السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني - الشربيني  
{إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ} (4)

{ إن إلهكم } أي : الذي اتخذتم من دونه آلهة { لواحد } إذ لو لم يكن واحداً لاختل هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة وما يترتب عليها فكان غير حكيم ، فإن قيل : ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين :

الأول : أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو الكافر ، فالأول باطل ؛ لأن المؤمن مقرّ به من غير حلف .

والثاني : باطل أيضاً ؛ لأن الكافر لا يقرّ به سواء حصل الحلف أو لم يحصل فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير ، الثاني : أنه يقال أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على أن القيامة حق ، فقال : { والذاريات ذرواً } ( الذاريات : 1 ) إلى قوله { إنما توعدون لصادق ( 5 ) وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 5 - 6 ) وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لا يليق بالعقلاء ؟ أجيب : عن ذلك بأوجه :

أولها : أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور بالدلائل اليقينية ، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيداً لما تقدم لاسيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب .

ثانيها : أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل : إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة .

ثالثها : أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى : { إن إلهكم لواحد } ( الصافات : 4 ) عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحد وهو قوله تعالى : { رب السماوات والأرض } .