السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني - الشربيني  
{۞أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ} (21)

ولما أوعدهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم من الكفار وختمه بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار أتبعه الوعظ والتخويف بالمشاهدة ممن تتبع الديار ، والاعتبار بما كان لهم فيها من عجائب الآثار فقال عز من قائل :

{ أولم يسيروا في الأرض } أي : في أي أرض ساروا فيها { فينظروا } أي : نظر اعتبار كما هو شأن أهل البصائر { كيف كان عاقبة } أي : آخر أمر { الذين كانوا } أي : سكاناً للأرض عريقين في عمارتها { من قبلهم } أي : قبل زمانهم من الكفار كعاد وثمود { كانوا هم } أي : المتقدمون لما لهم من القوة الظاهرة والباطنة { أشد منهم } أي : من هؤلاء { قوة } أي : ذوات ومعاني وإنما جيء بالفصل وحقه أنه يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من المعرفة في امتناع دخول اللام عليه ، وقرأ ابن عامر منكم بكاف والباقون بهاء الغيبة { و } أشد { آثاراً في الأرض } لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليه ألوف من السنين ، وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن ومع قوتهم { فأخذهم الله } أي : الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة { بذنوبهم } أي : بسببها { وما كان لهم } من شركائهم الذين ضلوا بهم هؤلاء ومن غيرهم { من الله } أي : المتصف بجميع صفات الكمال { من واق } أي : يقيهم عذابه والمعنى : أن العاقل من اعتبر بغيره وأن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء ، ولما كذبوا رسلهم أهلكهم الله تعالى عاجلاً ، وقرأ ابن كثير في الوقف بالياء بعد القاف والباقون بغير ياء واتفقوا على التنوين في الوصل .