سورة الأنعام سورة مكية وهي أول سورة مكية في ترتيب الصحف فسورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة كلها سورة مدنية أما سورة الأنعام فهي أول سورة مكية ، توضع في السبع الطوال من سور القرآن الكريم .
وقد جاءت عدة روايات تذكر فضل سورة الأنعام وتبين أنها نزلت جملة واحدة مشيعة بالملائكة .
قال الإمام الرازي في تفسيره ( مفاتيح الغيب ) :
( إن هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة . أحدهما : أنه نزلت دفعة واحدة والثاني : أنها شيعها ألفا من الملائكة والسبب في ذلك أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين ) .
قال العلماء : هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بني المتكلمون أصول الدين .
وعدد آيات سورة الأنعام ( 165 ) آية وعدد كلمتها ( 3053 ) كلمة .
سميت هذه السورة بسورة الأنعام ، والأنعام ذوات الخف والظلف : وهي الإبل والبقر والغنم بجميع أنواعها ، لأنها هي السورة التي عرضت لذكر الأنعام على تفصيل لم يرد في غيرها من السور ، فقد ورد ذكر الأنعام في مواضع كثيرة من القرآن عرضا ، أما سورة الأنعام ، فقد جاءت بحديث طويل عن الأنعام ، استغرق خمس عشرة آية ، من أول الآية 136 إلى آخر الآية 150 . وقد تناول الحديث عن الأنعام في هذه الآيات من السورة جوانب متعددة ، تتصل بعقائد المشركين فبينت السورة ما في عقائدهم من الخلل والفساد ، إذ كانوا يحرمون بعض الأنعام على أنفسهم ، ويجعلون قسما من الأنعام لآلهتهم وأصنامهم : وقسما لله ، ثم يجورون على القسم الذي جعلوه لله فيأخذون منه لأصنامهم .
نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من البعثة المحمدية ، أي عقب أمر النبي صلى الله عليه و آله وسلم أن يصدع بالدعوة ويعلنها للناس بعد أن أسر بها ثلاث سنين .
وتميزت الفترة التي نزلت فيها سورة الأنعام بقسوة المشركين وعنفهم في مقاومة الدعوة الإسلامية وإنكارها ، فقد بدأت الدعوة سرا ثم جهر النبي بدعوته في مكة ، ونزلت سورة الأنعام بعد الجهر بالدعوة بسنة واحدة ، فاستعرضت الأدلة على توحيد الله وقدرته ثم ساقت أدلة المشركين وشبههم فأبطلتها وفندتها .
وقد أخذ المشركون بالنجاح الذي صارت عليه دعوة الإسلام حتى استطاعت أن تستعلن بعد الخفاء ، وأن تتحدى في صوت عال ونداء جهير ، بعد أن كان المؤمنون بها يلجئون إلى الشعاب والأماكن البعيدة ليؤدوا صلاتهم ، ورأى المشركون أن محمدا ماض في إعلان دعوته وتلاوة ما أنزل عليه من الكتاب ، وفيه إنذار لهم وتنفيذ لمعتقداتهم وتسفيه لآرائهم ، وإنكار لآلهتهم ، وتهكم بأوثانهم وتقاليدهم البالية ، فكان منهم من يستمع للقرآن متأثرا بقوته أو متذوقا لبلاغته ، ومنهم من يبعد عنه خوفا منه . يومئذ واجهت دعوة الحق أعداءها مفسرة واضحة متحدية ، ووقف هؤلاء الأعداء مشدوهين مضطربين ، يشعرون في أعماق نفوسهم بصدقها وكذبهم ، ويترقبون يوما قريبا لانتصارها وانهزامهم ، ولا يجدون لهم حيلة إلا المكابرة والمعارضة المستميتة بما درجوا عليه من العقائد الباطلة ، وبادعائهم كذب الرسول ، وبزعمهم أن إرسال الرسل من البشر أمر لم يقع من قبل ، وأن الله لو شاء إبلاغ عباده شيئا لأنزل إليهم الملائكة ، وأنكر كفارة مكة البعث والدار الآخرة ، واستماتوا في الدفاع عن عقائدهم وآلهتهم ، ونسوا أن محمدا عاش فيهم عمرا طويلا لم يقل فيهم يوما قولة كاذبة ، ولم يخن فيهم يوما أمانة اؤتمن عليها ، وأنهم لذلك كانوا يلقبونه بالصادق الأمين .
ولكنهم فكروا فقط في أن الدعوة الجديدة يجب أن تموت في مهدها ، ويجب أن تكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس إلى البلاد والقبائل والشعوب .
ووجهت الدعوة الإسلامية بهذا النضال وتحملت جميع مقتضياته وأثقاله ، وكانت سورة الأنعام مثالا لتحقيق هذه الدعوة الإسلامية في هذه الفترة . فقد جمعت كل العقائد الصحيحة ، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين ، وتفنيد شبه الملحدين ، وإبطال العقائد الفاسدة ، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاضلة .
وضع العلماء ضوابط تميز السور المكية من المدنية ، واستنبطوا خصائص الأسلوب والموضوعات التي تناولتها كل مجموعة منها .
فمن خصائص السور المكية ما يأتي :
1- الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده وإثبات الرسالة وإثبات البعث والجزاء وذكر القيامة وهولها والنار وعذابها والجنة ونعيمها ، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية والآيات الكونية .
2- وضع الأسس العامة للفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع ، وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء . وأكل أموال اليتامى ظلما ، ووأد البنات ، وما كانوا عليه من سوء العادات .
3- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا للكافرين حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم ، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يصبر على أذاهم ويطمئن على الانتصار عليهم .
4- قصر الفواصل مع قوة الألفاظ ، وإيجاز العبارة ، بما يصخ الآذان ويشتد قرعه على المسامع ، وينبه القلوب ويحرك الأفئدة .
ومن خصائص السور المدنية ما يأتي :
1- بيان العبادات والمعاملات ، والحدود ، ونظام الأسرة ، والمواريث ، وفضيلة الجهاد ، والصلات الاجتماعية ، والعلاقات الدولية في السلم والحرب وقواعد الحكم ومسائل التشريع .
2- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ودعوتهم إلى السلام ، وبيان تحريفهم لكتب الله ، وتجنيهم على الحق ، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم .
3- الكشف عن سلوك المنافقين ، وتحليل نفسيتهم ، وإزاحة الستار عن خباياهم ، وبيان خطرهم على الدين .
4- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضح أهدافها .
5- خصائص السور المكية واضحة في سورة الأنعام :
( سورة الأنعام مثل كامل للخصائص المكية ، إنها حشد من الصور الفنية العجيبة واللمسات الوجدانية الموحية ، والمنطق الطبيعي الحي . . وهي كلها من أولها إلى آخرها تنبض بإيقاع واحد ، وتترقرق بماء واحد وتفيض بينبوع زاخر متدفق ) ( 51 ) .
( إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة ، بكل مقوماتها وبكل مكوناتها ، وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية وتطوف بها في الوجود كله ، وراء ينابيع الحقيقة وموحياتها المستترة والظاهرة في هذا الوجود الكبير . . إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض ، تلحظ الظلمات فيها والنور ، وترقب الشمس والنجوم ، وتسرح في الجنات المعروشة وغير المعروشة ، والحياة الباطلة والجارية ، وتقف على مصارع الأمم الخالية ، وآثارها البائدة والباقية ، ثم تسبح مع ظلمات البحر والبر وأسرار الغيب والنفس ، والحي يخرج من الميت والميت يخرج من الحي ومع الحبة المستكنة في ظلام الأرض ، والنطفة المستكنة في ظلام الرحم . ثم تموج بالجن والأنس ، والطير والوحش ، والأولين والآخرين والاحياء والأموات ، والحفظة من الملائكة على النفس بالليل والنهار .
إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس ، و أقطار الحس ، وأقطار اللمس وأقطار الخيال . . ثم إنها اللمسات المبدعة المحببة ، التي تنتفض المشاهد بعدها والمعاني أحياء تمرح في النفس والخيال . وإذا كل مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر جديد نابض كأنما تتلقاه النفس أول مرة ، ولم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان . إلا أنها القدرة المبدعة تتبدى في صورة من صورها الكثيرة فما يقدر على بث الحياة هكذا في الصور والمشاعر والمعاني إلا الله الذي بث في الوجود الحياة ( 52 ) .
6- الأغراض الرئيسية لسورة الأنعام :
إن الأغراض الرئيسية التي استهدفتها هذه السورة الكريمة هي تركيز العقائد الأساسية الثلاث التي كان المشركون يومئذ يتنازعون فيها ، وهذه العقائدة الأساسية هي :
أولا : توحيد الله . ويتصل بهذا إقامة الدليل على وحدة الألوهية ، بلفت النظر إلى آثار الربوبية ، وإلى صفات الله الخالق المتصرف ، كما يتصل بها إبطال عقيدة الشرك ، وشبهات المشركين ، وتقرير أن العبادة والتوجه والتحريم والتحليل ، إنما ترجع إلى الله .
ثانيا : الإيمان برسوله الذي أرسل ، وكتابه الذي أنزل ، وبيان وظيفة هذا الرسول ورد الشبهات التي تثار حول الوحي والرسالة .
ثالثا : الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء .
وسوف نتناول كل غرض من هذه الأغراض بالتوضيح :
لقد بدأت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى في كل دين وعلى لسان كل رسول ، تلك الحقيقة التي تؤمن بها الفطر السليمة ويدل عليها العالم بأرضه وسمائه . وما فيه من مخلوقات ناطقة
وصامته ظاهرة وخفية ، وما فيه من تحولات وتقلبات ونور وظلمات ؛ وهذه الحقيقة هي أن الإله الذي له ( الحمد ) المطلق والتنزيه الذي لا يحد هو الله ، لأنه هو الذي ( خلق ) وهو الذي ( جعل ) ؛ فالخلق إنشاء وإبداع ، والجعل تصريف وتقليب ، والعالم أجمع في دائرتيهما ؛ فلا ينفك شيء منه عن كلا هذين المظهرين : ( خلق ) و ( جعل ) ومقتضى ذلك أن المخلوق المجهول ، لايمكن أن يتسامى إلى مرتبة الخالق الجاعل فيعبد كما يعبد ؛ ويقصد كما يقصد ؛ ذلك هو مطلع السورة ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) . وكل ما جاء في هذه السورة إنما هو بيان وتفصيل ؛ أو تمثيل وتطبيق على هذه الحقيقة أحيانا بصفة مباشرة ، وأحيانا بوسائط تقرب أو تبعد .
وهذا هو المعنى الذي يعبر عنه بعض العلماء بأنه الحكم بتوحيد الألوهية استدلالا بوحدانية الربوبية ، وذلك في القرآن كثير فأول فاتحة الكتاب :
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب .
الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا .
ولو ذهبنا نتتبع هذا المعنى فأوغلنا في التتبع ، ورأينا الكثير من الآيات فإن هذا هو أصل الأديان كلها وهو الحقيقة الأولى كما تجلى ذلك في سورة الأنعام . وقد ساقت السورة عددا من الأدلة على توحيد الله ، فهي تلفت النظر إلى مظاهر الملك التام ، والسلطان القاهر في الخلق والتصرف الكامل ، والعلم المحيط فتقول :
قل لمن ما في السموات والأرض قل لله . ( الأنعام : 12 ) .
وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم . ( الأنعام : 13 ) .
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر و البحر . ( الأنعام : 59 ) .
وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار . ( الأنعام : 60 ) .
وهي تلفت النظر إلى ملكوت السموات والأرض ، وما خلق الله من شيء ، لأن هذا النظر لابد أن يثمر الإيمان بالله .
بل تلفت نظر الإنسان إلى نفسه ، ليتفكر في داخله كيف خلق ؟ وكيف يفكر وكيف يعيش وكيف يموت ؟
وبهذا تكون الحجة عامة لكل ذي عقل سليم وفطرة صافية وإخلاص في تطلب الحقيقة من دلائلها المبثوثة في آفاق السماوات والأرض ولذلك يقول جل شأنه :
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه كل شيء شهيد . ( فصلت 51 )
كما تحدثت سورة النعام عن الألوهية والربوبية ، ولفتت الناس إلى مظاهرهما في الخلق والتصرف والتدبير المحكم ، تحدثت عن حقيقة ثانية تنبني على الإيمان بهذه الحقيقة الأولى : ذلك أن من شأن الإله الرب أن يهدي عباده ويرشدهم إلى ما تصلح عليه أمورهم وتقوم عليه سعادتهم في دنياهم وأخراهم .
ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب لهداية الناس من الضلالة إلى الهدى وإخراجهم من الظلمات إلى النور .
وقد عينت سورة الأنعام بهذه الحقيقة ، فتحدثت في كثير من آياتها عن الوحي والرسالة من جوانب شتى ، بعضها يتصل بإثبات الوحي وبيان حكمته والرد على منكريه ، وبعضها يرجع إلى بيان ما هو من وظيفته ، وبعضها يتصل بموقف الناس أمام الرسالات الإلهية ، وبعضها يتعلق الآداب التي رسمها الله للرسول وما ينبغي أن يكون عليه سلوكه مع مخالفيه وموافقيه . قال تعالى :
وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . ( الأنعام : 19 ) .
وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين . ( الأنعام : 114 ) .
عرضت السورة لموقف المكذبين من الرسالة وبينت أن التكذيب سنة قديمة . فعلى الرسول أن يصبر ويصابر حتى لا يضيق صدره بتكذيبهم إياه ؛ ولا ييأس من هدايتهم . وبينت السورة حسن عاقبة المرسلين . وسوء عاقبة المكذبين قال تعالى :
قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله لقد جاءك من نبإ المرسلين . ( الأنعام : 34 ، 33 ) .
ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون . ( الأنعام : 10 ) .
نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
أثبت القرآن الوحي والرسالة ؛ ثم أثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل القاطع والحجة البالغة . فقد نشأ هذا النبي يتيما فقيرا أميا في بيئة مشركة جاهلة ؛ فمن أين له هذا الكتاب المحكم الذي اشتمل على مبادئ الإصلاح العالمي كلها ؟ والذي لم يستطع العلم في أزهى عصوره أن يهدم حقيقة من الحقائق التي جاء بها .
إن القرآن قد تحدى العرب ببلاغته وقوة بيانه فعجزوا عن الإتيان بمثله أو بعشر سور منه ؛ أو بسورة واحدة .
وقد تحدى القرآن الزمان كله بخلوده وصحته ؛ وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء . ( الأنعام : 91 ) .
نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمر الله رسوله أن يجهر بالدعوة وأن يعلن عن العقيدة الإلهية ويقرر حقيقة البعث والجزاء علنا أمام المشركين .
وقد سلكت سورة الأنعام طرقا شتى في الاستدلال على قضية البعث فقد استدلت عليه بخلق السموات والأرض في مقدمتها العنوانية :
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . ( الأنعام : 1 ) .
فمن خلق السموات والأرض بقدرته ، فهو قادر على إحياء الموتى وإعادة خلق الإنسان فخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
وكررت هذه الحقيقة وأكدت في آياتها بصور شتى فذكرت أن البعث حق ، وأن الله بيده الخلق والأمر والبدء والإعادة والحساب والجزاء قال تعالى :
ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه . ( الأنعام : 12 ) .
ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . ( الأنعام : 164 ) .
وقد لون القرآن في قضية البعث والجزاء واستدل عليها بعديد من الأدلة ، منها : أن الحكمة والعدل يقضيان بالحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما يقضيان بأن ينال المحسن إحسانه والمسيء إساءته حتى يطهر المسيء من دنس النفس ويكون أهلا لرحمة الله الكاملة ، وهذان شأنان هامان إذ كثيرا ما يرتحل الناس عن الدنيا دون أن يسهل طريق النقاء لمن دسى نفسه ، ودون أن يعرفوا الحق فيما اختلفوا فيه وإذن فلا بد من دار أخرى يلقى الإنسان فيها الجزاء أمام حاكم عادل عليم خبير بكل ما قدم الإنسان .
وقد تعرض أحد القضاة الفرنسيين لتاريخ القضاء في فرنسا وأصدر كتابا فيه عديدا من الحالات حكم فيها بالإعدام أو الإدانة على متهمين ثم برأتها الأيام والحقائق ، وأحصى عديدا من الحالات برأ القضاء فيها متهمين ثم أثبتت الأيام وحقائق الأحداث أنهم مدانون .
ثم عقب القاضي بقوله : إنه لابد من جزاء وحساب أمام قاض آخر لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه حادثة في دار أخرى ليعوض الناس عن أخطاء القضاء في الدنيا وليكون حكمه فيصلا ومنصفا للمظلمومين ورادعا للمجرمين .
وفي القرآن الكريم آيات عدة تؤكد هذا المعنى ، قال تعالى :
ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون . ( الأنعام : 70 ) .
أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . ( الجاثية : 21 ) .
وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون . ( الأنعام : ( 32 ) .
وقد لون القرآن ونوع في أدلته على إثبات البعث ، وعرض مشاهد القيامة واضحة للعيان . وعرضت سورة الأنعام لشأن البعث باعتباره أمرا كائنا ليس موضع إنكار ، ولا محلا لريب وصورت فيه موقف المشركين وما سيكونون عليه في ذلك اليوم كأنهم حاضرون معرضون أمام الناس يتأملهم الإنسان ويرى فعلهم وقولهم : قال تعالى :
ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين . أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون . ( الأنعام : 22 – 23 ) .
و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون . ( الأنعام : 94 ) .
إلى غير ذلك مما تضمنته السورة من الوصف العيني لمظاهر البعث الذي يأخذ القلب وينير الوجدان .
حفلت سورة الأنعام بذكر طرف من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام ، فإبراهيم أبو الأنبياء ، والرسول الذي دافع عن التوحيد وتحدى عباد الأصنام ، وأخذ يتأمل بفكره في ملكوت السماوات والأرض ، ليرشد قومه عن طريق الحوار إلى فساد اعتقادهم ودليل خطئهم في تأليه الكواكب والقمر والشمس وغيرها . جن عليه الليل وستره الظلام فرأى كوكبا مما يعبدون وهو بين جماعة منهم يتحدثون ويسمرون فجاراهم في زعمهم وحكى قولهم فقال هذا ربي فلما أفل هذا الكوكب . وغاب هذا النجم تحت الأفق تفقده فلم يجده وبحث عنه فلم يره فقال لا أحب الآلهة المتغيرة من حال إلى حال .
ولما رأى القمر بازغا وهو أسطع نورا من ذلك الكوكب وأكبر منه حجما وأكثر نفعا قال :
هذا ربي . استدراجا لهم واستهواء لقلوبهم ، فلما أفل هذا أيضا واحتجب ، واختفى نوره واستتر قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . ( الأنعام : 77 ) .
بين لهم أن الله مصدر الهداية ، ومانح التوفيق عند الشك والحيرة . ثم رأى إبراهيم الشمس بازغة يتألق نورها وينبعث منها شعاعها وقد كست الدنيا جمالا و ملأت الأرض حياة وبهاء ، وأرجاء الكون نورا وضياء ، فقال : هذا ربي ، هذا أكبر من كل الكواكب ، وأكثر نفعا وأجل شأنا ، فلما أفلت كغيرها ، وغابت عن عبادها ، رماهم بالشرك وقال :
إني بريء مما تشركون . فهذه الكواكب التي تنتقل من مكان إلى مكان وتتحول من حال إلى حال لابد لها من خالق يدبرها ويحركها وإله ينظمها ويسيرها ، فهي لا تستحق عبادة ولا تعظيما .
وبعد أن أعلن إبراهيم انصرافه عن آلهتهم ، وبراءته من معبوداتهم أفاض الحديث عن إخلاصه لله بعبادته وخضوعه فقال :
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . ( الأنعام : 79 ) .
ولقد كان إبراهيم جريئا في إعلان إيمانه ، وإخلاصه لربه ، ومجادلة قومه وإفهامهم أن غير الله لا ينفع ولا يضر . وإن الله وحده هو النافع الضار ، والمعطي المانع ، وهو على كل شيء قدير . وقد ناقش إبراهيم أباه ، وأوضح له طريق الهدى ، وأخلص الدعاء لأبيه أن يلهمه الله طريق الهداية والرشاد ، فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه . وهكذا كان إبراهيم عمليا في دعوته ، عمليا في هجرته وعزلته .
وقد ظهرت قدرة إبراهيم وإخلاصه وتضحيته ، حين حطم الأصنام ، ولام قومه على عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع ، وظهرت بطولة إبراهيم حين امتحنه الله بذبح ولده إسماعيل ، فامتثل إبراهيم لأمر ربه وخاطب ابنه قائلا :
يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر سيجدني إن شاء الله من الصابرين . ( الصافات : 102 ) .
وصدق الأب في طاعة ربه ، وصدق الابن في الوفاء والامتثال ، وعزم الأب على ذبح ابنه وأخلص النية ، فلما رأى الله منه صدق النية فدى إسماعيل بكبش عظيم وأصبحت الأضحية سنة في كل عام ، يذبحها الغني المقتدر ويوزع من لحمها على الفقراء وعلى الأصدقاء ، ذكرى للتضحية والفداء . واقتداء بإبراهيم الخليل ، وكم لإبراهيم من مواقف جليلة عظيمة في مصر ، وفي فلسطين ، وفي جوار بيت الله الحرام ، وفي بناء الكعبة وهو يخلص الدعاء لله في كل عمل . وقد مدحه القرآن ووصفه بأحسن الصفات إذ يقول جل جلاله :
إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين . ( النحل : 120 ) .
افتتح الربع الأخير من سور الأنعام بالدعوة إلى عشر وصايا هي النهي عن الإشراك بالله ، والأمر بالإحسان إلى الوالدين ، والنهي عن قتل الأولاد مخافة الحاجة ، والنهي عن مقاربة الفاحشة في السر أو العلن ، والنهي عن قتل النفس التي حرم الله قتلها . ثم أمرت الآيات بالإحسان إلى اليتيم وإتمام الكيل والميزان ، كما أمرت بالعدل في كل شيء وأمرت بالوفاء بالعهد والاستقامة على الصراط القويم .
الوصية الأولى : من هذه الوصايا العشر التي وردت بسورة الأنعام هي قوله تعالى :
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا . ( الأنعام : 151 ) .
وهي الأساس الذي يصلح عليه أمر الناس ، فإن المجتمع الذي يقوم على إيثار الله على كل ما سواه هو المجتمع الفاضل المثالي السعيد ، أما المجتمع الذي يشرك بالله أحدا ويشرك بالله شيئا ، فإنه مجتمع منحل ، تسيره المادة الصماء التي لا روح فيها ولا صلاح ولا قرار معها .
والوصية الثانية : وبالوالدين إحسانا . ( الأنعام : 151 ) .
فالوالدان سبب في حياة الولد فيجب أن يشركهما ويحسن إليهما خصوصا في حالة الكبر والشيخوخة .
والوصية الثالثة : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم . ( الأنعام : 153 ) .
إن قتل الإنسان لابنه اعتلال في الطبع أو خلل في العقل ، فإن الولد بضعة من الوالد ، والشأن حتى في الحيوان أن يضحي الوالد من أجل أولاده ويحميهم ويتحمل الصعب في سبيلهم ، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن من أكبر الكبائر أن قتل ولدك خشية ان يأكل معك ) ( 53 ){[1]} إذ أن الله يبسط الرزق لمن يشاء : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . ( هود : 6 ) .
الوصية الرابعة : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( الأنعام : 151 ) .
الفواحش هي كل فعل تنكره العقول السليمة والفطر المستقيمية ، والمجتمع الذي يؤمن بأن هناك ( فواحش ) يجب أن تجتنب و ( محاسن ) يجب أن تلتمس هو المجتمع السليم الجدير بالنمو والإرتقاء .
الوصية الخامسة : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . ( الأنعام : 151 ) .
فالإنسان بنيان الله ، ومن هدم بنيان الله ملعون ، وبذلك يقرر الإسلام عصمة الدم الإنساني إلا بالحق ، ويعتبر من يعتدي على نفس واحدة بغير حق كأنه اعتدى على الإنسانية كلها . وهو المبدأ الذي يعتبر أن الجريمة اعتداء على المجتمع كله .
الوصية السادسة : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن . ( الأنعام : 152 ) .
فاليتيم عارض يعرض في كل مجتمع ، ومن شأن المجتمعات الناضجة أن ترعى اليتامى وأن تحافظ على صلاحهم في أنفسهم وفي أموالهم . و على الواصي أن يعامل اليتيم كما لو كان إبنا من أبناءه فيحسن توجيهه وتأديبه ورعايته وكفالته حتى ينشأ اليتيم مواطنا صالحا وعضوا نافعا .
الوصية السابعة : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط . ( الأنعام : 152 ) .
المؤمن عادل في بيعه وشرائه يضبط الكيل ويعطي الحق ويأخذ الحق .
الوصية الثامنة : وإذا قمتم فاعدلوا ( الأنعام : 152 ) .
والعدل هو أساس الحكم السليم ، العدل في القول ، والعدل في الحكم ، والعدل في الشهادة ، والعدل في كل فعل وعمل .
الوصية التاسعة : وبعهد الله أوفوا ( الأنعام : 152 ) .
الوفاء خلة حميدة ، وصفة طيبة من الصفات التي يتحقق بها الخير والصلاح وتستقر عليه أمور الناس .
الوصية العاشرة : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . ( الأنعام : 153 ) .
وهذه الوصية الأخيرة هي الجامعة لكل ما جاءت به دعوة الحق فهي تدعوا إلى السير على طريق الله وشريعة الله ، وأوامر الله ، والابتعاد عن طريق الشيطان ، وطريق الله سبيل النجاح في الدنيا والآخرة ، وفي سورة الفاتحة : اهدنا الصراط المستقيم .
ثم الذين كفروا بربهم يعدلون : أي يسوون به غيره ، تعالى الله عن ذلك .
1- الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور . . . الآية . الثناء الجميل والحمد كله مستحق لله تعالى ، الذي أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة ، وظاهرة وخافية وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات .
وجعل الظلمات والنور . أي جعل الله ظلام الليل ليكون سكنا . وجعل نور النهار ليكون مجال نشاط الناس وسر الحياة لزروعهم وحيواناتهم .
ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . أي بعد هذا الخلق الكبير في خلق السماء وما أضلت ، وخلق الأرضين وما أقلت ، وتسخير الليل والنهار ، فإن الذين كفروا يشركون بالله ، ويعدلون به ويساوون به ما لا يقدر على شيء وهذا نهاية الحمق .
وقد بدأت خمس سور بالحمد لله . وهي : سورة الفاتحة ، وسورة الأنعام ، وسورة الكهف وسورة سبأ ، وسورة فاطر .
فأول سورة الفاتحة : الحمد لله رب العالمين .
وأول سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور .
وأول سورة الكهف : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا
وأول سورة سبأ : الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير .
وأول سورة فاطر : الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير .
هذه السورة مكية . وهي تتضمن فيضا من المعاني والمواعظ والمشاهد والحقائق بما يرسخ في الواقع البشري عقيدة التوحيد وحقيقة الألوهية المطلقة الكبرى لله وحده . وذلك في الواقع كله مبدوء بالثناء الأكبر من الله على ذاته العظيمة ، إذ خلق العالمين جميعا وخلق كل شيء في هذا الكون الواسع . سواء في ذلك الأحياء والجوامد والكائنات جميعا . وتتضمن السورة تنديدا بالمشركين الذين أعرضوا عن آيات الله وما فيها من حجج ودلائل . والذين لجوا في كفرهم لجوجا فسقطوا في الضلالة وفرط الجحدود حتى إنهم لو رأوا كتاب الله يتنزل عليهم من السماء في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقالوا مكابرين معاندين : { إن هذا إلا سحر مبين } وقالوا أشد من ذلك ، إذ سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل معه من السماء ملك يشهد له بصدق نبوته . وتتضمن السورة أيضا تحنانا من الله لرسوله الكريم بما يخفف عن نفسه وطأة الحزن والاغتمام كيلا يأسى عليهم كثيرا . فيعلمه ربه أنه قد استهزئ برسل آخرين من قبله فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يتخذونه من قبل هزوا . وفي السورة يأمر الله نبيه الكريم أن يسأل قومه المشركين الضالين عن أعظم الشاهدين له بصدق ما أنيط به من النبوة والرسالة ، ليقرر بعد ذلك أن الله هو الشاهد له على أنه الحق وأنه مرسل من ربه ، يأتيه الوحي من السماء وكفى بالله شهيدا . وفي السورة بيان عن حال المشركين يوم القيامة حين يجمعهم الله مقهورين أذلة في أرض المحشر ليلاقوا الويل وضروب العذاب . وهنالك يسألهم الله وملائكته عن الشركاء الذين اصطنعوهم في الدنيا ليعبدوهم مع الله فينكرون أنهم فعلوا ذلك ، ينكرون أنهم كانوا مشركين { قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } .
وفي السورة إخبار عن أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كان يدفع الأذى عن رسول الله ويرد عنه كيد المشركين المعتدين إذا ما أرادوا أن ينالوا منه نيلا . لكنه مع ذلك كان ينأى بنفسه عن الدخول في الإسلام . وهو مقتضى قوله تعالى : { وهم ينهون عنه وينئون عنه } .
وفي السورة تزهيد للإنسان في الحياة الدنيا ، فما هي إلا لهو ولعب ، إذ تنشغل بها القلوب والأذهان عن طاعة الله وعن التوجه إلى جنابه . ولا جرم أن الدنيا دار زوال وفناء وإنما البقاء والديمومة في دار القرار ، وهي الآخرة . وتتضمن السورة كذلك تسلية لرسول الله ، إذ أعرض عنه المشركون وكذبوا دعوته وأنكروا نبوته ، فبين الله له أن هؤلاء لا يكذبونك أنت ولكنهم يكذبون الله الذي أوحى إليك . وذلك هو شأن النبيين من قبلك ، إذ كذبتهم أممهم فصبروا على أذاهم وتكذيبهم . ويندد الله بسؤال المشركين للنبي أن يطرد من حوله من المؤمنين الضعفاء كصهيب وعمار وبلال وسلمان كيما يجلسوا هم إليه ويحادثوه . وأنى لرسول الله أن يطرد هؤلاء المؤمنين الكرام الذين بادروا بالتصديق والطاعة .
وتتضمن السورة كذلك ذكرا مستفيضا لحقيقة هائلة من الحقائق الكبريات في هذا الكون . وهي مفتاح الغيب كلها عند الله سبحانه . فهو العليم بالأشياء كافة لدى حدوثها ومن قبل أن تحدث . فما من غيب خفي مستور ولا حدث ولا خبر ، هين أو جلل إلا هو في علم الله وإحاطته .
وفي السورة تحذير من القعود في مقاعد الذين يتناولون الإسلام بالسوء والطعن من الأشقياء والسفهاء والفاسقين . فإن علم المؤمن أنه لا يملك القدرة على التصدي لمثل هؤلاء الضالين الفجرة الذين يتطاولون على الإسلام بالشتائم والسخرية أو الاستخفاف والغمز فلا مساغ له بعد ذلك أن يقعد هذا المقعد . ولا مساغ له كذلك أن يجالسهم أو يحادثهم وهم يخوضون في آيات الله بالسخرية وبالبذيء من القول وهو ساكت واجم لا يريم ولا ينبس .
وفي السورة قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أبيه وقومه بعد أن ظن أن الكوكب ربه . وكذا الشمس . حتى إذا استبان له وجه الحق أبلج أيقن أن الله وحده بيده ملكوت كل شيء وهو الذي فطر السموات والأرض . فهو القاهر القادر الذي عنت له الوجوه ، وخشعت له القلوب ولانت له الجوانح والجوارح .
إلى غير ذلك من المعاني الكبيرة والجليلة التي حوتها هذه السورة العظيمة .
هذه السورة العظيمة مكية في جملتها . وهي أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين . وفيها من أصول العقيدة الثابتة ما تجلى من خلاله بنيان هذا الدين الكبير وما قام عليه من أصول وقيم وتصورات وقد أنزلت هذه السورة ليلا جملة واحدة ومن حولها الملائكة يجأرون بالتسبيح مشيعين . وفي هذا أخرج الحاكم في مستدركه عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق " .
قوله تعالى : { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .
الحمد معناه الثناء . ومنه معنى التعجب والتعظيم للممدوح والخضوع من المادح . فهو أعم من الشكر الذي لا يكون إلا في مقابلة الصنيع{[1114]} .
فقد بدأ الله هذه السورة بالحمد على نفسه الكريمة تقديسا لذاته وتعظيما لجلاله وترسيخا للحقيقة الكبرى وهي الألوهية ليرسو في الأذهان والقلوب أن التعظيم الأكبر إنما يكون لله وحده دون أحد من خلقه .
قوله : { الذي خلق السموت والأرض } الله تعالى حقيق بالمدح الكامل ودوام الثناء لما امتن به على الكون من أنعم وخوارق وعجائب تدير الرأس وتثير الدهش وتبعث على البهر الغامر . ومن جملة ذلك كله خلق السموات والأرض ، على هذه الكيفية الدقيقة الرتيبة المنتظمة . السموات العظام الطباق العلى وما فيهن من أجرام وأنجم وكواكب تمور في أفلاكها الدائرة مورا . وذلك في حركة دائبة مقدورة لا تهدأ إلا أن تحين ساعة الفناء . لا جرم أن ما بثه الله في السموات من خلائق وأشياء كاثرة مبثوثة في أرجاء هذا الكون المعمور ينطق بعظمة الخالق المبدع المقتدر .
الخالق البارئ المتفرد بالألوهية ، المتعالي على الكائنات . وكذلك الأرض وما فيها من عجائب التركيب المنسجم ، ما بين سهول منبسطة رداح ، وجبال رواسي شامخات ، وأبحر هادرة مائجة تثير الهول والوجوم ، وأنهر جارية منسابة عذاب تشق بطون السهول والوهاد من الأرض . إلى غير ذلك من عجائب المناخ واختلاف المواسم بطقوسها وفصولها المتفاوتة المتكاملة التي تسير وفق نظام فلكي مقدر لا يند ولا يتخلف { صنع الله الذي أتقن كل شيء } .
قوله : { وجعل الظلمت والنور } معطوف على { خلق السموت } وهو من جملة الإشعار بعلة الحمد . والظلمات مفعولة لقوله : { وجعل } وهو يتعدى إلى مفعول واحد ، بمعنى خلق{[1115]} . والجعل هنا بمعنى الخلق . وقد اختلفوا في معنى الظلمات والنور . فقد قيل : المراد بالظلمات سواد الليل . وبالنور ضياء النهار . وهو قول أكثر المفسرين . وقيل : معناه : الكفر والإيمان . وقيل : الضلال والهدى . والصحيح أن اللفظ يعم ذلك كله . وقد أفرد النور لشرفه . فهو واحد لا يتعدد ، لأنه الحق . وجمع الظلمات وهي كثيرة وذلك كقوله : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } .
قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } يعدلون ، أي يشركون به غيره . من العدل وهو التسوية . عدل الشيء بالشيء إذا ساواه به . أي يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه . فقد جعلوا لله عدلا وشريكا وهو سبحانه الذي خلق الأشياء كلها وقيل : يعدلون ، من العدل وهو العدول . أي الانصراف عن الإيمان بالله وحده . وقوله { ثم } في أول الآية ، تفيد الاستبعاد . أي استبعاد عدولهم عن الإيمان بالله وعن طاعته وحده بعد وضوح الدلائل على كمال قدرته . أو استبعاد أن يعدلوا بالله غيره من المخاليق الذين اتخذوهم شركاء مع الله .
وقيل : { ثم } ، هنا تفيد التوبيخ والتقبيح لهؤلاء الكافرين الضالين الذين يجعلون لله شريكا وهو الذي خلق كل شيء . فإنه بعد أن تبين لكل ذي لب وبصيرة أن الله خالق الأشياء جميعا ، وأن نعمه على الكون لا تحصى عددا . فإنه مع ذلك كله يتخذ الظالمون المشركون عدلا يعبدونه من دون الله .