية للناس ، وليعلم أن الله قادر على بعث الموتى وأنه على كل شيء قدير .

ثم تعرض السورة للصدقات من حيث الصورة في الإعطاء على ضربين فإمام الإعطاء للفقراء علانية وإمام الإعطاء في كتمان ، وعلى أية حال فإن الإخفاء أفضل كي يكون في الإعلان أذية للفقراء أو إحراج .

والله جلت قدرته يوصي بالفقراء المحصرين الذين لا يستطيعون السفر والانتشار في الأرض طلبا للرزق ، وهذا الصنف من الناس يظل على الاستحياء والمروءة فلا يرتضي الهبوط إلى مذلة السؤال في إلحاف بما يخيل للناظر أن هؤلاء الناس أغنياء لما هم عليه من نزاهة وتعفف .

وفي السورة تنديد مروع بأكلة الربا ، أولئك الجشعون الذين يعيشون على السحت والذي لا يقومون من قبورهم إلا كالذي يقوم وقد أصابه مس ، والربا من كبائر الذنوب التي أغلظ عليها الإسلام في نكير مزلزل ، حتى إن الولاة الذين يلون أمور المسلمين مخولون بتجريد فريق من عساكر المسلمين لمحاربة هؤلاء الأكلة المجرمين ، وفي ذلك دلالة جلية تتكشف من خلالها فداحة الربا الذي لا يحتمل في تصور الإسلام أدنى لين أو تساهل .

وتحتوي سورة البقرة على أطول آية في كتاب الله وهي آية الدين ، فإذا تداين المسلمون فيما بينهم فقد بات مندوبا أن يكتبا هذا الدين ، وذلك من أجل التوثيق ولكي تصان الحقوق صونا فلا يأتي عليها النسيان أو النكران ، على أن يشهد كتاب الدين شهيدان من الرجال ، فإن لم يكونا رجلين فلا بأس أن يكون ثمة رجل شهيد وامرأتان أخريان تشهدان ، وعلى الشاهد أيا كان أي يؤدي الشهادة على وجهها الصحيح وألا يكتم ما أشهد نفسه عليه ، فإن كتم فإنه آثم قلبه وجزاؤه في حساب الله مرصود .

ويتحدث آخر السورة عن ربوبية الله الكبرى التي تغطي الكون كله ليكون كل شيء مملوكا له سبحانه غير أن يكون له في ذلك شريك .

ويتحدث كذلك عن أركان الإيمان في عقيدة الإسلام وهي أركان تتحقق في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وشأن المؤمنين المخلصين حيال هذه الأركان ألا يفرقوا بين أحد من رسل الله فلا يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين .

وأخيرا فإن السورة تتضمن إرساء لقاعدة دينية فاصلة تقوم على الموضوعية الكاملة التي تأنف من القسوة أو الحيف وهي أن الله لا يكلف أحدا من الناس إلا في حدود الطاقة والوسع ، وأن لكل نفس ما كسبت من الخير وصالح العمل ، وأن عليها ما اكتسبت من الإثم والخطيئة .

بيان تفصيلي للسورة

هذه السورة مدنية كلها باستثناء قوله تعالى ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ( فإن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن كما قبل ، وقد نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى .

وقيل في سورة البقرة : إنها من أوائل ما نزل من السماء على النبي في المدينة بعد الهجرة ، وثمة قول آخر بأنها أول ما نزل من القرآن في المدينة وهي سورة لا جرم أن تكون عظيمة في شأنها وقدرها ، عظيمة في مضامينها وما تتدفق به من روائع وأسرار سوف نقف منها على ما أمكن خلال التوضيح المفصل التالي مستعينين بالله مستمدين منه العون والقوة وهو حسبنا ونعم الوكيل .

بسم الله الرحمن الرحيم

( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( ثمة أقوال للمفسرين في الحروف المقطعة الواردة في أوائل بعض السور ، إلا أننا نعرض للحديث عنها هنا بإيجاز لنعاود الحديث عنها ثانية في سورة آل عمران .

فقد ذهب بعض أهل العلم من المفسرين واللغويين إلى أن المقصود بهذه الفواتح من الحروف المقطعة هو التحدي على نحو آكد في الكشف عن إعجاز القرآن وعن عجز العرب دونه وهم الراسخون في الفصاحة والبيان ، فقد تحدى الله في قرآنه العاجزين من أجل أن يأتوا بمثل هذا الكلام فنكصوا جميعا ، ويريد الله أن يبين للعرب على أعقابكم والذي عز عليكم أن تأتوا بمثل بعضه ، لهو كلام من جنس ما تتخاطبون به مما تتألف من حروف في مثل ( آلم ( وغيرها من حروف أخرى مقطعة تأتي فواتح للسور ، يوضح ذلك ويرجحه قوله بعد هذه الحروف المقطعة ( ذلك الكتاب ( أي أن هذه الحروف هي التي تؤلف هذا الكتاب ، أو أن هذا الكتاب من جنس كلام العرب ، وهو كلام أساسه الحرف المقطع المنفصل كالألف أو اللام أو الميم ، وذلك آكد في التحدي وأشد في إظهار الدلالة على أن هذا القرآن الكريم معجز وأنه لا تقوى مدارك الإنسان على أن تصطنع مثله .

وقيل : إن المشركين لما تواصوا فيما بينهم أن يعرضوا عن سماع القرآن ، وقالوا ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ( أراد الله أن يفاجئهم بما يثير فيهم الدهش ويحملهم على الانتباه والإصغاء ليسمعوا القرآن ، فأنزل الله هذه الحروف الفواتح لبعض السور .

وقيل إن هذه الحروف الفواتح لهي من أسرار الكتاب الحكيم ولا يقف على المراد منها أحد من الناس ، فهي علم مستور استأثر الله به وحده ، وهو قول الصحابة وغيرهم وهم في ذلك يحدوهم التورع والحيطة خشية التكلف أو الزلل .

فكانوا يؤثرون أن لا يخوضوا في تأويل هذه الحروف ، بل كانوا ينسبون حقيقة المراد بذلك الى الله فهو أعلم بالسر والمقصود .