نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ} (14)

ولما كان قد تقدم في إشارة الخطاب الامتنان بخلق الإنسان ، ثم ذكر أصول النعم عليه على وجه بديع الشأن ، إلى أن ذكر {[61841]}غذاء روحه{[61842]} : الريحان ، أتبع ذلك تفصيلاً لما أجمل فقال : { خلق الإنسان } أي أصل هذا النوع الذي هو من جملة الأنام الذي خلقنا الريحان لهم والغالب عليه الأنس بنفسه وبما ألفه .

ولما كان أغلب عناصره التراب وإن كان من العناصر الأربعة ، عبر عنه إشارة به{[61843]} إلى مطابقة اسمه - بما فيه مما يقتضي الأنس الذي حاصله الثبات على حالة واحدة - لمسماه الذي أغلبه التراب لنقله وثباته ما لم يحركه محرك ، وعبر عن ذلك بما هو في غاية البعد عن قابلية البيان فقال : { من صلصال } أي طين يابس له صوت إذا نقر عليه { كالفخار * } أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار لأنه أخذه {[61844]}من التراب{[61845]} ثم خلطه بالماء حتى صار طيناً ثم تركه حتى صار حماء مسنوناً مبيناً ، ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر عليه صوت صوتاً يعلم منه{[61846]} هل فيه عيب أم لا ، كما أن الآدمي بكلامه يعرف حاله وغاية أمره ومآله ، فالمذكور هنا{[61847]} غاية تخليقه{[61848]} وهو أنسب بالرحمانية ، وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة إنشاؤه ، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم ، فمن التراب {[61849]}جسده ونفسه{[61850]} ، ومن الماء روحه وعقله ، ومن النار غوايته وحدته ، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه .


[61841]:- من ظ، وفي الأصل: روحه-كذا.
[61842]:- سقط من ظ.
[61843]:- سقط من ظ.
[61844]:- من ظ، وفي الأصل: بالتراب.
[61845]:- من ظ، وفي الأصل: بالتراب.
[61846]:- زيد من ظ.
[61847]:- في ظ: آخر تخليقه.
[61848]:- من ظ، وفي الأصل: نفسه وجسده.
[61849]:-- من ظ، وفي الأصل: نفسه وجسده.
[61850]:- من ظ، وفي الأصل: نفسه وجسده.