نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ} (30)

ولما كانت نسبته صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به من هذا القرآن الآمر بالحكمة إلى أنه أتى به عن الجن الذين طبعهم الفساد مما{[61578]} لا ينبغي أن يتخيله{[61579]} أحد فضلاً أن يقوله له صلى الله عليه وسلم ، ولا يكاد يصدق أن أحداً يرميه به ، فكان في طيه سؤال{[61580]} تقريع وتوبيخ ، نبه على ذلك بالعطف على ما تقديره : أيقولون هذا القول البعيد من أقوال أهل العقول : { أم يقولون } ما هو أعجب في مجرد قوله فضلاً عن تكريره ، فأم معادلة للاستفهام قبلها لا مقطوعة ، وكذا جميع ما بعدها وهو معنى ما نقله البغوي{[61581]} عن الخليل أنه قال : ما في سورة الطور من ذكر " أم " كله استفهام وليس بعطف .

( شاعر } يقول{[61582]} كلاماً موزوناً بالقصد ، يلزمه التكلف لذلك فيغلب إلزام الوزن قائله حتى يجعل اللفظ{[61583]} هو الأصل ويجعل المعنى تابعاً له ، فيأتي كثير من كلامه ناقص المعاني هلهل النسج مغلوباً فيه على أمره معترفاً إذا وقف عليه بتقصيره متعذراً{[61584]} مما زانه به زعم من أوزانه ، وساق سبحانه هذا وكذا ما بعده من الأقسام على طريق الاستفهام مع أن نسبتها إليهم محققة ، تنبيهاً على أن مثل هذا لا يقوله عاقل ، وإن قاله أحد لم يكد الناقل عنه يصدق : { نتربص } أي ننتظر { به ريب المنون * } أي حوادث الدهر من الموت وغيره القاطعة ، من المن وهو القطع .


[61578]:- من مد. وفي الأصل: بما.
[61579]:- من مد، وفي الأصل: محله.
[61580]:- من مد، وفي الأصل: سؤاله طني.
[61581]:- لم نعثر عليه في معالم التنزيل بهامش لباب التأويل في مظانه، والقول أورده أبو حيان في البحر 8/151 فقال: وحكى الثعلبي عن الخليل- فتأمل.
[61582]:- من مد، وفي الأصل: يقولون.
[61583]:- من مد، وفي الأصل: الوزن.
[61584]:- زيد من مد.