سماع اسم الله يوجب الهيبة ، ( والهيبة ) تتضمن الفناء والغيبة ، وسماع الرحمان الرحيم يوجب الحضور والأوبة ، والحضور يتضمن البقاء والقربة .
فمن أسمعه " بسم الله " أدهشه في كشف جلاله ، ومن أسمعه " الرحمان الرحيم " عيشه بلطف أفضاله .
" يا " حرف نداء ، و " أي " اسم منادى ، " ها " تنبيه و { الَّذِينَ آمَنُوا } صلة المنادى . ناداهم قبل أن بداهم ، وسمَّاهم قبل أن يراهم ، وأَهَّلهم في آزالهِ لِمَا أوصلهم إليه في آباده .
شَرَّفهم بقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } وكلَّفهم بقوله { أوفوا } ولمَا عَلِمَ أن التكليف يوجب المشقة قَدَّم التشريف بالثناءِ على التكليف الموجِب للعناءِ .
ويقال الإيمانُ صنفان : أحدهما يشير إلى عين الجود ، والثاني إلى بذل المجهود . فَبَذْلُ المجهودِ خِدْمَتُك ، وعين الجود قِسْمَتُه ؛ فبخدمتك عناءُ الأشباح ، وبقسمته ضياءُ الأرواح .
وحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب .
ويقال { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } : يا مَنْ دخلوا في إيماني ، ما وصلتم إلا أَماني إلا بسابق إحساني . ويقال يا مَنْ فتحتُ بصيرتَهم لشهود حقي حتى لا يكونوا كمن أعرضتُ عنهم مِنْ خَلْقِي .
قوله جلّ ذكره : { أَوْفُوا بِالعُقُودِ } .
كُلُّ مُكلَّفٍ مُطَالَبٌ بالوفاء بعقده ، والعقد ، ما ألزمك بسابق إيجابه ، ثم وفَّقكَ -بعدما أظهرك عند خطابه - بجوابه ، فانبرم العقد بحصول الخطاب ، والقبول بالجواب .
ويدخل في ذلك - بل يلتحق به - ما عَقَدَ القلبُ معه سِرًّا بِسِرٍّ ؛ من خلوصٍ له أضمره ، أو شيء تبيَّنه ، أو معنًى كوشف به أو طولب به فقَبِله .
ويقال الوفاء بالعهد بصفاء القصد ، ولا يكون ذلك إلا بالتبرِّي من المُنَّة ، والتحقق بتولي الحق - سبحانه - بلطائف المِنَّة .
قوله جلّ ذكره : { أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .
تحليل بعض الحيوانات وإباحتها من غير جُرْم سَبَق منها ، وتحريم بعضها والمنع من ذبحها من غير طاعة حصلت منها - دليلٌ على ألاَّ عِلَّةَ لصنعه .
وحرَّم الصيد على المُحْرِم خصوصاً لأن المُحْرِمَ متجرِّدٌ عن نصيب نفسه بقصده إليه ، فالأليق بصفاته كَفُّ الأذى عن كل حيوان .
قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } .
لا حَجْرَ عليه في أفعاله ، فيخصُّ من يشاء بالنُّعْمى ، ويفرد من يشاء بالبلوى ؛ فهو يُمْضِي الأمور في آباده على حسب ما أراد وأخبر وقضى في آزاله .
سورة المائدة وهي مدنية ، آياتها مئة وعشرون ، وتسمى سورة العقود ، وسورة المنقذة . ومن أواخر القرآن نزولا . وتشتمل هذه السورة على بيان وجوب الوفاء بالعقود عامة ، سواء أكانت بين العبد وربه ، أم بين العبد وأخيه : مثل النكاح والصَداق والحَلف والمعاهدة والأمانة والوصية والوديعة والوكالة والإجارة . وقد تضمنت أحكاما شرعية منوعة : منها ما يتعلق بالحلال والحرام من الذبائح والصيد ، ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام في فترة الإحرام وفي المسجد الحرام . ومنها ما يتعلق بالطهارة والصلاة ، ومنها ما يتعلق بالقضاء وإقامة العدل ، بين المسلمين ومع العدو . ومنها ما يتعلق بالحدود في السرقة ، والخروج على الجماعة المسلمة ، ومنها ما يتعلق بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام . وقد نصت على تحريم الخمر تحريما قاطعا . وفي السورة من الآيات ما يتعلق بأمور كانت في الجاهلية كالبَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي من الأنعام . كما تضمنت السورة مناقشة اليهود والنصارى ، وقررت وجوب الحكم بما أنزل الله ، كما أوجب القصاص تهذيبا لطبيعة البشر ، ومنعا للظلم والشر . وأخيرا ، ختمت السورة بذكر المعجزات التي جرت على يد عيسى عليه السلام وكفر به وبها بنو إسرائيل .
إلى جانب هذه الأحكام الشرعية المتنوعة يجيء الأمر بالطاعة والتقيد بما شرعه الله وما أمر به ، والنهي عن التحريم والتحليل إلا بإذنه ، ويأتي النص الواضح على أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للناس بعد أن أكمله وأتم به نعمته .
ثم بعد ذلك كله يجيء بيان ملك الله سبحانه للسماوات والأرض وكمال قدرته . والقرآن الكريم له هدف كبير في بناء المجتمع الإسلامي ، ولذلك يخوض دائما معارك مع أعداء الإسلام ، وفي مقدمتهم اليهود والمشركون والمنافقون ، ولذلك نراه في هذه السورة يقرر بحسم في التعبير ، سواء في ذلك الأحكام الشرعية التي تقتضي بطبيعتها التقرير والحسم في القرآن كله ، أو المبادئ والتوجيهات التي قد تتخذ في غير هذه السورة صورا أخرى ، ولكنها هنا في هذه السورة تقرر في حسم وصرامة . وأسلوب التقرير الدقيق ، هو الطابع العام المميز لشخصية سورة المائدة هذه من بدئها إلى منتهاها .
العقد كل اتفاق بين اثنين فأكثر .
البهيمة : ما لا ينطق من الحيوان .
الأنعام : البقر والإبل والغنم وما أُحل من الحيوان البريّ .
حُرم : جمع حرام وهو المحرم بالحجّ أو لِعمرة .
يا أيها المؤمنون ، حافِظوا على الوفاء بالعقود التي بينكم وبين الله ، والعقود المشروعة التي بينكم وبين الناس . فعلى كل مؤمن أن يفي بما عقده وارتبط به من قول أو فعل . وكل عقد ، وكل وعد ، وكل عهد ، وكل ميثاق إنما هو عقد بين طرفين اللهُ ثالثهما ، فمن نقضَه فقد أخل بالوفاء مع ربه .
فالزواج عقد ، الوفاء به حُسن المعاشرة وتركُ المضارة . والبيع عقد ، والوفاء به عدم الغش وحُسن المعاملة . والوعد عقد ، والوفاء به إنجازه . . وهكذا سائر الاتفاقات التي تحمل بين طياتها حقوقها والتزامات .
إن هذا القرآن الكريم نُزّل على محمد لينشئ أمة ، وليقيم دولة ، وليربّي ضمائر وأخلاقاً وعقولا ، ولينظم مجتمعاً ويحدّد روابطه مع غيره من المجتمعات والأمم . ذلك هو الدين كما هو في حقيقته عند الله ، وكما عرفه المسلمون أيامَ كانوا مسلمين .
وقد أحلّ الله لكم أكل لحوم الأنعام من الإبل والبقر والغنم وجميع الحيوانات الوحشية إلا ما ورد النص بتحريمه .
ولا يجوز لكم صيدُ البّر إذا كنتم محرِمين بالحج أو العمرِِة ، أو كنتم داخل حدود الحرم . إن الله يستنّ ما يريد من الأحكام ، فهي تصلح شئونكم وتناسب مصالحكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.