هذا هو الاسم المشهور ، وفي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وهو معارض لما روي من منع ذلك وتعين أن يقال : السورة التي يذكر فيها البقرة ، وكذا في سور القرآن كله ، ومن ثمة أجاز الجمهور ذلك من غير كراهة ، ويمكن أن يوفق بأنه كان مكروها في بدء الإسلام لاستهزاء الكفار ، ثم بعد سطوع نوره نسخ النهي عنه فشاع من غير نكير ، وورد في الحديث بيانا لجوازه وقد تقدم بعض الكلام على هذا ، وكان خالد بن معدان يسميها فسطاط القرآن ، وورد في حديث مرفوع في مسند الفردوس ، وذلك لعظمها ولما جمع فيها من الأحكام التي لم تذكر في غيرها حتى قال بعض الأشياخ : إن فيها ألف أمر وألف نهي وألف خبر . قيل : وفيها خمسة عشر مثلا ، ولهذا أقام ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ثماني سنين على تعلمها ، وورد في حديث المستدرك تسميتها سنام القرآن وسنام كل شيء أعلاه ، وكأنه لذلك أيضا وروي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : أي القرآن أفضل ؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم . قال : سورة البقرة ، ثم قال : وأيها أفضل ؟ قالوا : الله ورسول أعلم ، قال : آية الكرسي .
وهي مدنية وآياتها مائتان وسبع وثمانون على المشهور ، وقيل ست وثمانون ، وفيها آخر آية نزلت ، وهي قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } وقد نزلت في حجة الوداع يوم النحر ، ولا تخرج بذلك عن كونها مدنية ، كما لا يخفى .
ووجه مناسبتها لسورة الفاتحة أن الفاتحة مشتملة على بيان الربوبية أولا والعبودية ثانيا وطلب الهداية في المقاصد الدينية والمطالب اليقينية ثالثا وكذا سورة البقرة مشتملة على بيان معرفة الرب أولا كما في { يؤمنون بالغيب } وأمثاله وعلى العبادات وما يتعلق بها ثانيا وعلى طلب ما يحتاج إليه في العاجل والآجل آخرا ، وأيضا في آخر الفاتحة طلب الهداية وفي أول البقرة إيماء إلى ذلك بقوله { هدى للمتقين } ولما افتتح سبحانه الفاتحة بالأمر الظاهر وكان وراء كل ظاهر باطن افتتح هذه السورة بما بطن سره وخفي إلا على من شاء الله تعالى أمره فقال سبحانه وتعالى : بسم الله الرحمن الرحيم { ألم } .
{ ألم } هي وسائر الألفاظ التي يتهجى بها كبا تا ثا أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي ركبت منها الكلمة لصدق حد الاسم المتفق عليه واعتوار خواصه المجمع عليها على كل منها ، ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه كيف تنطقون في الباء من ضرب والكاف من لك ؟ فقالوا : باء كاف ، فقال إنما جئتم بالاسم لا الحرف وأنا أقول به كه . وما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول : الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف » فالمراد به غير المصطلح إذ هو عرف جديد بل المعنى اللغوي وهو واحد حروف المباني ، فمعنى ألف حرف الخ مسمى ألف وهكذا ، ولعله صلى الله عليه وسلم سمى ذلك حرفاً باسم مدلوله ، فهو معنى حقيقي له وما قيل : إنه سماه حرفاً مجازاً لكونه اسم الحرف وإطلاق أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور ليس بشيء فإن أريد من { الم } مفتتح سورة الفيل يكون المراد أيضاً منه مسماه وتكون الحسنات ثلاثين ، وفائدة النفي دفع توهم أن يكون المراد بالحرف فيمن قرأ حرفا الكلمة وإن أريد نحو ما هنا فالمراد نفسه ويكون عدد الحسنات حينئذٍ تسعين ، وفائدة الاستئناف دفع أن يراد بالحرف الجملة المستقلة كما في «الإبانة » لأبي نصر عن ابن عباس قال : آخر حرف عارض به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم { الم ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 1 ، 2 ] والمعنى لا أقول : إن مجموع الأسماء الثلاثة حرف بل مسمى كل منها حرف ، وإنما لم يذكر تلك الحروف من حيث إنها أجزاء بأن يقابل( {[100]} ) ألف حرف ولام حرف تنبيهاً على أن المعتبر في عدد الحسنات الحروف المقروءة التي هي المسميات سواء كانت أجزاء لها أو لكلمات أخر لا من حيث إنها أجزاء لتلك الأسماء فيكون عدد الحسنات في نحو ضرب ثلاثين .
والحاصل أن الحروف المذكورة من حيث إنها مسميات تلك الأسماء أجزاء لجميع الكلم مفردة بقراءتها ، ومن حيث إنها أجزاء تلك الأسماء لا تكون مفردة إلا عند قراءة تلك الأسماء والمعتبر في عدد الحسنات الاعتبار الأول دون الثاني ذكر ذلك بعض المحققين ، ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة حيث جعلوا المسمى صدر كل اسم له كما قاله ابن جني وذلك ليكون تأديتها بالمسمى أول ما يقرع السمع ألا ترى أنك إذا قلت جيم فأول حروفه جيم وإذا قلت ألف فأول حروفه ألف التي نطقت بها همزة ولما لم يمكن للواضع أن يبتدئ بالألف التي هي مدة ساكنة دعمها باللام قبلها متحركة ليمكن الابتداء بها فقالوا لا كما يقوله المعلمون لام ألف فإنه خطأ( {[101]} ) وخص اللام بالدعامة لأنهم توصلوا إلى اللام بأختها في التعريف فكأنهم قصدوا ضرباً من المعاوضة ، فالألف هي أول حرف المعجم صورة الهمزة في الحقيقة ويضاهي هذا في إيداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحمدلة والحوقلة وتسمية النحاة نحتاً وحكم أسماء الحروف سكون الإعجاز ما لم تكن معمولة وهل هي معربة أم مبنية أم لا ولا خلاف مبني على الاختلاف في تفسير المعرب والمبني فالخلاف لفظي وللناس فيما يعشقون مذاهب .
والبحث مستوفى في كتبنا النحوية .
وقد كثر الكلام في شأن أوائل السور ، والذي أطبق عليه الأكثر وهو مذهب سيبويه وغيره من المتقدمين أنها أسماء لها وسميت بها إشعاراً بأنها كلمات معروفة التركيب ، فلو لم تكن وحياً من الله تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون معارضتها ، وذلك كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي وبصاد النحاس وبقاف الجبل ، واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل والتكلم بالزنجي مع العربي ، ولم يكن القرآن بأسره بياناً وهدى ولما أمكن التحدي به ، وإن كانت مفهمة فإما أن يراد بها السور التي هي مستهلها على أنها ألقابها بناءً على ذلك الإشعار أو غير ذلك ، والثاني باطل لأنه إما أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب وظاهر أنه ليس كذلك أو غيره وهو باطل لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين فلا يحمل على ما ليس في لغتهم وعورض بوجوه ، الأول : أنا نجد سوراً كثيرة افتتحت بألم وحم والمقصود رفع الاشتباه ، الثاني : لو كانت أسماء لوردت ولاشتهرت بها والشهرة بخلافها كسورة البقرة وآل عمران ، الثالث : أن العرب لم تتجاوز ما سموا به مجموع اسمين كبعلبك ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة ، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم ، الرابع : أنه يؤدي إلى اتحاد الاسم والمسمى ، الخامس : أن هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء بالرتبة واسم الشيء متأخر عنه فيلزم أن يكون متقدماً متأخراً معاً وهو محال ، وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد ، وعن الثاني بأنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم : " يس قلب القرآن ومن قرأ حم حفظ إلى أن يصبح " وفي السنن : «أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ( ص ) » وإذا ثبت في البعض ثبت في الجميع إذ لا فارق مع أن شهرة أحد العلمين لا يضر علمية الآخر فكم من مسمى لا يعرف اسمه إلا بعد التنقير لاشتهاره بغيره كأبي هريرة وذي اليدين وعدم اشتهار بعضها لكونه مشتركاً فترك لاحتياجه إلى ضميمة كألم هنا ، وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء مثلاً إنما تمتنع إذا ركبت وجعلت اسماً واحداً ، فأما إذا نثرت نثر أسماء الأعداد فلا لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى .
وقد وردت التسمية بثلاثة ألفاظ كشاب قرناها ، وسر من رأى ، ودارابجرد وسوى سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف المعجم ، وعن الرابع بأن هذه التسمية من تسمية مؤلف بمفرد والمفرد غير المؤلف فلا اتحاد ، ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفاً منه ومن غيره كصاد فهما متغايران ذاتاً وصفة ، وعن الخامس بأن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير مستحيل والجزء مقدم من حيث ذاته مؤخر من حيث وصفه وهو الاسمية فلا محذور ، وقال بعضهم : كونها أسماء الحروف المقطعة أقرب إلى التحقيق لظهوره وعدم التجوز فيه وسلامته مما يرد على غيره ولأنه الأمر المحقق وأوفق للطائف التنزيل لدلالته على الإعجاز قصداً ووقوع الاشتراك في الأعلام من واضع واحد فإنه يعود بالنقض على ما هو مقصود العلمية ، وكلام سيبويه وغيره ليس نصاً فيها لاحتمال أنهم أرادوا أنها جارية مجراها ، كما يقولون : قرأت بانت سعاد وقل هو الله أحد أي ما أوله ذلك ، فلما غلب جريانها على الألسنة صارت بمنزلة الأعلام الغالبة فذكرت في باب العلم وأثبتت لها أحكامه على أن ما ذكر في الاعتراض الثالث مما لا محيص عنه إذ عدم وجود التسمية بثلاثة أسماء وأربعة وخمسة في كلام العرب مما لا شك فيه وما نقل عن سيبويه مجرد قياس محتاج للإثبات كما ذكره السيد السند ، هذا ووراء هذين القولين أقوال أخشى من نقلها الملال ، والذي يغلب على الظن أن تحقيق ذلك علم مستور وسر محجوب عجزت العلماء كما قال ابن عباس عن إدراكه وقصرت خيول الخيال عن لحاقه ، ولهذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه : لكل كتاب سر وسر القرآن أوائل السور ، وقال الشعبي : سر الله تعالى فلا تطلبوه :
بين المحبين سر ليس يفشيه *** قول ولا قلم للخلق يحكيه
فلا يعرفه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الأولياء الورثة فهم يعرفونه من تلك الحضرة ، وقد تنطق لهم الحروف عما فيها كما كانت تنطق لمن سبح بكفه الحصى وكلمه الضب والظبي صلى الله عليه وسلم كما صح ذلك من رواية أجدادنا أهل البيت رضي الله تعالى عنهم بل متى جنى العبد ثمرة شجرة قرب النوافل علمها وغيرها بعلم الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وما ذكره المستدل سابقاً من أنه لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل الخ فمهمل من القول وإن جل قائله لأنه إن أراد إفهام جميع الناس فلا نسلم أنه موجود في العلمية وإن أراد إفهام المخاطب بها وهو هنا الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مما لا يشك فيه مؤمن وإن أراد جملة من الناس فيها حيهلا إذ أرباب الذوق يعرفونها وهم كثيرون في المحمديين والحمد لله .
نجوم سماء كلما انقض كوكب *** بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
وجهل أمثالنا بالمراد منها لا يضر فإن من الأفعال التي كلفنا بها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه كرمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة والرمل والاضطباع والطاعة في مثله على كمال الانقياد ونهاية التسليم فلم لا يجوز أن يأمرنا من لا يسئل عما يفعل جل شأنه بما لم نقف على معناه من الأقوال ويكون المقصود من ذلك ظهور كمال الانقياد من المأمور للآمر ونهاية التسليم والامتثال للحكيم القادر .
لو قال تيها : قف على جمر الغضى *** لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف
على أن فيه فائدة أخرى : هي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب ، وإذا لم يقف على المقصود منه مع القطع بأن المتكلم به حكيم ، فإنه يبقى قلبه منقلباً إليه أبداً ومتلفتاً نحوه سرمداً ومتفكراً فيه وطائراً إلى وكره بقدامى ذهنه وخوافيه ، وباب التكليف اشتغال السر بذكر المحبوب والتفكر فيه وفي كلامه فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة ومنة منه عليه جسيمة ربما يرقى بواسطتها إلى حظائر القدس ومعالم الأنس وأول العشق خيال وهذا لا ينافي كون القرآن عربياً مبيناً مثلاً لأنه بالنسبة إلى من علمت .
وأما التحدي فليس بجميع أجزائه وكون أول السورة مما ينبغي أن يكون مما يتحدى به غير مسلم ، ومن عجائب هذه الفواتح أنها نصف حروف المعجم على قول وهي موجودة في تسع وعشرين سورة عدد الحروف كلها على قول ، واشتملت على أنصاف أصنافها من المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة وقد تكلم الشيخ الأكبر قدس سره على سر عدد حروفها بالتكرار وعدد حروفها بغير تكرار وعلى جملتها في السور وعلى أن أفرادها في ( ص ) و( ق ) و( ن ) وتثنيتها في ( يس ) و( طه ) وأخواتهما وجمعها من ثلاثة فصاعداً ولم بلغت خمس حروف ولم وصل بعضها وقطع بعض ؟ فقال قدس سره في «فتوحاته » أعاد الله تعالى علينا من طيب نفحاته ما حصله : اعلم أن مبادئ السور المجهولة لا يعلم حقيقتها إلا أهل الصور المعقولة فجعلها تبارك وتعالى تسعاً وعشرين سورة وهو كمال الصورة { والقمر قدرناه مَنَازِلَ } [ يس : 9 3 ] والتاسع والعشرون القطب الذي به قوام الفلك وهو علة وجود وهو سورة آل عمران ( 1 ، 2 ){ الم الله } ولولا ذلك ما ثبتت الثمانية والعشرون وجملتها على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً فالثمانية حقيقة البضع قال صلى الله عليه وسلم : «الإيمان بضع وسبعون » وهذه الحروف ثمانية وسبعون فلا يكمل عبد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها كما أنه إذا علمها من غير تكرار علم تنبيه الله فيها على حقيقة الإيجاد وتفرد القديم سبحانه وتعالى بصفاته الأزلية فأرسلها في قرآنه أربعة عشر حرفاً مفردة مبهمة فجعل الثمانية لمعرفة الذات والسبع الصفات منا وجعل الأربعة للطبائع المؤلفة فجاءت اثنتا عشرة موجودة وهذا هو الإنسان من هذا الفلك ومن فلك آخر متركب من أحد عشر ومن عشرة ومن تسعة ومن ثمانية حتى يصل إلى فلك الاثنين ولا يتحلل إلى الأحدية أبداً فإنها مما انفرد بها الحق سبحانه ، ثم إنه تعالى جعل أولها الألف في الخط والهمزة في اللفظ وآخرها النون ، فالألف لوجود الذات على كمالها لأنها غير مفتقرة إلى حركة ، والنون لوجود الشطر من العالم وهو عالم التركيب وذلك نصف الدائرة الظاهرة لنا من الفلك والنصف الآخر النون المعقولة عليها التي لو ظهرت للحس وانتقلت إلى عالم الروح لكانت دائرة محيطة ، ولكن أخفى هذه النون الروحانية التي بها كمال الوجود وجعلت نقطة النون المحسوسة دالة عليها ، فالألف كاملة من جميع وجوهها والنون ناقصة فالشمس كاملة والقمر ناقص لأنه محو فصفة ضوئه معارة وهي الأمانة التي حملها وعلى قدر محوه وسراره إثباته وظهوره ثلاثة لثلاثة فثلاثة غروب القمر القلبي الإلهي في الحضرة الأحدية وثلاثة طلوع القمر القلبي الإلهي في الحضرة الربانية وما بينهما في الخروج والرجوع قدماً بقدم لا يختل أبداً ، ثم جعل سبحانه وتعالى هذه الحروف على مراتب منها موصول ومنها مقطوع ومنها مفرد ومثنى ومجموع ، ثم نبه أن في كل وصل قطعاً وليس في كل قطع وصل فكل وصل يدل على فصل وليس كل فصل يدل على وصل والوصل والفصل في الجمع وغير الجمع والفصل وحده في عين الفرق فما أفرده من هذا فإشارة إلى فناء رسم العبد أزلاً أو ما أثبته فإشارة إلى وجود رسم العبودية حالا وما جمعه فإشارة إلى الأبد بالموارد التي لا تتناهى والإفراد للبحر الأزلي والجمع للبحر الأبدي والمثنى للبرزخ المحمدي الإنساني والألف فيما نحن فيه إشارة إلى التوحيد والميم إشارة إلى الملك الذي لا يبيد واللام بينهما واسطة ليكون بينهما رابطة ، فانظر إلى السطر الذي يقع عليه الخط من اللام فتجد الألف إليه ينتهي أصلها وتجد الميم منه يبتدئ نشؤها ثم تنزل من أحسن تقويم وهو موضع السطر إلى أسفل سافلين منتهى تعريف الميم ونزول الألف إلى السطر مثل قوله : ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ) وهو أول عالم التركيب لأنه سماء آدم عليه السلام ويليه فلك النار فلذلك نزل إلى أول السطر فإنه سبحانه وتعالى نزل من مقام الأحدية إلى مقام الخليفة نزول تقدس وتنزيه لا نزول تمثيل وتشبيه ، وكانت اللام واسطة وهي نائبة مناب المكون والكون فهي القدرة التي عنها وجد العالم فأشبهت الألف في النزول إلى أول السطر ، ولما كانت ممتزجة من المكون والكون فإنه سبحانه وتعالى لا يتصف بالقدرة على نفسه وإنما هو قادر على خلقه فكان وجه القدرة مصروفاً إلى الخلق فلا بد من تعلقها بهم .
ولما كانت حقيقتها لا تتم بالوصول إلى السطر فتكون هي والألف على مرتبة واحدة طلبت بحقيقتها النزول تحت السطر أو عليه كما نزل الميم فنزلت إلى إيجاده ولم تتمكن أن تنزل على صورته فكان لا يوجد عنها إلا الميم فنزلت نصف دائرة حتى بلغت إلى السطر من غير الجهة التي نزلت منها فصارت نصف فلك محسوس تطلب نصف فلك معقول فكان منهما فلك دائر فكان العالم كله في ستة أيام أجناساً من أول يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة ، وبقي يوم السبت للانتقال من مقام إلى مقام ومن حال إلى حال فصار ألم فلكا محيطاً من ورائه علم الذات والصفات والأفعال والمفعولات فمن قرأها بهذه الحقيقة حضر بالكل للكل مع الكل إلى آخر ما قال ، وذكر في كتاب «الإسرا إلى المقام الأسرى » ما يشير إلى دقائق أفكار وخفايا أسرار مبنية على أعداد الحروف وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة واثنين وثلاثين( {[102]} ) وأول التفصيل من نوح إلى إشراق يوح ، ثم إلى آخر التركيب الذي نزل فيه الكلمة والروح فبعد عدده تضربه وتجمعه وتحط منه طرحاً وتضعه يبدو لك تمام الشريعة حتى إلى انخرام الطبيعة ، ومما يستأنس به لذلك ما رواه العز بن عبد السلام أن علياً رضي الله تعالى عنه استخرج وقعة معاوية من { حم عسق } [ الشورى : 1 ، 2 ] واستخرج أبو الحكم عبد السلام بن برجان في تفسيره فتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة من قوله تعالى : { الم غُلِبَتِ الروم } [ الروم : 1 ، 2 ] وذكر الشيخ قدس سره كيفية استخراج ذلك بغير الطريق الذي ذكره وهو أن تأخذ عدد { الم } بالجزم الصغير فيكون ثمانية وتجمعها إلى ثمانية البضع في الآية فتكون ستة عشر فتزيل الواحد الذي للألف للأس فتبقى خمسة عشر فتمسكها عندك ثم ترجع إلى العمل في ذلك بالجمل الكبير وهو الجزم فتضرب ثمانية البضع في أحد وسبعين ، واجعل ذلك كله سنين يخرج لك في الضرب خمسمائة وثمانية وستون سنة فتضيف إليها الخمسة عشر التي مسكتها عندك فتصير ثلاثة وثمانين وخمسمائة سنة وهو زمان فتح بيت المقدس على قراءة ( غلبت ) بفتح الغين واللام و( سيغلبون ) بضم الياء وفتح اللام انتهى وإذا علمت أن هذه الفواتح السر الأعظم والبحر الخضم والنور الأتم .
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا *** ونور ولا نار وروح ولا جسم
فاعلم : أن كل ما ذكر الناس فيها رشفة من بحار معانيها ومن ادعى قصراً فمن قصوره أو زعم أنه أتي بكثير فمن قلة نوره ، والعارف يقول باندماج جميع ما ذكروه في صدف فرائدها وامتزاج سائر ما سطروه في طمطام فوائدها فإن شئت فقل كما أنها مشتملة على هاتيك الأسرار يشير كل حرف منها إلى اسم من أسمائه تعالى وإن شئت فقل أتى بها هكذا لتكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن ، وإن شئت فقل جاءت كذلك ليكون مطلع ما يتلى عليهم مستقلاً بضرب من الغرابة أنموذجاً لما في الباقي من فنون الإعجاز فإن النطق بأنفس الحروف في تضاعيف الكلام ، وإن كان على طرف الثمام يتناوله الخواص والعوام ، لكن التلفظ بأسمائها إنما يتأتى ممن درس وخط ، وأما من لم يحم حول ذلك قط فأعز من بيض الأنوق وأبعد من مناط العيوق ، ولا سيما إذا كان على نمط عجيب وأسلوب غريب منبئ عن سر سري مبني على نهج عبقري بحيث يحار فيه أرباب العقول ويعجز عن إدراكه ألباب الفحول ، وإن شئت فقل فيها جلب لإصغاء الأذهان وإلجام كل من يلغو من الكفار عند نزول القرآن لأنهم إذا سمعوا ما لم يفهموه من هذا النمط العجيب تركوا اللغط وتوفرت دواعيهم النظر في الأمر المناسب بين حروف الهجاء التي جاءت مقطعة وبين ما يجاورها من الكلم رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ويوضح ذلك المشكل ، وفي ذلك ردّ شر كثير من عنادهم وعتوهم ولغوهم الذي كان إذ ذاك يظهر منهم وفي ذلك رحمة منه تعالى للمؤمنين ومنة للمستبصرين ، وإن شئت فقل إن بعض مركباتها بالمعنى الذي يفهمه أهل الله تعالى منها يصح إطلاقه عليه سبحانه فيجري ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال يا كهيعص ويا حم عسق على ظاهره ، وإن أبيت فقل المراد يا منزلهما وإن شئت فقل غير ذلك حدث عن البحر ولا حرج .
وعندي فيما نحن فيه لطائف وسبحان من لا تتناهى أسرار كلامه فقد أشار سبحانه بمفتتح الفاتحة حيث أتى به واضحاً إلى اسمه الظاهر وبمبدأ سورة البقرة إلى اسمه الباطن فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وأشار بتقديم الأول إلى أن الظاهر مقدم ، وبه عموم البعثة نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر ، وأيضاً في الأول إشارة إلى مقام الجمع وفي الثاني رمز إلى الفرق بعد الجمع وأيضاً افتتاح هذه السورة بالمبهم ثم تعقيبه بالواضح فيه أتم مناسبة لقصة البقرة التي سميت السورة بها { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } [ البقرة : 72 ] أيضاً في الحروف رمز إلى ثلاثة أشياء فالألف إلى الشريعة واللام إلى الطريقة والميم إلى الحقيقة ، فهناك يكون العبد كالدائرة نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله تعالى بالكلية ، وأيضاً الألف من أقصى الحلق واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج والميم من الشفة وهو آخرها فيشير بها إلى أن أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله عز وجل ، وأيضاً في ذلك إشارة إلى سر التثليث فالألف مشير إلى الله تعالى واللام إلى جبريل والميم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه في الألف ست صفات من صفات الله تعالى الابتداء والله تعالى هو الأول والاستواء والله تعالى هو العدل الذي لا يجور والانفراد والله تعالى هو الفرد وعدم الاتصال بحرف وهو سبحانه بائن عن خلقه وحاجة الحروف إليها مع عدم حاجتها وأنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني ومعناها الألفة وبالله تعالى الائتلاف ، وبقيت أسرار وأي أسرار يغار عليها العارف الغيور من الأغيار .
ومن الظرائف أن بعض الشيعة استأنس بهذه الحروف لخلافة الأمير علي كرم الله تعالى وجهه فإنه إذا حذف منها المكرر يبقى ما يمكن أن يخرج منه ( صراط علي حق نمسكه ) ولك أيها السني أن تستأنس بها لما أنت عليه فإنه بعد الحذف يبقى ما يمكن أن يخرج منه ما يكون خطاباً للشيعي وتذكيراً له بما ورد في حق الأصحاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين وهو ( طرق سمعك النصيحة ) وهذا مثل ما ذكروه حرفاً بحرف وإن شئت قلت ( صح طريقك مع السنة ) ولعله أولى وألطف ، وبالجملة عجائب هذه الفواتح لا تنفد ولا يحصرها العد .
وكل يدعي وصلاً لليلى *** وليلى لا تقر لهم بذاكا
وقد اختلف الناس في إعرابها حسبما اختلفت أقوالهم فيها فإن جعلت أسماء للسور مثلا كان لها حظ من الإعراب رفعاً ونصباً وجراً فالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والنصب بتقدير فعل القسم أو فعل يناسب المقام وجاز النصب بتقدير فعل القسم فيما وقع بعده مجرور مع الواو نحو { ق والقرءان } [ ق : 1 ] مع أنه يلزم المخالفة بين المتعاطفين في الإعراب إن جعلت الواو للعطف واجتماع قسمين على شيء واحد إن جعلت للقسم وهو مستكره كما قاله الخليل وسيبويه لأن المعطوف عليه في محل يقع فيه المجرور فيكون العطف على المحل ويقدر الجواب من جنس ما بعد إن كانت للقسم أو لا حاجة للتقدير ويكتفي بجواب واحد إذ لا مانع من جعل أحد القسمين مؤكداً للآخر من غير عطف ، أو يقال هما لما كانا مؤكدين لشيء واحد وهو الجواب جاز ذلك ، ولا وجه وجيه للاستكراه وإن كان للضلالة أب فالتقليد أبوها والجر على إضمار حرف القسم ، وقول ابن هشام أنه وهم لأن ذلك مختص عند البصريين باسم الله سبحانه وبأنه لا جواب للقسم في سورة البقرة ونحوها ولا يصح جعل ما بعد جواباً وحذفت اللام كحذفها في قوله :
ورب السموات العلى وبروجها *** والأرض وما فيها المقدر كائن
لأن ذلك على قلته مخصوص باستطالة القسم وهم لا يخفى على الوليد إذ مذهبنا كوفي واتباع البصري ليس بفرض وكثيراً ما يستغنى عن الجواب بما يدل عليه والمقسم عليه مضمون ما بعده وهو قرينة قريبة وبهذا صرح في «التسهيل وشروحه » ، وحديث الاستطالة ليس بلازم بل هو الأغلب كما صرح به ابن مالك .
ثم ما كان من هذه الفواتح مفرداً كص أو موازناً له كحم بزنة قابيل يتأتى فيه الإعراب لفظاً أو محلاً بأن يسكن حكاية لحاله قبل ويقدر إعرابه وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث وما خالفهما نحو كهيعص يحكى لا غير وجازت الحكاية في هذه الأسماء مع أنها مختصة بالأعلام التي نقلت من الجمل كتأبط شراً لرعاية صورها المنبئة عن نقلها إلى العلمية وفي الألفاظ التي وقعت أعلاماً لأنفسها كضرب فعل ماض لحفظ المجانسة مع المسمى في الأشعار بأنها لم تنقل عن أصلها بالكلية لأنها لكثرة استعمالها معدودة موقوفة صارت هذه الحالة كأنها أصل فلما جعلت أعلاماً جازت حكايتها على تكل الهيئة الراسخة تنبيها على أن فيها سمة من ملاحظة الأصل وهو الحروف المبسوطة ، والمقصود الإيقاظ وقرع العصا فتجويز الحكاية مخصوص بهذه الأسماء أعلاماً للسور وإلا فلم تجز الحكاية كذا في «الحواشي الشريفة الشريفية » وإطباق النحاة على أن المفردات تحكى بعد من وأي الاستفهاميتين وبدونهما كقولهم : دعنا من تمرتان مخالف لدعوى الاختصاص التي حكاها كما لا يخفى وإن أبقيت على معانيها مسرودة على نمط التعديد لم تعرب لعدم المقتضى والعامل وكذا إذا جعلت أبعاضاً على الصحيح( {[103]} ) أو مزيدة للفصل مثلاً نعم إن قدرت بالمؤلف من هذه الحروف كانت في حيز الرفع على ما مر وإن جعلت مقسماً بها يكون كل كلمة منها منصوباً أو مجروراً على اللغتين في الله لأفعلن وهل ذلك المجموع نحو { الم } و{ حم } [ غافر : 1 ] أو للألف والحاء مثلاً على طريق الرمان حلو حامض ؟ خلاف والظاهر الأول وجوز بعضهم الرفع بالابتداء والخبر قسمي محذوفاً وتصريح الرضي باختصاص ذلك فيما إذا كان المبتدأ صريحاً في القسمية يجعله غير مرتضى ، وجعل بعضهم النصب في البعض مخصوصاً بما إذا لم يمنع مانع كما في { ص والقرءان } [ ص : 1 ] فيتعين الجر للزوم المخالفة بين المتعاطفين واجتماع القسمين حينئذ وفيه ما تقدم فلا تغفل ، وبقيت أقوال مبنية على أقوال لا أظنها تخفى عليك إن أحطت خبراً بما قدمناه لديك فتدبر ، وفي كون هذه الفواتح آية خلاف فقال الكوفيون : { الم } آية أينما وقعت وكذلك ( المص ) و( طسم ) وأخواتهما و( طه ) و( يس ) و( حم ) وأخواتها و( كهيعص ) آية و( حم عسق ) آيتان وأما ( المر ) وأخواتها الخمس فليست بآية وكذلك ( طس ) و( ص ) و( ق ) و( ن ) ، وقال البصريون : ليس شيء من ذلك آية وفي «المرشد » أن الفواتح في السور كلها آيات عند الكوفيين من غير تفرقة وليس بشيء كقول بعض { الم } في آل عمران ليست بآية .
هذه السورة مدنية ، وهي تتناول جملة من المعاني والقضايا والقواعد التي تغطي جانبا أكبر من نظام الإسلام ، وذلك فيما يمس الواقع البشري للإنسان بمختلف مناحيه النفسية والروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ويمكن أن نعرض لما تناولته السورة في الأمور التالية :
أولها مسألة الحروف المتقطعة أو فواتح السور التي تأتي على رأس جملة من سور القرآن والتي اختلفت فيها أقوال العلماء والمفسرين ، ثم التنويه السريع بفريقين من البشر : فريق المؤمنين ، وفريق المشركين ، ويعقب ذلك تنديد تفضيلي ومؤثر بفريق فاسد مشنوء من البشر ، وهو فريق مذبذب مريض يخفي في نفسه الضلال والكفر ليبدي للناظرين والسامعين شاكلة مليحة خادعة ، وهؤلاء هم المنافقون الذين يوجدون في كل مكان وزمان ، والذين يؤذون المؤمنين من الداخل في صمت وتلصص .
وتتناول السورة ضربا من ضروب التحدي للمشركين والمكذبين أن يأتوا بسورة واحدة- أي سورة – من مثل هذا القرآن من حيث أسلوبه العجيب أو مستواه السامق الفذ ، وهو تحد يظل قائما دون مبارحة لتستبين معه حقيقة الإعجاز لهذا الكتاب الحكيم .
ثم استخلاف الله للإنسان في هذه الأرض ليكون منوطا به احتمال الأمانة والمضيء في منهج الله وخطه المستقيم ، مع ما رافق ذلك من مساءلة الملائكة لربهم عن جعل هذه الخليفة في الأرض ، وهم المسبحون بحمد الله والمقدسون له .
ثم قضية السجود لآدم ، وذلك أمر رباني كبير يفرضه الله على جنده الملائكة الأطهار والى جانبهم إبليس الذي ظل عابدا لله حتى تبينت الحقيقة يوم انحسر هذا الكائن الشقي عن طبيعة مستكبرة شاذة ، طبيعة آيسة فاسدة تستعلي على الرحمن جل وعلى فلا ترضخ لأمر الله بالسجود لآدم ، فكان ذلك بداية السقوط والهلاك .
ثم قضية آدم وزوجه اللذين استمعا لكلمة الله في النهي عن الأكل من هذه الشجرة لكنهما نسيا وأخطأ فأكلا منها ، فاقتضت بعد ذلك حكمة الله أن يهبط الثلاثة إلى الأرض حتى حين ، إلى أن يرتحلا إلى دار البقاء حيث الحساب .
وتتناول أيضا خطاب الله لبني إسرائيل من أجل أن يذكروا نعمة الله التي امتن بها عليهم فيوفوا بعهده ويرهبوه ، ثم يؤمنوا بالقرآن الحكيم الذي جاء مصدقا لما نزل عليهم من كتاب ، وألا يخلطوا بين الحق والباطل عمدا وتزويرا ، وأن يضطلعوا بأداء ما فرض الله عليهم من صلاة وزكاة ، وذلك كيلا يكونوا في عداد الذين يقولون ولا يفعلون .
وثمة تذكير كذلك لبني إسرائيل بما أنعمه الله عليهم وبما فضلهم به على العالمين من معطيات ومنن ، وذلك كمنجاتهم من كيد فرعون الذي سامهم عذابا بئيسا من تذبيح أبناء واستحياء للنساء ، وكذلك قد فرق الله البحر من أجل بني إسرائيل ليمروا من خلاله إلى حيث السلامة والنجاة مع تغريق فرعون وجنوده حتى أصبحوا من الهالكين .
وتعرض سورة البقرة في قدر عظيم من الآيات لقصة بني إسرائيل ، وهي قصة طويلة وغريبة ومريرة بما يكشف عن طبيعة يخالطها التخلخل والشذوذ ، يتبين ذلك من خلال مناسبات وأسباب شتى تثير في النفس الحيرة والاشمئزاز ، وذلك لفرط التطاول والاجتراء على الله ، وهو اجتراء مرفوض يأباه الضمير المؤمن ، فقد طلب بنو إسرائيل من نبيهم موسى أن يمكنهم من رؤية الله جهارا وإلا فإنهم لا يؤمنون ، حتى أخذتهم الصاعقة بالهلاك جزاء هذا الاجتراء الأحمق .
وقد أمرهم ربهم أن يدخلوا القرية ليأكلوا منها كما يشاؤون على أن يبادروا الدخول وهو ساجدون ثم يقولون ( حطة( حين الدخول ليغفر الله لهم خطاياهم نظير ذلك .
لكن فريقا ظالما منهم قد تكلم بغير ما أمر به وذلك على سبيل السخرية والاستخفاف .
ثم استسقاء موسى لقومه حتى ضرب الحجر بعصاه ( افانفجرت منه اثنتا عشرة عينا( ثم مطالبة بني إسرائيل بطعام أدنى من المن والسلوى كالبقل والقثاء والفوم والعدس والبصل ، وذلك ما يكشف عن النزوع للبطر والعتو في غير تواضع أو إقرار لله بالنعمة ، حتى كتب الله عليهم الذلة والمسكنة والغضب والتفريق المشتت في الأرض وذلك بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير حق .
وتعرض السورة لقصة البقرة ، وهي ما أمر الله بني إسرائيل على لسان نبيهم ومنقذهم موسى عليه السلام أن يذبحوها ، وهي بقرة لم تتحدد بصفة من الصفات بل ورد الأمر بإطلاق غير مقيد ، وقد ذبح اليهود بقرة ، لكن بعد تردد وجدال طويلين غريبين .
وفي السورة كذلك نصيب كبير من الكلام عن بني إسرائيل على أنحاء متعددة من الكشف والتبيين تارة ، أو من التنديد والتقريع تارة أخرى ، أو من التهديد والوعيد تارة ثالثة ، وذلك مثلما كشفت الآيات عن نفاق فريق من بني إسرائيل الذين إذا لقوا المؤمنين أظهروا لهم الإيمان والإخلاص ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض تلاوموا فيما بينهم وحرض بعضهم بعضا على خداع النبي والمسلمين .
وبعض الآيات كذلك ينطوي على تهديد مخوف لأولئك الذين يزيفون الكتاب ويحرفون الكلم ليقولوا هذا من عند الله ، وأولئك لهم الويل والثبور .
وكذلك قد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل كيلا يعبدوا إلا الله ولكي يحسنوا للوالدين وذوي القربي واليتامى والمساكين وأن يقيموا الصلاة ويؤدوا الزكاة ، وكذلك أخذ ميثاقهم ألا يسفك بعضهم دماء بعض وألا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم بالإثم والعدوان ، لكنهم بالرغم من هذه المواثيق المغلظة فقد ضلوا وتولوا معرضين ، ثم قتلوا النفس بغير حق وأخرجوا فريقا من الناس من ديارهم ظلما ، ومبعث ذلك كله الإيمان المضطرب أو العقيدة المجزأة المتلجلجة التي تسول لبني إسرائيل أن يجعلوا كتاب ربهم ( عضين( أي يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه الآخر .
وفي السورة تنديد عظيم بفعلة بشعة مروعة تتمثل في قتل النبيين وفي عبادة العجل الذي أشربوا حبه في قلوبهم .
وتتضمن السورة كذلك حكما معنويا قاطعا يكشف عن طبيعة بني إسرائيل في كونهم ( أحرص الناس على حياة ( كيفما كانت هذه الحياة ما دامت تموج بالغواية والفتن والشهوات .
وفي السورة بيان أصولي لمسألة النسخ والفرق بينه وبين الإنسان ، وذلك بشيء من الإيجاز الذي تسمح به طبيعة الكتابة في هذا التفسير .
وفيها كذلك مقالة اليهود والنصارى إذ زعموا أنهم وحدهم دون غيرهم سيدخلون الجنة ، ومرة أخرى تتباين النوايا والقلوب لكل من اليهود والنصارى ليرمي بعضهم بعضا بالإفلاس والسوء ، إذ يقول كل فريق عن الآخر إنه ليس على شيء من العلم أو الحق .
والحقيقة الحاسمة التي ينبغي أن تقال في مثل هذا الصدد والتي نطق بها القرآن في هذه السورة هي أن كلا الفريقين اليهود والنصارى لن يرضى في يوم من الأيام عن الإسلام ونبيه أو عن المسلمين حيثما كانوا إلا أن يحيد المسلمون عن دينهم ليتبعوا ملة إحدى الأمتين : اليهود والنصارى .
ثم تحكي السورة قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام إذ عهد الله إليه وولده إسماعيل بناء الكعبة وتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود ، وقد خفا عليهما السلام في همة لتنفيذ أمر الله بالبناء والتطهير وهما يدعوان الله سبحانه في توسل من أجل أن يتقبل منهما وأنم يجعل من نسلهما أمة مسلمة قانتة لله ، وأن يبعث في عقبهما رسولا يعلم الناس الكتاب والحكمة .
وفي السورة دحض لمقالة اليهود والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم وعقبه من النبيين كانوا منهم ، والآيات تبين في غير لبس أن هؤلاء النبيين جميعا كانوا على ملة التوحيد وكلمة الإخلاص لله ، وأنهم ليسوا من اليهود أو النصارى لما كان عليه هؤلاء من الشرك والزيغ عن صراط الله المستقيم .
وفي السورة إيذان بتحويل القبلة شطر المسجد الحرام ليتوجه المؤمنون بتواصيهم وأفئدتهم شطره وذلك في خشوع وامتثال لأمر الله سبحانه .
وفيها حض على الصبر والاحتمال عند وقوع المصائب كيفما كانت وعلى المؤمنين الصابرين صلوات من الله ورحمة لأن الله مع الصابرين .
وفيها إظهار لشعيرتين من شعائر الحج وهما الصفا والمروة ، وما يعقب ذلك من بيان شرعي لكيفية الاعتمار والتطواف ، وغير ذلك من أفعال الحج أو العمرة .
وفيها تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله إلا أن يكون الآكل مضطرا فليس هو بالباغي ولا العادي .
وفيها توضيح لحقيقة البر وهو أنه لا يتحقق في مظاهر شكلية يحددها أن تولى الوجوه نحو الشرق والغرب ، ولكن البر في حقيقته يتمثل في حسن المقصود وفي تمام العمل ، أما حسن المقصود : فهو إنما يتم عن طريق الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين ، وتلك هي أركان الإيمان في عقيدة الإسلام ، وأما تمام العمل فهو يتحقق في أسباب كثيرة منها : إيتاء المال للذين يحيق بهم ضيق أو خلة من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، ومن تمام العمل كذلك ، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس .
وسوف يرد بيان مفصل لمثل هذه الكلمات أو المسائل عند التفصيل إن شاء الله .
وفيها الحكم بالقصاص في القتلى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، وما يقتضيه ذلك من تفصيلات فقهية يمكن أن نقررها في موضعها بشيء من التفصيل .
وفيها حكم الوصية بالمال للوالدين والأقربين ، وهو حكم منسوخ على ما سوف نعلم في موضعه .
وكذلك قد وردت في السورة فريضة الصوم الذي كان قد فرض على من سبق هذه الأمة من الأمم الحالية ، وثمة أحكام شرعية تتعلق بالصوم من حيث الرخصة بالإفطار وغير ذلك من أحكام تفصيلية ، فضلا عن التنويه الظاهر بشهر رمضان العظيم الذي أنزل الله فيه القرآن ليكون ( هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ( .
وفي السورة تحريض للمؤمنين على قتال الكافرين المعتدين ، وذلك من أجل أن يقتلوهم حيث ثقفوهم وأن يخرجوهم من حيث أخرجوهم ، لأن الفتنة بما يبعد المؤمنين عن دينهم لهي أشد من القتل نفسه ، وقاعدة الإسلام في مفهوم القتال ألا تكون هناك فتنة في الأرض تحول بين الناس ودين الله ، وحتى يكون الدين لله وهو أن يهيمن الإسلام على ما سواه من شرائع وملل .
وفي السورة كذلك بعض أحكام الحج الذي يتأذى في أشهر معلومات لا مصاغ لوقوع شيء من رفث أو فسوق فيهن ، ومن أحكامه كذلك الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام إلى بقية أعمال الحج من أركان وشروط وسنن .
وتعرض السورة لفريق من المنافقين الذين يعجب السامع لأقوالهم وهي تتعزز بفيض من الإيمان والشهادة لله بأنهم صادقون ، لكنهم في الحقيقة طغمة من البشر المخادع الكاذب ، البشر المنافق الذي ينطلق في الأرض ليعبث فيها فسادا وتخريبا .
وتعرض السورة كذلك للكافرين الذين زينت لهم الدنيا فانفلتوا عن صراط الله إلى حيث الضلال والشهوات والفسق ، وفوق ذلك فقد مضى هؤلاء في خط الشيطان وهم يسخرون من المؤمنين .
وفي السورة تبيين لحقيقة التصور الديني الذي أساسه الوحي ، وحقيقة هذا التصور أن المجتمعات أساسا كانت على ملة ربانية واحدة تقوم على الفطرة والتوحيد ، وقد نيط بالنبيين المرسلين وظيفة التبليغ ليكونوا مبشرين ومنذرين فانقسم الناس إلى طرائق شتى تتردد بين الكفر والإيمان والنفاق على تفاوت .
وتذكر السورة أن دخول الجنة إنما يكون مسبوقا بامتحان عسير في الدنيا مثلما أصاب المؤمنين السابقين الذين مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى لجوا إلى الله ضارعين إليه بالإخلاص والنصر .
وأوجبت السورة فريضة القتال وهو كره للناس ، لكنه لسوف يؤول بالتالي إلى السلامة والخير بما يحقق للناس الأمن والرخاء ، حتى إن القتال في الشهر الحرام مشروع إذا ما قوتل فيه المسلمون .
والقتال في الشهر الحرام كبير لكن الأشد منه فظاعة أن يكون ثمة صد عن سبيل الله وكفر بالله والمسجد الحرام ثم إخراج أهله منه ظلما وعدوانا .
وتعرض السورة لجملة أحكام تتعلق بانحلال الزوجية منها : الإيلاء وقد أبطل القرآن ما كان شائعا بين العرب من قطيعة الرجل لزوجته إذا ما آلا عليها ألا يمسها ، بات هذا العرف الجاهلي منسوخا بحكم القرآن الذي حدد مدة الإيلاء بأربعة شهور فإما الرجوع بعدها إلى الحياة الزوجية وإما الطلاق .
ومنها كذلك الطلاق ، فإن وقع وجب على المطلقة أن تعتد ثلاثة قروء ليستطيع الرجل مراجعتها قبل أن تنتهي العدة على أن يكون ذلك كله بالمعروف .
وقد أرست الآية في هذا الصدد حكما ينبغي أن يسري في حياة المجتمعات وهو : أن للرجال على النساء درجة وهي القوامة المسؤولية على ما سنبينه في حينه إن شاء الله .
ثم أوردت السورة مهمة الوالدات في إرضاع الطفل كيلا يتضرر أو يشقى ، وهن يرضعن أولادهن حولين كاملين إن أردن الإرضاع على التمام ، والوالدون في ذلك ملتزمون بأداء النفقة للغذاء والكساء والإيواء وغيره من وجوه الإنفاق على أن يكون ذلك كله في حدود القدرة والإمكان .
وأوردت السورة أيضا الحكم حالة وفاة الأزواج ، فإن على الزوجات إذ ذاك أن تمتد عدتهن إلى أربعة أشهر وعشرة أيام ، وبعد انقضاء هذه المدة فهن حرائر في ابتغاء الزواج إن أردن .
وفي السورة بيان عن نكول بني إسرائيل عن القتال وقد تعدي عليهم ، مع أنهم قطعوا على أنفسهم عهدا موثقا بالقتال ، لكنهم لما كتب الله عليهم القتال نكلوا وتولوا عن فريضة الجهاد ولم يثبت للفاء العدو إلا القليل منهم .
وتعرض السورة لأعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي ، ولا جرم أن تكون هذه الآية عظيمة لما تتضمنه من معان وثيقة الصلة بالعقيدة نفسها ، وذلك شاهد من شواهد كثيرة تدل على إعجاز هذا الكتاب وأنه كلام رباني باهر .
آية الكرسي قصيرة من حيث المبنى والمظهر ، وهي كذلك قليلة من حيث الكلمات لكنها غزيرة العطاء والمضمون ، ووافية المعنى والمقصود بما يكشف عن ملامح جلية لعقيدة الإسلام بصورة عامة ، وعقيدة التوحيد على وجه الخصوص .
وفي السورة كذلك أنه ( لا إكراه في الدين( فقد استبان الحق وانجلت ظلمة الباطل والشرك فبزغ فجر الإسلام الذي ترتضيه العقول وتتملاه الطبائع السليمة .
وترد في السورة قصة النبي العظيم إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وهو يحاور الملك العاتي المتجبر الذي رفض الإقرار لله بالألوهية فاصطنعها لنفسه ، وقد حاجه إبراهيم في حوار صارم أسفر عن إفلاس هذا الملك الفاسد الضال الذي أصيب بالبهت بعد أن تخاذل وتقهقر ولم يستطع الرد أمام الحجة الصادعة القوية ، ثم ذلك الذي مر في طريقه على قرية قيل أنها بيت المقدس ، فألقاها هامدة خاوية على عروشها فتساءل في نفسه حائرا ( أنى يحي هذه الله بعد موتها( فقضى الله عليه بالموت مائة عام ثم بعثه ، ليكون بذلك آية للناس ، وليعلم أن الله قادر على بعث الموتى وأنه على كل شيء قدير .
ثم تعرض السورة للصدقات من حيث الصورة في الإعطاء على ضربين فإمام الإعطاء للفقراء علانية وإمام الإعطاء في كتمان ، وعلى أية حال فإن الإخفاء أفضل كي يكون في الإعلان أذية للفقراء أو إحراج .
والله جلت قدرته يوصي بالفقراء المحصرين الذين لا يستطيعون السفر والانتشار في الأرض طلبا للرزق ، وهذا الصنف من الناس يظل على الاستحياء والمروءة فلا يرتضي الهبوط إلى مذلة السؤال في إلحاف بما يخيل للناظر أن هؤلاء الناس أغنياء لما هم عليه من نزاهة وتعفف .
وفي السورة تنديد مروع بأكلة الربا ، أولئك الجشعون الذين يعيشون على السحت والذي لا يقومون من قبورهم إلا كالذي يقوم وقد أصابه مس ، والربا من كبائر الذنوب التي أغلظ عليها الإسلام في نكير مزلزل ، حتى إن الولاة الذين يلون أمور المسلمين مخولون بتجريد فريق من عساكر المسلمين لمحاربة هؤلاء الأكلة المجرمين ، وفي ذلك دلالة جلية تتكشف من خلالها فداحة الربا الذي لا يحتمل في تصور الإسلام أدنى لين أو تساهل .
وتحتوي سورة البقرة على أطول آية في كتاب الله وهي آية الدين ، فإذا تداين المسلمون فيما بينهم فقد بات مندوبا أن يكتبا هذا الدين ، وذلك من أجل التوثيق ولكي تصان الحقوق صونا فلا يأتي عليها النسيان أو النكران ، على أن يشهد كتاب الدين شهيدان من الرجال ، فإن لم يكونا رجلين فلا بأس أن يكون ثمة رجل شهيد وامرأتان أخريان تشهدان ، وعلى الشاهد أيا كان أي يؤدي الشهادة على وجهها الصحيح وألا يكتم ما أشهد نفسه عليه ، فإن كتم فإنه آثم قلبه وجزاؤه في حساب الله مرصود .
ويتحدث آخر السورة عن ربوبية الله الكبرى التي تغطي الكون كله ليكون كل شيء مملوكا له سبحانه غير أن يكون له في ذلك شريك .
ويتحدث كذلك عن أركان الإيمان في عقيدة الإسلام وهي أركان تتحقق في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وشأن المؤمنين المخلصين حيال هذه الأركان ألا يفرقوا بين أحد من رسل الله فلا يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين .
وأخيرا فإن السورة تتضمن إرساء لقاعدة دينية فاصلة تقوم على الموضوعية الكاملة التي تأنف من القسوة أو الحيف وهي أن الله لا يكلف أحدا من الناس إلا في حدود الطاقة والوسع ، وأن لكل نفس ما كسبت من الخير وصالح العمل ، وأن عليها ما اكتسبت من الإثم والخطيئة .
هذه السورة مدنية كلها باستثناء قوله تعالى ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ( فإن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن كما قبل ، وقد نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى .
وقيل في سورة البقرة : إنها من أوائل ما نزل من السماء على النبي في المدينة بعد الهجرة ، وثمة قول آخر بأنها أول ما نزل من القرآن في المدينة وهي سورة لا جرم أن تكون عظيمة في شأنها وقدرها ، عظيمة في مضامينها وما تتدفق به من روائع وأسرار سوف نقف منها على ما أمكن خلال التوضيح المفصل التالي مستعينين بالله مستمدين منه العون والقوة وهو حسبنا ونعم الوكيل .
( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( ثمة أقوال للمفسرين في الحروف المقطعة الواردة في أوائل بعض السور ، إلا أننا نعرض للحديث عنها هنا بإيجاز لنعاود الحديث عنها ثانية في سورة آل عمران .
فقد ذهب بعض أهل العلم من المفسرين واللغويين إلى أن المقصود بهذه الفواتح من الحروف المقطعة هو التحدي على نحو آكد في الكشف عن إعجاز القرآن وعن عجز العرب دونه وهم الراسخون في الفصاحة والبيان ، فقد تحدى الله في قرآنه العاجزين من أجل أن يأتوا بمثل هذا الكلام فنكصوا جميعا ، ويريد الله أن يبين للعرب على أعقابكم والذي عز عليكم أن تأتوا بمثل بعضه ، لهو كلام من جنس ما تتخاطبون به مما تتألف من حروف في مثل ( آلم ( وغيرها من حروف أخرى مقطعة تأتي فواتح للسور ، يوضح ذلك ويرجحه قوله بعد هذه الحروف المقطعة ( ذلك الكتاب ( أي أن هذه الحروف هي التي تؤلف هذا الكتاب ، أو أن هذا الكتاب من جنس كلام العرب ، وهو كلام أساسه الحرف المقطع المنفصل كالألف أو اللام أو الميم ، وذلك آكد في التحدي وأشد في إظهار الدلالة على أن هذا القرآن الكريم معجز وأنه لا تقوى مدارك الإنسان على أن تصطنع مثله .
وقيل : إن المشركين لما تواصوا فيما بينهم أن يعرضوا عن سماع القرآن ، وقالوا ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ( أراد الله أن يفاجئهم بما يثير فيهم الدهش ويحملهم على الانتباه والإصغاء ليسمعوا القرآن ، فأنزل الله هذه الحروف الفواتح لبعض السور .
وقيل إن هذه الحروف الفواتح لهي من أسرار الكتاب الحكيم ولا يقف على المراد منها أحد من الناس ، فهي علم مستور استأثر الله به وحده ، وهو قول الصحابة وغيرهم وهم في ذلك يحدوهم التورع والحيطة خشية التكلف أو الزلل .
فكانوا يؤثرون أن لا يخوضوا في تأويل هذه الحروف ، بل كانوا ينسبون حقيقة المراد بذلك الى الله فهو أعلم بالسر والمقصود .