نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (14)

{ وجحدوا } أي أنكروا عالمين { بها } أي أنكروا كونها آيات موجبات لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأن الجحود الإنكار مع العلم .

ولما كان الجحد معناه إنكار الشيء مع العلم به ، حقق ذلك بقوله : { واستيقنتها } أي والحال أنهم قد طلبوا الوقوف على حقائق أمرها حتى تيقنتها في كونها حقاًَ { أنفسهم } وتخلل علمها صميم عظامهم ، فكانت ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم ، ولذلك أسند الاستيقان إلى النفس . ثم علل جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها فقال : { ظلماً وعلواً } أي إرادة وضع الشيء في غير حقه ، والتكبر على الآتي به ، تلبيساً على عباد الله .

ولما كان التقدير : فأغرقناهم أجمعين بأيسر سعي وأهون أمر فلم يبق منهم عين تطرف ، ولم يرجع منهم مخبر ، على كثرتهم وعظمتهم وقوتهم ، عطف عليه تذكيراً به مسبباً عنه قوله : { فانظر } ونبه على أن خبرهم مما تتوفر الدواعي على السؤال عنه لعظمته ، فقال معبراً بأداة الاستفهام : { كيف كان } وكان الأصل : عاقبتهم ، أي آخر أمرهم ، ولكنه أظهر فقال : { عاقبة المفسدين* } ليدل على الوصف الذي كان سبباً لأخذهم تهديداً لكل من ارتكب مثله .