نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا} (2)

ولما أخبر سبحانه بالفتح عقب سورة { الذين كفروا } بشارة بظهور أهل هذا الدين وإدبار الكافرين - كما سيأتي في إيلاء{[60092]} سورة النصر بسورة الكافرين ، لذلك علل الفتح-{[60093]} بالمغفرة وما بعدها رمزاً إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - بروحي هو وأبي وأمي - وإيماء إلى أن المراد من إخراجه إلى دار الفناء إنما هو-{[60094]} {[60095]}إظهار الدين{[60096]} القيم وإزهاق الباطل لتعلو درجته وتعظم رفعته ، فعند حصول الفتح ثم المراد كما كانت سورة النصر-{[60097]} الوالية{[60098]} للكافرين رامزة إلى ذلك كما هو {[60099]}مشهور ومذكور ومسطور{[60100]} ، فالفتح الذي هو أحد العلامات الثلاث المذكورة كما في سورة النصر على جميع المناوين ، الذي هو السبب الأعظم في ظهور دينه على الدين كله الذي هو العلامة العظمى على اقتراب أجله - نفسي فداؤه وإنسان عيني من كل سوء وقاؤه - فقال تعالى : { ليغفر لك الله } مشيراً بالانتقال من أسلوب العظمة بالنون إلى أسلوب الغيبة المشير إلى غاية {[60101]}الكبرياء بالإسناد إلى{[60102]} الاسم الأعظم إلى أن هذه المغفرة بحسب إحاطة هذا الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى : { ما تقدم من ذنبك } أي الذي تقدم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو مما ينتقل به{[60103]} من مقام كامل إلى مقام فوقه أكمل منه ، فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنباً ، وكذا قوله : { وما تأخر } قال الرازي : المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها درجات " وحسنات الأبرار سيئات المقربين " انتهى . ويجوز أن يكون المراد : لتشاهد{[60104]} المغفرة بالنقلة إلينا بعد علم اليقين بعين اليقين وحق اليقين ، فالمعنى أن الله يتوفاه صلى الله عليه وسلم عقب الفتح ودخول جميع العرب الذين يفتتحون{[60105]} جميع البلاد ويهدي الله-{[60106]} بهم سائر{[60107]} العباد في دينه ، ويأس{[60108]} الشيطان من أن يعبد في جزيرتهم إلا بالمحقرات لوجود المقصود من امتلاء{[60109]} الأكوان بحسناته صلى الله عليه وسلم ، وعموم ما دل عليه اسمه المذكور في هاتين السورتين من حمده تعالى بكماله في ذاته وصفاته ببلوغ أتباعه إلى حد لا يحصرون فيه بعد ، ولا يقف لهم مخلوق على حد .

ولما كان تمام النعمة يتحقق بشيئين : إظهار الدين والتقلة إلى مرافقة النبيين ، قال تعالى مخبراً بالشيئين : { ويتم نعمته عليك } بنقلك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح ، الذي هو أخص{[60110]} بحضرته وأولى برحمته وإظهار{[60111]} أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل ، ويدحضون شبه الشيطان ، ويدمغون كل كفران ، وينشرون رايات الإيمان في جميع البلدان ، بعد إذلال أهل العدوان ، ومحو كل طغيان .

ولما كانت هدايتهم من هدايته ، أضافها سبحانه إليه إعلاماً له أنها هداية تليق بجنابه{[60112]} الشريف سروراً له فقال : { ويهديك } أي بهداية جميع قومك { صراطاً مستقيماً * } أي واضحاً جليلاً جلياً موصلاً إلى المراد من كتاب{[60113]} لا عوج فيه بوجه ، هداية تقتضي لزومه والثبات عليه


[60092]:من ظ ومد، وفي الأصل: أتلا.
[60093]:زيد من ظ ومد.
[60094]:زيد من ظ ومد.
[60095]:من ظ ومد، وفي الأصل: إظهارا للدين.
[60096]:من ظ ومد، وفي الأصل: إظهارا للدين.
[60097]:زيد من مد.
[60098]:من ظ ومد، وفي الأصل: التلية.
[60099]:من مد، وفي الأصل و ظ: مشهورة ومذكور ومسطورة.
[60100]:من مد، وفي الأصل و ظ: مشهورة ومذكور ومسطورة.
[60101]:من ظ ومد، وفي الأصل: الكبر بإسناد.
[60102]:من ظ ومد، وفي الأصل: الكبر بإسناد.
[60103]:ن مد، وفي الأصل و ظ: عنه.
[60104]:من مد، وفي الأصل و ظ: بشاهده.
[60105]:من مد، وفي الأصل و ظ: يفتحون.
[60106]:زيد من مد.
[60107]:من مد، وفي الأصل و ظ: سامن-كذا.
[60108]:من ظ ومد، وفي الأصل: ييأس.
[60109]:من مد، وفي الأصل و ظ: إملاء.
[60110]:من مد، وفي الأصل و ظ: خص.
[60111]:من مد، وفي الأصل و ظ: أولى بإظهار.
[60112]:من ظ ومد.وفي الأصل: بيابه.
[60113]:من مد، وفي الأصل و ظ: كتب.