الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي - الثعالبي  
{فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا} (81)

{ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زكاة } [ الكهف : 81 ] لقوله : { أقتلْتَ نفساً زاكية } ، { وَأَقْرَبَ رُحْماً } هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خَضِر ، وزعم غير سعيد أنهما أُبْدلا جاريةً ، وأما داوُدُ بن أبي عاصِمٍ ، فقال عن غير واحدٍ : إنها جاريةٌ . انتهى لفظُ البخاريِّ .

( ت ) : وقد تحرَّينا في هذا المختصر بحَمْد اللَّه التحقيقَ فيما علَّقناه جُهْد الاستطاعة ، واللَّه المستعان ، وهو المسؤول أن ينفع به بجُوده وكَرَمِهِ . قال ( ع ) : ويشبه أنْ تكون هذه القصَّة أيضاً أصلاً للآجالِ في الأحكام التي هي ثَلاَثَةٌ ، وأيام التلوم ثلاثةٌ ، فتأمَّله .

وقوله سبحانه : { فَأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُمَا } وفي الحديث : { أَنَّهُمَا كَانَا يَمْشِيَانِ عَلَى مَجَالِسِ أُولَئِكَ القَومِ يَسْتَطْعمَانِهِمْ } .

قال ( ع ) : وهذه عبرة مصرِّحة بهوان الدنيا على اللَّه عزَّ وجلَّ .

( ص ) : وقوله : { فِرَاقُ بَيْنِي } الجمهور بإِضافة «فِرَاق » ، أبو البقاء ، أي تفريقُ وَصْلِنا ، وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ «فِراقٌ » بالتنوين ، أبو البقاء و«بَيْنَ » : منصوبٌ على الظرفِ انتهى .

قال ( ع ) : و{ وَرَاءَهُم } هو عندي على بابه ، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعًى بها الزمانُ ، وذلك أنَّ الحادث المقدَّم الوُجُودِ هو الأمامُ ، والذي يأتي بَعْدُ هو الوَرَاء ، وتأمَّل هذه الألفاظ في مواضِعِها حيْثُ وردَتْ تجدها تَطَّرد ، ومِن قرأ : «أَمامَهُمْ » ، أراد في المكان .

قال ( ع ) : وفي الحديث ، «أنَّ هَذَا الغُلاَمَ طُبِعَ يَوْمَ طُبعَ كافِراً ، والضمير في «فخشينا » للخضِرِ ، قال الداوديُّ : قوله : { فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا } [ الكهف : 80 ] أي : علمنا ، انتهى .

«والزَكَاةُ » شرف الخُلُق والوقارُ والسكينةُ المنطويةُ على خَيْرٍ ونيَّة ، «والرُّحْم » الرحمة ، وروي عن ابن جُرَيْج ، أنهما بُدِّلا غلاماً مسْلِماً ، وروي عنه أنهما بُدِّلا جاريةً ، وحكى النَّقَّاش أنها وَلَدَتْ هي وَذُرِّيَّتُها سبعين نبيًّا ، وذكره المهدويُّ عن ابن عباس ، وهذا بعيدٌ ، ولا تُعْرَف كثرة الأنبياءِ إِلا في بني إسرائيل ، وهذه المرأة لم تكُنْ فيهم ،