نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} (3)

ولما أخبر بتمام القدرة ، دل على ذلك بقوله : { هو } أي وحده { الأول } أي بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له ، والقديم الذي منه وجود كل شيء وليس{[62352]} وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه حقير ، وكل ما كان كذلك فلا بد له من موجد غير متأثر { والآخر } بالأبدية ، الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ولو بالنظر إلى ما له من ذاته فلا آخر له لأنه يستحيل عليه نعت{[62353]} العدم لأن كل ما سواه متغير ، وكل ما تغير بنوع من التغيير جاز إعدامه ، وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون بعده ولا يمكن إعدامه .

ولما كان السبق يقتضي البطون ، والتأخر يوجب الظهور ، وكانا أمرين متضادين لا يكاد الإنسان يستقل بتعلقهما في شيء واحد ، نبه على اجتماعهما فيه ، فقال مشيراً بالواو إلى تمام الاتصاف وتحققه : { والظاهر } أي بالأحدية للعقل بأدلته الظاهرة في المصنوعات بما له من الأفعال ظهوراً لا يجهله عاقل ، وهو الغالب في رفعته وعلوه فليس فوقه شيء { والباطن } بالصمدية وعن انطباع الحواس وارتسام الخيال وتصور الفهم والفكر وبتمام العلم والحكمة بما له من العظمة في ذاته بكثرة التعالي والحجب بطوناً لا{[62354]} يكتنهه شيء ، وقال القشيري : الأول بلا ابتداء ، الآخر بلا انتهاء . الظاهر بلا خفاء ، الباطن{[62355]} بنعت العلا وعز الكبرياء - انتهى ، والعطف للدلالة كما أشير إليه على الإحاطة التامة لأنها لما كانت متضادة كانت بحيث لو أعريت عن الواو لربما ظن أن وجودها لا على سبيل التمكن ، فلا تكون محيطة بل مقيدة بحيثية مثلاً فجاءت الواو دلالة على تمكن الوصف وإحاطته وإنه واقع بكل اعتبار ليس واحد من الأوصاف مكملاً لشيء آخر ولا شارحاً لمعناه ، فهو أول على الإطلاق{[62356]} وآخر كذلك ، وظاهر حتى في حال بطونه وباطن كذلك ، وهذا على الأصل فإن صفاته تعالى محيطة فلا إشكال ، إنما الإشكال عند الخلو من العطف فهو الأغلب في إيرادها كما في آخر الحشر ، ولعل ذلك مراد الكشاف بقوله : إن{[62357]} الواو الأولى معناها الدلالة على الجامع بين الصفتين{[62358]} الأولية والآخرية ، أي جمعاً هو في غاية المكنة ، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء ، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخيرتين ، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية . انتهى .

ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره ، ومن بطن لشيء غاب عنه علمه ، وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى{[62359]} أنه ليس فوقه شيء ، وفي بطونه بحيث ليس دونه شيء ، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة ، أعلم نتيجة ذلك فقال : { وهو بكل شيء عليم * } أي لكون{[62360]} الأشياء عنده{[62361]} على حد سواء ، و{[62362]}البطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق ، وأما هو سبحانه فلا باطن من الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم ، وهذا معنى ما قال البغوي{[62363]} رحمه الله تعالى : سأل عمر رضي الله عنه كعباً عن هذه الآية فقال : معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر ، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن - انتهى .

لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه .


[62352]:- زيد في الأصل: منه، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[62353]:-زيد من ظ.
[62354]:- زيد من ظ.
[62355]:-زيد من ظ.
[62356]:- من ظ، وفي الأصل: الإطبادق-كذا.
[62357]:- زيد من ظ.
[62358]:- من ظ، وفي الأصل: الصنفين.
[62359]:- من ظ، وفي الأصل: بل بمعنى.
[62360]:- من ظ، وفي الأصل: لكونه.
[62361]:- من ظ، وفي الأصل: على يده.
[62362]:- زيد من ظ.
[62363]:- راجع معالم التنزيل بهامش اللباب 7/ 25.