نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{كَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا} (16)

ولما كان التقدير : إنه ليطمع في ذلك لأن المال والجاه يجران الشرف والعظمة بأيسر سعي ، هذا هو المعروف المتداول المألوف ، استأنف زجره عن ذلك بمجامع الزجر : علماً من أعلام النبوة ، وبرهاناً قاطعاً على صحة الرسالة ، فقال ما لا يصح أن يقوله غيره سبحانه لأنه{[69764]} مع أنه لا تردد فيه ولا امتراء طابق الواقع ، فلم يزد بعد ذلك شيئاً ، بل لم يزل في نقصان حتى هلك وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً ، لا مبدل لكلماته { كلا } أي وعزتنا وجلالنا لا تكون له زيادة على ذلك أصلاً ، وأما النقصان فسيرى إن استمر على تكذيبه فليرتدع عن هذا الطمع ، وليزدجر وليرتجع{[69765]} ، فإنه حمق محض وزخرف بحت ، وغرور صرف ، ولما ردعه هذا الردع المقتضي ولا بد للإذعان وصادق الإيمان ممن لم يستول عليه الحرمان ، علله بقوله مؤكداً لإنكارهم العناد{[69766]} والمعاد : { إنه } أي هذا الموصوف { كان } بخلق كأنه جبلة له-{[69767]} وطبع لا يقدر على الانفكاك عنه { لآياتنا } على ما لها من العظمة خاصة لكونها هادية إلى الوحدانية ، لا لغيرها من الشبه القائدة إلى الشرك { عنيداً * } أي بالغ العناد على وجه لا يعد عناده لغيرها بسبب مزيد قبحه عناداً ، والعناد - كما قال الملوي : من كبر في النفس أو يبس في الطبع أو شراسة في الأخلاق أو خبل في العقل ، وقد جمع ذلك كله إبليس ، لأنه خلق من نار . وهي من طبعها اليبوسة وعدم الطواعية ، وحقيقته ميل عن الجادة ، ومجاوزة للحد مع الإصرار واللزوم ، ومنه مخالفة الحق مع المعرفة بأنه حق .


[69764]:سقط من م.
[69765]:في م: ليرجع.
[69766]:من م، وفي ظ: العبادة.
[69767]:زيد من م.